بحث
تحليل

حلف الأطلسي في مأزق جديد بعد رفضه مساعدة ترامب في مضيق هرمز

لم يُدن الرئيس الأمريكي التحالف بشكل صريح في خطابه الأخير، لكن التوترات بشأن العمليات المحتملة في مضيق هرمز جعلت المسؤولين يخشون من أن الفجوة لم تعد قابلة للردم

يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحظات عند انتهائه من الحديث عن الحرب الإيرانية من القاعة المتقاطعة في البيت الأبيض، يوم الأربعاء 1 أبريل 2026، في واشنطن. (AP/Alex Brandon)
يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحظات عند انتهائه من الحديث عن الحرب الإيرانية من القاعة المتقاطعة في البيت الأبيض، يوم الأربعاء 1 أبريل 2026، في واشنطن. (AP/Alex Brandon)

واشنطن/بروكسل/باريس – نجا حلف شمال الأطلسي في السنوات القليلة الماضية من تحديات وجودية متباينة من الحرب في أوكرانيا وموجات متعددة من الضغوط والإساءات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي شكك في المهمة الأساسية للحلف وهدد بالسيطرة على جرينلاند.

لكن المحللين والدبلوماسيين يقولون إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، التي تبعد آلاف الأميال عن أوروبا، هي التي تكاد أن تكسر التكتل الذي يبلغ عمره 76 عاما وتهدد بتركه في أضعف حالاته منذ إنشائه.

وبعد أن استشاط ترامب غضبا من رفض الدول الأوروبية إرسال قواتها البحرية لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية بعد أن بدأ الحرب الجوية في 28 فبراير شباط، قال إنه يفكر في الانسحاب من الحلف.

وتساءل ترامب خلال مقابلة مع رويترز يوم الأربعاء قائلا: “ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو كنتم مكاني؟”.

وفي خطاب ألقاه يوم الأربعاء، انتقد ترامب حلفاء الولايات المتحدة لكنه لم يصل إلى حد التنديد لحلف شمال الأطلسي مثلما توقع عدد من الخبراء.

لكن إلى جانب انتقادات أخرى موجهة لدول أوروبية في الأسابيع القليلة الماضية، أثارت تصريحات ترامب مخاوف غير مسبوقة من أن الولايات المتحدة لن تقدم المساعدة لأعضاء أوروبيين في حلف الأطلسي في حال تعرضهم للهجوم، سواء انسحبت واشنطن رسميا أم لا.

جندي إيطالي يلتقط صورة في منطقة تدريب روفايارفي خلال تمارين الناتو في القطب الشمالي “الاستجابة الباردة 26” في روفانييمي، فنلندا، في 17 مارس 2026. (AP/Aino Vaananen)

ويقول المحللون والدبلوماسيون إن النتيجة هي أن التحالف الذي تم إنشاؤه في الحرب الباردة وظل لفترة طويلة يمثل النسيج الأساسي للأمن الأوروبي يتلاشى، ولم يعد اتفاق الدفاع المشترك الذي يشكل جوهر الحلف أمرا مفروغا منه.

وقال ماكس بيرجمان، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية والذي يرأس حاليا برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن “هذا هو أسوأ وضع وصل إليه (حلف شمال الأطلسي) منذ تأسيسه”.

وبدأ هذا الواقع يترسخ في أذهان الأوروبيين، الذين اعتمدوا على حلف شمال الأطلسي كحصن منيع في مواجهة روسيا التي تزداد حزما.

يخاطب الأمين العام لحلف الناتو مارك روته (يمين)، ووكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسات إلبريدج كولبي وسائل الإعلام في مقر حلف الناتو في بروكسل، في 12 فبراير 2026. (AP/Geert Vanden Wijngaert)

وفي شهر فبراير، رفض الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته فكرة دفاع أوروبا عن نفسها دون الولايات المتحدة بوصفها “فكرة سخيفة”. أما الآن، فيعتبرها الكثير من المسؤولين والدبلوماسيين توقعا تلقائيا.

وقال الجنرال فرانسوا ليكوانتر، الذي شغل منصب رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية من عام 2017 إلى 2021 “لا يزال حلف شمال الأطلسي ضروريا، ولكن يجب أن نكون قادرين على تصور الحلف بدون الأمريكيين”.

ومن ناحية أخرى قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي “أوضح الرئيس ترامب خيبة أمله من حلف شمال الأطلسي والحلفاء الآخرين، وكما أكد الرئيس، فإن ’الولايات المتحدة لن تنسى’”.

ولم يرد ممثل لحلف شمال الأطلسي بعد على طلب التعليق.

الأمر مختلف هذه المرة

واجه حلف شمال الأطلسي تحديات من قبل، وخاصة خلال ولاية ترامب الأولى من 2017 إلى 2021 عندما فكر أيضا في الانسحاب من الحلف.

لكن في حين كان الكثير من المسؤولين الأوروبيين يعتقدون حتى وقت قريب أنه يمكن إبقاء ترامب في الحلف من خلال التملق، فإن عددا أقل منهم الآن يحمل هذا الاعتقاد، وفقا لحوارات مع عشرات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين السابقين والحاليين.

وعبر ترامب ومسؤولون أمريكيون عن استيائهم مما يعتبرونه عدم رغبة حلف شمال الأطلسي في مساعدة الولايات المتحدة في وقت الحاجة، بما في ذلك عدم تقديم المساعدة المباشرة بشأن مضيق هرمز وتقييد استخدام الولايات المتحدة لبعض المطارات والمجال الجوي. وصرّح مسؤولون أمريكيون بأن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون “طريقا ذا اتجاه واحد”.

يتحدث وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، يميناً، مع وزيرة الدفاع الفرنسية كاثرين فوترين خلال اجتماع مجلس شمال الأطلسي في دورة وزراء الدفاع بمقر حلف الناتو في بروكسل، في 12 فبراير 2026. (AP Photo/Geert Vanden Wijngaert)

ويرد مسؤولون أوروبيون بأنهم لم يتلقوا طلبات أمريكية لتوفير أصول محددة لأي مهمة لفتح المضيق ويشكون من تضارب مواقف واشنطن بشأن ما إذا كانت هذه المهمة ستنفذ في أثناء الحرب أو بعدها.

وقال جيمي شيا المسؤول السابق في الحلف والباحث الكبير حاليا في مركز أبحاث (أصدقاء أوروبا) “إنه وضع كارثي بالنسبة للحلف… ضربة موجعة للحلفاء الذين بذلوا، منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، جهودا حثيثة لإظهار استعدادهم وقدرتهم على تحمل المزيد من المسؤولية (عن دفاعهم)”.

وتأتي تصريحات ترامب الأحدث في أعقاب مؤشرات أخرى على تزايد هشاشة الحلف.

وتشمل هذه المؤشرات تهديداته المتصاعدة في يناير كانون الثاني بضم جرينلاند من الدنمرك، والتحركات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة والتي يراها الأوروبيون تساهلا مفرطا مع روسيا التي يصفها الحلف بأنها التهديد ​​الرئيسي لأمنه.

والتزمت الإدارة الأمريكية الصمت حيال التقارير التي تفيد بأن موسكو تزوّد إيران ببيانات لمهاجمة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ورفعت عقوبات عن النفط الروسي في محاولة لخفض أسعار الطاقة العالمية التي ارتفعت بشكل حاد خلال الحرب.

ووفقا لخمسة مصادر مطلعة، دار نقاش حاد بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع قرب باريس الأسبوع الماضي، مما يؤكد توتر العلاقات على جانبي الأطلسي.

جنود ينزلون على الشاطئ خلال عملية إنزال برمائي نفذتها قوة رد الفعل التابعة للحلفاء أثناء تدريبات عسكرية بقيادة الناتو على شاطئ ويسيك في بوتلوس، ألمانيا، في 18 فبراير 2026. (AP/Virginia Mayo)

وتساءلت كالاس عن موعد نفاد صبر الولايات المتحدة تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن مفاوضات السلام في أوكرانيا، مما دفع روبيو للرد بانزعاج قائلا إن الولايات المتحدة تسعى لإنهاء الحرب مع تقديم الدعم لأوكرانيا في الوقت نفسه لكن الاتحاد الأوروبي سيكون محل ترحيب للتوسط إذا رغب في ذلك.

لا رجعة

من الناحية القانونية ربما لا يملك ترامب صلاحية الانسحاب من الحلف، فبموجب قانون صدر عام 2023 لا يستطيع أي رئيس أمريكي الانسحاب من الحلف دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي وهو شرط شبه مستحيل.

لكن المحللين يقولون إن ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يملك صلاحية تحديد ما إذا كان الجيش الأمريكي سيدافع عن أعضاء الحلف. ويمكن أن يؤدي رفضه القيام بذلك إلى تقويض الحلف دون انسحاب رسمي.

وبالطبع، لا يرى الجميع الأزمة الحالية وجودية. فقد وصف دبلوماسي فرنسي خطاب الرئيس الأمريكي بأنه مجرد نوبة غضب عابرة.

من أسفل الوسط إلى اليسار: الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي ونائبة الرئيس للسياسة الخارجية والأمنية كايا كالاس، ووزير الخارجية الألماني يوهان واديبول، ووزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، ووزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، ووزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووزير الشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ووزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند، ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني، ووزير الخارجية البرازيلي ماورو فييرا، ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي يحضرون محادثات خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع مع الدول الشريكة في سيرناي لا فيل خارج باريس، الجمعة، 27 مارس 2026. (Stephanie Lecocq/Pool Photo via AP)

وسبق أن غيّر ترامب موقفه من الحلف، ففي عام 2024 قال خلال حملته الانتخابية إنه سيشجع بوتين على مهاجمة أعضاء الحلف الذين لا يدفعون حصتهم العادلة في الإنفاق الدفاعي. وبحلول آخر قمة سنوية له في يونيو حزيران 2025، كان الحلف يحظى برضى ترامب الذي ألقى خطابا أشاد فيه بحرارة بالقادة الأوروبيين ووصفهم بأنهم “يحبون أوطانهم”.

ومن المقرر أن يزور روته أمين عام الحلف، والذي تربطه علاقة وثيقة بترامب، واشنطن الأسبوع المقبل في محاولة لتغيير موقف الرئيس الأمريكي مجددا.

ويقول محللون إن لدى الدول الأوروبية أسبابا وجيهة لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في الحلف رغم الشكوك حول ما إذا كان ترامب سيدافع عنها. ومن بين هذه الأسباب، أن الجيش الأمريكي يوفر مجموعة من القدرات التي يصعب على الحلف إيجاد بديل لها مثل الاستخبارات عبر الأقمار الصناعية.

يجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يميناً، مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال اجتماع على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، 21 يناير 2026. (AP/Evan Vucci)

وحتى لو وجد ترامب والأوروبيون سبيلا للبقاء معا في الحلف، يرى دبلوماسيون ومحللون ومسؤولون أن التحالف عبر الأطلسي والذي كان محوريا للنظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية قد لا يعود كما كان.

وقالت جوليان سميث مندوبة الولايات المتحدة لدى الحلف في عهد الرئيس الأمريكي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن “أعتقد أننا نطوي صفحة 80 عاما من العمل المشترك”.

وأضافت: “لا أعتقد أن هذا يعني نهاية العلاقة عبر الأطلسي، لكننا على أعتاب مرحلة ستكون مختلفة تماما”.

اقرأ المزيد عن