بينما يلمح ترامب إلى إنهاء الحرب، قد تضطر إسرائيل إلى مواصلة محاربة التهديد الإيراني بمفردها
قد يكون الرئيس الأمريكي مستعداً لإنهاء الحملة حتى لو ظل النظام قائماً وبقي قادراً على مهاجمة جيرانه. وفي هذه الحالة، بالنسبة لإسرائيل والخليج، فإن الحرب لن تنتهي

كما كان الحال طوال معظم فترات الحرب، فإن نتيجة الصراع في إيران تتوقف على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المدة التي يرغب في مواصلة القتال فيها.
وأي شخص مطلع على أسلوب ترامب يعلم أن محاولة فهم تفكيره هي مهمة صعبة للغاية كما هو معروف. فهو غالباً ما يناقض نفسه، ويتحدث عن عمد بطرق تفتح الباب لتفسيرات متعددة، ويحب ترك خياراته مفتوحة.
وقد ظهرت تقارير طوال فترة الحرب تفيد بأن ترامب حريص على إنهاء القتال، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وبقاء مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” يوم الاثنين أن الرئيس أبلغ مساعديه باستعداده لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران حتى لو لم يتم فتح مضيق هرمز.
ووفقا للتقرير، فقد توصل البيت الأبيض إلى استنتاج مفاده أن القيام بمهمة لإعادة فتح الممر المائي من شأنه أن يمدد أمد الحرب بما يتجاوز الجدول الزمني الذي وضعه ترامب، والذي يتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع.
وفي الوقت نفسه، أمر ترامب بإرسال آلاف الجنود إلى المنطقة خلال الأسبوع الماضي فيما وُصف بأنه استعداد لعملية برية محتملة، رغم أن هذا الحشد العسكري قد يهدف أيضاً إلى الضغط على إيران لقبول شروط واشنطن لوقف إطلاق النار.
ويمكن أن تكون التسريبات حول رغبة ترامب في سحب الولايات المتحدة من الحملة العسكرية في حد ذاتها جزءاً من خدعة مدروسة تهدف إلى طمأنة طهران لتخفيف حذرها قبل شن هجوم بري.
في الوقت ذاته، فإن عدم شعبية الحرب في الداخل وتأثيرها على الاقتصاد يمنحان الرئيس أسباباً جدية للرغبة في الخروج منها.
سواء كانت الحكومة الإسرائيلية ترغب في مواصلة القتال أو مهتمة أيضاً بإنهاء الحرب تحت شروط معينة، فليس هناك ما يضمن قدرتها على تغيير رأي ترامب بمجرد أن يتخذ الرئيس قراره بنفسه.
لكن إسرائيل تملك القدرة على تعديل عملياتها لتحقيق أقصى استفادة من الوقت المتبقي، والتخطيط للمستقبل، والقيام بكل ما في وسعها لضمان أن تكون قدرة إيران على تهديدها في السنوات القادمة محدودة قدر الإمكان.
“مرحلة الاستكمال”
لا يزال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو غامضاً بشأن الموعد الذي قد تكون فيه إسرائيل مستعدة لإنهاء حملتها العسكرية أو الشروط التي ترغب في رؤيتها تتحقق.
وقال في مقابلة يوم الاثنين: “لقد تجاوزنا بالتأكيد منتصف الطريق، لكنني لا أريد وضع جدول زمني للأمر”.
حتى لو لم يتمكن نتنياهو من تحديد موعد نهائي للحرب، فإنه لا يزال يتعين على إسرائيل أن تضع تصورا واضحا لهدفها النهائي، وخطة عسكرية للوصول إليه؛ على أن تظل هذه الخطة مرنة وقابلة للتكيف من أجل الاستجابة لمواقف تتغير بسرعة شديدة.
لكن الهدف النهائي الذي تسعى إليه إسرائيل لا يزال يكتنفه الغموض، بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب.
لا شك أن الكثير قد تحقق حتى الآن؛ فكبار القادة الإيرانيين قُتلوا، والقدرات العسكرية التقليدية لطهران قد دُمرت، ومن المرجح أنها لن تتمكن من إعادة بنائها بسرعة.
ومع ذلك، فإن الأمر الأقل وضوحاً هو إلى أي مدى ستصمد هذه الإنجازات قبل أن تتمكن إيران من إعادة بناء تهديداتها لإسرائيل، وتطوير تهديدات جديدة.
علم “تايمز أوف إسرائيل” يوم الاثنين أن الجيش الإسرائيلي قد أتم تقريباً قصف جميع الأهداف التي حددها لنفسه قبل الحرب، وقد تلقى الآن أوامر من نتنياهو بالانتقال إلى ضرب أهداف “اقتصادية”.
ويوم السبت، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي العميد إيفي دفرين إنه “في غضون أيام قليلة” سيكمل الجيش استهداف جميع الأصول “الحيوية” لصناعات الإنتاج العسكري الإيرانية، والمواقع المستخدمة لتطوير أسلحة تهدد إسرائيل. كما ذكر الجيش أنه دمر معظم منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.
وتمر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الآن بما تصفه بـ “مرحلة الاستكمال” للأهداف التي وضعتها في بداية الحرب: إضعاف القدرات العسكرية لإيران و”تهيئة الظروف” لسقوط النظام الإيراني.
نتنياهو يغير رسالته
يبدو أن هذا الهدف الثاني قد نُحي جانباً في المراحل الأخيرة من الحرب.
ففي الأسابيع الثلاثة الأولى من الحملة، شدد نتنياهو مراراً وتكراراً في تصريحات معدة مسبقاً على أن إسرائيل تعمل على تمهيد الطريق للشعب الإيراني للانتفاض، بل وقال للجمهور الإيراني إن “الوقت يقترب بسرعة” لكي “تسلمهم إسرائيل الشعلة” للإطاحة بالنظام.
والآن، لم يعد نتنياهو يقول إنه سيتم إعطاء إشارة للجمهور، أو يتحدث عن تهيئة الظروف لتغيير النظام. وبدلاً من ذلك، يكتفي بالتنبؤ بأن النظام سوف ينهار.
أما الولايات المتحدة، فتبدو غير مهتمة بإسقاط الجمهورية الإسلامية. ومما يثير قلق إسرائيل هو أن ترامب يزعم – في تعريف جديد تماماً لهذا المصطلح – أن تغيير النظام قد تم تأمينه بالفعل بما أن القيادة العليا في إيران قد تمت تصفيتها.
صرح ترامب للصحفيين يوم الأحد قائلاً: “لقد أُبيد النظام الأول ودُمّر، لقد ماتوا جميعاً. والنظام التالي مات معظمه، أما النظام الثالث – فنحن نتعامل مع أشخاص مختلفين تماماً عمن تعامل معهم أي شخص من قبل”.
والأمر الأكثر إشكالية بالنسبة لإسرائيل هو وصفه لمفاوضيه الإيرانيين بأنهم “عقلانيون للغاية”.
ويبدو أن ذلك يشمل رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي وصفه ترامب بأنه “الرجل الأول” الذي تتعامل معه الولايات المتحدة، وهو شخصية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرس الثوري الإيراني لقوي. ويرى معظم المحللين أن قاليباف ليس أقل تشدداً من أولئك الذين رفضوا قبول المطالب الأمريكية حتى الآن.
الحملة القادمة
إن هدف إسرائيل المتمثل في إزالة قدرة إيران على تشكيل تهديد لا يمكن تحقيقه على الأرجح دون تغيير النظام، حسبما ذكر سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر في بودكاست “ما الذي يحدث بحق الجحيم؟” يوم الاثنين.
وقال إن الغرض من الحملة “هو التأكد من عدم وجود قوة، كيان في طهران، يقوم بتطوير أسلحة نووية، ويطور أسلحة دمار شامل متمثلة في هذه الصواريخ الباليستية، ويدعم الوكلاء في جميع أنحاء المنطقة. هذا ما نركز عليه”.
وأضاف: “الآن، إذا كان من الممكن القيام بذلك دون تغيير النظام، فحسناً. لكن من المحتمل ألا يكون ذلك ممكناً”.
وقال إنه إذا لم تتمكن إسرائيل من البدء في تغيير النظام، فإنها على الأقل تريد “انهيار النظام”.
وعرف لايتر “انهيار النظام الفعلي” بأنه وضع لا تنتج فيه إيران صواريخ باليستية أو أسلحة نووية، ولا تخصب اليورانيوم ولا تدعم الوكلاء.
ربما ترك السفير المستمعين في حالة من الارتباك نوعاً ما بشأن الشكل الذي ستبدو عليه نهاية الحرب بالنسبة لإسرائيل بالضبط. فقد قال إن إيران لن تتوقف عن تهديد إسرائيل ما لم ينهار النظام، لكنه قال إن انهيار النظام يتحقق عندما تتوقف إيران عن تهديد إسرائيل.
على الرغم من منطقه الجدلي، ألمح لايتر إلى أمر ذي عواقب بعيدة المدى، وهو أن إسرائيل لديها خطط لمواصلة القتال ضد إيران بشكل أو بآخر، حتى لو قرر ترامب التخلي عن العملية .
وقال: “هذا لن ينتهي حتى لو قالت الولايات المتحدة في لحظة ما: ‘لقد قمنا بمهمتنا، وقضينا على جميع مواقع الإنتاج، ودمرناها عسكرياً، والآن نحن ننهي العمليات'”.
وأضاف أن بعض جهود إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب ستستمر في ملاحقة القادة الإيرانيين: “إن التهديد – على الأقل من جانب إسرائيل، بالعودة إلى عمليات التصفية المستهدفة لهؤلاء الأشخاص السيئين للغاية – سيظل بالتأكيد سحابة معلقة فوق رؤوسهم لفترة طويلة. لن ننام”.
وقال: “ستستمر إسرائيل وحلفاؤها في التحرك”، مشيراً إلى تحالف دفاعي جديد وأكثر تقارباً بين إسرائيل ودول عربية.
وأضاف: “سواء كانت الإمارات أو البحرين، أعتقد أننا أصبحنا أقرب إلى السعوديين، وأقرب إلى العمانيين. بل وحتى أقرب إلى الكويتيين، يا للهول! لقد طلبوا منا المساعدة”.
كما أشار نتنياهو إلى الأمر نفسه يوم الثلاثاء.
ووفقاً لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فقد أخبر نتنياهو الوزراء في اجتماع للكابينت بأن هناك تحالفات جديدة قيد التشكل مع قادة دول عربية “يتحدثون عن القتال جنباً إلى جنب معنا”.
وبحسب ما ورد، قال نتنياهو: “في الماضي، أجريت محادثات سرية مع قادة عرب. قلت لهم: بمجرد أن تتمكن إيران من ذلك، سوف تغزوكم وتطيح بممالككم. في ذلك الوقت، لم يستوعبوا الأمر حقاً. اليوم هم يفهمون”.
يبدو أن إسرائيل تضع خططاً لاحتمال قائم وبقوة، وهو أن يتجاوز ترامب ملف الحرب مع بقاء النظام الإيراني على قيد الحياة. وحينها، ستجد إسرائيل نفسها في مواجهة جمهورية إسلامية أضعف بكثير مما كانت عليه، لكنها لا تزال تسيطر على موارد ضخمة لضخها في عملية إعادة البناء، ولا يزال لديها وكلاء مسلحون مستعدون لتنفيذ أوامرها.
وفي هذه الحالة، ربما تكون الحملة العسكرية قد انتهت، لكن الحرب ستكون بعيدة كل البعد عن نهايتها.