بحث
تفسير

“غير قانوني بوضوح”: خبراء يرون في خطة كاتس لإنشاء “مدينة إنسانية” في غزة جريمة حرب

أكاديميون إسرائيليون كبار يحذرون من أن إجبار الفلسطينيين على العيش في منطقة مغلقة سيكون غير مبرر قانونيا ويرقى إلى جرائم ضد الإنسانية

فلسطينيون يحملون أكياسا وصناديق من الطعام والمساعدات الإنسانية، تم تفريغها من قافلة برنامج الغذاء العالمي المتجهة إلى مدينة غزة في شمال قطاع غزة، 16 يونيو 2025.  (AP Photo/Jehad Alshrafi)
فلسطينيون يحملون أكياسا وصناديق من الطعام والمساعدات الإنسانية، تم تفريغها من قافلة برنامج الغذاء العالمي المتجهة إلى مدينة غزة في شمال قطاع غزة، 16 يونيو 2025. (AP Photo/Jehad Alshrafi)

أثار اقتراح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ببناء “مدينة إنسانية” على أنقاض مدينة رفح جنوب قطاع غزة، ونقل جميع سكان غزة المدنيين إليها، انتقادات واسعة النطاق من داخل إسرائيل وخارجها.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود أولمرت، إن مثل هذه المدينة ستُشكل “معسكر اعتقال”، بينما حذّر خبراء إسرائيليون بارزون في القانون الدولي من أن تنفيذ الخطة سيُشكّل سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقد يُؤدي إلى شكل من أشكال الإبادة الجماعية.

وأفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن محامين عسكريين في الجيش الإسرائيلي أبلغوا رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير أن الخطة ستكون غير قانونية إذا تضمنت إجبار المدنيين الفلسطينيين على دخول المنطقة ومنعهم من مغادرتها.

ما هي خطة كاتس؟

في إحاطة صحفية الأسبوع الماضي، صرّح كاتس بأنه أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع بالمضي قدما في خطط إنشاء “مدينة إنسانية” على أنقاض رفح.

ووفقا لرؤية كاتس، سيُحصر جميع سكان غزة المدنيين – أكثر من مليوني نسمة – في نهاية المطاف في هذه المنطقة.

وقال كاتس إن الفلسطينيين الذين سيدخلون المدينة سيخضعون للتفتيش للتأكد من عدم دخول عناصر حماس، ولن يُسمح لأحد بالمغادرة.

فلسطينيون يحملون أكياسا وصناديق من المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، تم تفريغها من قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي متجهة إلى مدينة غزة في شمال قطاع غزة، 16 يونيو 2025. (AP Photo/Jehad Alshrafi)

كما أكد وزير الدفاع على طموحه بتشجيع الفلسطينيين على “الهجرة الطوعية” من قطاع غزة إلى دول أخرى.

شهد اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) يوم الأحد، بحضور كاتس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء كبار ومسؤولين عسكريين، مناقشات حول تنفيذ الخطة. وفي الاجتماع، أفادت تقارير بأن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي قدّروا أن بناء المشروع سيستغرق عاما كاملا، وأن تكلفته ستصل إلى 20 مليار شيكل (5.9 مليار دولار).

وبحسب تقارير إعلامية عبرية، ردّ نتنياهو بغضب على الإطار الزمني والتكلفة اللذين عرضهما الجيش، وطلب من المسؤولين تقديم مقترح “أكثر واقعية”.

وقال نتنياهو في الاجتماع، بحسب موقع “واينت”: “يجب أن يكون أقصر وأقل تكلفة وأكثر عملية”.

الترحيل القسري والقانون الدولي

تحظر اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي العرفي بشكل عام ”التهجير القسري الجماعي“ وترحيل السكان المدنيين، على الرغم من أنها تسمح بالإجلاء لأسباب تتعلق بأمن هؤلاء السكان أو ”لأسباب عسكرية حتمية“.

وتنص اتفاقية جنيف أيضا على أن عمليات الإخلاء هذه يجب أن تكون مؤقتة، وتشير إلى أنه يجب إعادة أي أشخاص تم إخلاؤهم إلى ديارهم ”بمجرد توقف الأعمال العدائية في المنطقة المعنية“.

وفي حالة تنفيذ عمليات الإخلاء، يجب توفير أماكن إقامة مناسبة للسكان المدنيين، ويجب أن تتم عمليات الإخلاء ”في ظروف مرضية من حيث النظافة والصحة والسلامة والتغذية“.

محمد هنية، فتى فلسطيني يبلغ من العمر 13 عامًا، تقول عائلته إنه يعاني من سوء تغذية حاد، مستلقٍ في منزله بمخيم البريج وسط قطاع غزة، 12 أبريل 2025. (Eyad BABA / AFP)

بالإضافة إلى ذلك، يدرج نظام روما الأساسي، وهو الوثيقة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية، ”الترحيل أو النقل غير القانوني أو الحبس غير القانوني“ ضمن جرائم الحرب، و”ترحيل السكان أو نقلهم قسرا“ ضمن الجرائم ضد الإنسانية.

إسرائيل ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، وتجادل بأن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك ولاية قضائية على مواطنيها. وتخضع هذه القضية حاليا للمراجعة في المحكمة الجنائية الدولية نفسها، في أعقاب قرار المحكمة بإصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت العام الماضي.

تحذير صارم

في الأسبوع الماضي، كتب 16 باحثا ومحاضرا إسرائيليا في كليات الحقوق الإسرائيلية رسالة إلى كاتس وزمير، مع نسخ إلى المستشارة القضائية للحكومة وآخرين، لتحذيرهم من ”اللاشرعية الواضحة والصريحة الكامنة في خطة تركيز سكان غزة“.

وقال الخبراء إن تنفيذ الخطة يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ووقّع على الرسالة، من بين آخرين، إيال بنفينيستي، الأستاذ السابق في جامعة كامبريدج، الذي كان أحد الخبراء الذين دافعوا عن إسرائيل في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضدها أمام محكمة العدل الدولية.

ومن بين الموقعين البارزين الآخرين يوفال شاني من كلية الحقوق في الجامعة العبرية، الذي قدم مذكرات صديق المحكمة للدفاع عن إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك دافيد كريتسمير، وإلياف ليبليخ، وتامار مجيدو، وآخرون.

وأشار الخبراء القانونيون في رسالتهم إلى أن عمليات الإخلاء المخطط لها لا تستهدف أي منطقة معينة تشهد أعمالا عدائية في غزة، بل تشمل كامل الأراضي، مما يثير تساؤلات حول ”الضرورة العسكرية الملحة“ للخطة. كما شددوا على أنه لم يتم تقديم أي ”اعتبارات مشروعة تتعلق بالحماية أو الضرورة العسكرية“ لتبرير الخطة.

كما ذكر الأكاديميون الإسرائيليون أن حالة البنية التحتية في رفح، التي دُمرت بالكامل خلال الحرب، غير كافية لتوفير الحد الأدنى من الظروف الإنسانية أو الصحية حتى لـ 600 ألف شخص تسعى إسرائيل في البداية إلى ترحيلهم إلى المنطقة.

وأشاروا كذلك إلى أن كاتس قال إن تشجيع ”الهجرة الطوعية“ لسكان غزة خارج القطاع هي جزء محدد من خطته.

وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس بالقرب من الحدود مع قطاع غزة، 19 يناير 2025. (Ariel Hermoni/Defense Ministry)

وهذا من شأنه أن ينتهك أحكام اتفاقية جنيف التي تنص على السماح للأشخاص الذين تم إخلاؤهم بالعودة إلى ديارهم في أسرع وقت ممكن. كما أنه قد يقوض أي ادعاء بأن عمليات الإخلاء أو الترحيل إلى المدينة الإنسانية تهدف إلى الحفاظ على سلامة السكان المدنيين أو أنها ضرورة عسكرية حتمية.

وكتب الأكاديميون: ”في رأينا، إذا ما تم تنفيذ هذه الخطة، فلن تكون إخلاء بالمعنى القانوني، بل إنشاء معسكر اعتقال جماعي، والغرض الأساسي منه هو التطهير العرقي والتهجير“.

وقالوا إن خطة كاتس تشكل بالتالي جرائم ضد الإنسانية تتمثل في الترحيل أو النقل القسري، والحرمان الشديد من الحرية البدنية، واضطهاد مجموعة يمكن تحديدها بموجب نظام روما الأساسي.

وأضاف الأكاديميون: ”بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر كبير، بالنظر إلى الأوضاع الإنسانية المزرية في غزة، وخاصة إذا تم دفع السكان إلى منطقة صغيرة، أن تتحقق جريمة الإبادة الجماعية بسبب احتمال خلق ظروف معيشية تؤدي إلى تدمير جزء من السكان“.

كما حذر الأكاديميون من أن ”تركيز المدنيين في ظروف إنسانية قاسية وكثافة سكانية شديدة“ يمكن تفسيره على أنه ”إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا“، وهو أحد تعريفات الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي انضمت إليها إسرائيل.

وذكروا أن أي توجيه لتنفيذ الخطة سيكون ”أمرا غير قانوني بشكل واضح“ ويجب رفضه.

وكانت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان على نفس القدر من الانتقاد، حيث قالت إن خطط ”إعادة توطين“ الفلسطينيين داخل غزة أو ترحيلهم خارجها رغما عنهم ”تشكل جريمة حرب تتمثل في الترحيل أو التهجير غير القانوني. وعندما ترتكب هذه الجرائم في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، فإنها تشكل أيضا جريمة ضد الإنسانية“.

في حديثه إلى صحيفة “الغارديان” الأسبوع الماضي، وصف رئيس الوزراء السابق أولمرت الاقتراح بأنه ”معسكر اعتقال“ وجادل بأنه مصمم لتسهيل خطة للتطهير العرقي للفلسطينيين من غزة.

وقال رئيس الوزراء الأسبق: ”عندما يبنون معسكرا حيث [يخططون] ’لتطهير’ أكثر من نصف غزة، فإن الفهم الحتمي لهذه الاستراتيجية [هو] أنها لا تهدف إلى إنقاذ [الفلسطينيين]. إنها تهدف إلى ترحيلهم وإبعادهم وطردهم. ليس لدي أي فهم آخر، على الأقل”.

اقرأ المزيد عن