نواب المعارضة يصوتون لصالح تخصيص 800 مليون شيكل للمعاهد الحريدية.. كيف حدث ذلك؟
المشرعون يقعون في فخ "مناورة" برلمانية، حيث دعموا عن طريق الخطأ تحفظاً مفاجئاً على ميزانية الدولة لعام 2026 يرفع مخصصات التعليم الحريدي بشكل هائل، مما أثار ردود فعل عنيفة

في ساعات فجر يوم الاثنين، وبينما كان معظم الإسرائيليين نائمين، أقر الكنيست أخيراً ميزانية الدولة لعام 2026، مما رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة وسط الحرب مع إيران، وخصص مليارات الشواكل للمؤسسات التعليمية الحريدية وأولويات أخرى للائتلاف الحاكم.
وخلال المساء، أمضى النواب ساعات في التصويت على سلسلة من “التحفظات”، ومعظمها اعتراضات على الميزانية قدمها نواب المعارضة، والتي هزمتها بالكامل أغلبية ائتلاف اليمين الحاكم بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ومع ذلك، وبعد وقت قصير من منتصف الليل، ومع بدء تلاشي تركيز النواب، أدخل الائتلاف تحفظاً مفاجئاً على جدول الأعمال لتخصيص ما يقرب من 800 مليون شيكل (255 مليون دولار) للبرامج والمؤسسات الحريدية، بما في ذلك المعاهد الدينية.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
ولأن المعارضة عادة ما تقدم التحفظات كتكتيك إجرائي لتأخير التصويت على الميزانية، بدا أن أعضاء الكنيست من المعارضة تعاملوا مع الإجراء كأمر روتيني ودعموه تلقائياً، وفشلوا في ملاحظة أن الائتلاف كان يدعمه أيضاً. وقبل أن يدرك نواب المعارضة خطأهم، تمت الموافقة على التمويل الإضافي بأغلبية ساحقة بلغت 107 أصوات مقابل 4.
في المجمل، ووفقاً لإحصاء أجرته القناة 13، فإن هذه الخطوة – التي أعقبت الموافقة الأخيرة على مئات الملايين من الشواكل من أموال الائتلاف للتعليم الحريدي – سمحت بتوسيع المخصصات المعززة أصلاً للمؤسسات التعليمية الحريدية بأكثر من مليار شيكل، من 4.1 مليار شيكل (1.3 مليار دولار) إلى 5.17 مليار شيكل (1.65 مليار دولار).
وجاءت هذه المناورة بعد أن وافقت الأحزاب الحريدية على دعم الميزانية على الرغم من فشل الائتلاف في تمرير مشروع القانون الذي طالبت به والذي يكرس إعفاءات شاملة من التجنيد العسكري لطلاب المعاهد الدينية.
بدا أن المخصصات الموجهة لأولويات الميزانية الحريدية قد وفرت التمويل الذي كانت المستشارة القضائية للحكومة غالي باهراف-ميارا، قد جمدته سابقاً بسبب غياب قانون لتجنيد الحريديم.
بذلت بهاراف ميارا والمعارضة في الكنيست جهوداً كبيرة لحظر ميزانيات التعليم الحريدي في ظل التهرب الواسع من الخدمة العسكرية بين طلاب المعاهد الدينية وغياب المناهج التعليمية الأساسية (المواد الجوهرية) المقررة من الدولة في مؤسسات التعليم الابتدائي والثانوي التابعة لها.
أدى ذلك إلى عدة نكسات بارزة للحكومة، كان من أهمها قرار المحكمة العليا في ديسمبر 2025 بتجميد تحويل حوالي مليار شيكل (314 مليون دولار) للمدارس الحريدية المتهمة بعدم تدريس المناهج الأساسية كما ينص القانون، وهو ما أثار غضباً عارماً في صفوف المشرعين المتدينين.
أمرت المحكمة لاحقاً الدولة بتقديم معلومات حول دراسات المناهج الأساسية والرقابة في نظام المدارس الحريدية.
نصر قصير المدى؟
كان من المؤكد تقريباً أن الميزانيات الإضافية الواردة في “التحفظ” ستمر بدعم الائتلاف وحده، بغض النظر عن أصوات “نعم” التي أدلى بها نواب المعارضة عن طريق الخطأ.
ومع ذلك، اعتُبر دعم المعارضة بمثابة مكافأة للمشرعين الحريديم، الذين بدا أنهم مهتمون في المقام الأول بالحصول على موافقة الكنيست على الأموال دون جذب انتباه مشرعي المعارضة أو المستشارين القانونيين للكنيست الذين كان من المرجح أن يعترضوا على هذا الإجراء.
وفي حديث مع “تايمز أوف إسرائيل”، أوضحت مصادر سياسية حريدية أنها أرادت إخفاء الأموال وعملت بجد، بالتنسيق مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لإبقائها بعيدة عن أنظار الجمهور.
ومع ذلك، يبدو من المرجح أن يثبت “نصر” صباح الاثنين الباكر أنه قصير الأمد للغاية. فبمجرد الموافقة على التحفظ، اندلعت ضجة كما كان متوقعاً، حيث سلطت التقارير الضوء على التخصيص غير المعلن لمزيد من الأموال العامة خلال الحرب لمجتمع يعارض الخدمة العسكرية ويتجنب التعليم العلماني إلى حد كبير.
ورداً على ذلك، جمدت المستشارة القضائية للحكومة الأموال على الفور تقريباً، بينما تعهدت المعارضة بإحباط المخصصات الإضافية من خلال تقديم التماس إلى المحكمة العليا.
“مناورة برلمانية”
في أعقاب التصويت مباشرة، تباهى مسؤول رفيع في حزب “يهدوت هتوراة” الحريدي بأن الائتلاف قد التف بسلاسة على المعارضة. وأضاف المسؤول أن التصويت “أثبت أنه لا بديل عن خبرة أعضاء الكنيست المخضرمين لدينا، الذين لقنوا المعارضة مرة أخرى درساً في المناورات البرلمانية”.
وتوسعاً في النقطة التي طرحها زميله في الحزب، قال متحدث باسم عضو الكنيست عن حزب “يهدوت هتوراة” موشيه غافني، الذي يشغل منذ فترة طويلة منصب رئيس لجنة المالية في الكنيست، إن المشرعين الحريديم “يعرفون كل بند وكل موضوع في اللوائح، وشخص مثل غافني، بأقدميته وخبرته، يعرف بالضبط كيف يفعل ذلك”.
وقال المتحدث: “يمكن للائتلاف أيضاً إدراج عدد صغير من التحفظات… وقد فعل ذلك مع رئيس الإئتلاف [عضو الكنيست عن حزب الليكود أوفير كاتس] ورجال سموتريتش”، مضيفاً أنهم تمكنوا من إبقاء المناورة سراً لمدة ثلاثة أسابيع.
وقال متباهياً: “لأقول لك الحقيقة، فيما يتعلق بالمعارضة، كنا قلقين حقاً من أن يكتشف شخص ما هناك الأمر، ولكن يبدو أننا اعتقدنا أنهم أكثر ذكاء مما هم عليه في الواقع. كيف لم يكتشفوا الأمر؟ لا أعرف. لقد دسسناه بين الصفحات، وهم لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء مراجعته”، وتابع تفاخره قائلاً إنه منذ “عملية أجهزة البيجر” عام 2024 ضد حزب الله في لبنان، لم يتم الحفاظ على سر “لفترة طويلة كهذه”.
وقالت قائمة “الجبهة-العربية للتغيير” ذات الأغلبية العربية في بيان يوم الاثنين أنه “لو لم تلاحظ كتلتنا المناورة، لكان المزيد من أعضاء المعارضة قد استمروا في التصويت مع الائتلاف”، ناسبة الفضل لنفسها في الإدراك المتأخر بأن المعارضة كانت تتعرض للخداع.
وعند سؤاله عن كيفية عدم ملاحظة أي شخص للتحفظ مسبقاً، أجاب متحدث باسم رئيس “الجبهة” أيمن عودة: “نحن نسأل السؤال نفسه. لأن دور منسق المعارضة أساساً هو اطلاعنا على كل شيء، ومن الواضح أنهم أغفلوا ذلك”.
“لم أكن يقظة”
المنسقة المعنية بهذا الخطأ هي عضو الكنيست عن حزب “يش عتيد”، ميراف بن آري، التي أرسلت اعتذاراً مطولاً لزملائها في المعارضة عبر تطبيق “واتساب”، معلنة تحملها “المسؤولية الكاملة” عن التصويت الخاطئ.
وقالت بن آري: “هذه هي الميزانية التاسعة التي أشارك فيها، وقد أدرتُ آلاف التحفظات. هذه المرة لم أكن يقظة بما يكفي وأخطأت”، وهو ما استدعى ردوداً تعاطفية من زملائها في المعارضة.
وفي سلسلة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، رفضت بن آري الجهود الرامية لإلقاء اللوم على المعارضة في التصويت، وتحدثت ضد ما وصفته بأنه “محاولات لتحويل الحدث ضد المعارضة”.
وجادلت هي وشخصيات معارضة أخرى بأن القصة الحقيقية تكمن في “سرقة” الأموال العامة لصالح المتهربين من الخدمة العسكرية والمدارس التي لا تلتزم بالمعايير التعليمية.
وغردت بن آري قائلة: “أولئك الذين سرقوا أموال الجمهور ليلة أمس هم الائتلاف الفاسد. لقد عمل سموتريتش ودرعي بتواطؤ”، في إشارة إلى أرييه درعي، رئيس حزب “شاس” الحريدي.
في منشور على منصة إكس، اتهم رئيس حزب “يش عتيد” وزعيم المعارضة يائير لبيد الائتلاف بالاحتفال “بواقع أنه يسرق الأموال من المواطنين الإسرائيليين وينقلها إلى الفاسدين والمتهربين من الخدمة العسكرية”. وتعهد بمواصلة “القتال” و”عدم الاستسلام أبداً”.
المطالبة بتدخل قانوني
أعقب هذا التصريح رسائل إلى كبار المسؤولين القانونيين، بمن فيهم المستشار القانوني لوزارة المالية دودي كوبيل، تطالب بالإفراج عن الآراء القانونية التي تعلن أن التخصيص غير قانوني.
وفي رسالة إلى المستشارة القانونية للكنيست ساغيت أفيك والمستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا، جادلت شركة محاماة تمثل حزب “يش عتيد” بأن التصويت على التحفظ يشكل محاولة “للالتفاف على الحظر القانوني” المفروض على تحويل الأموال إلى المؤسسات التوراتية لطلاب المعاهد الدينية الذين لم يحصلوا على إعفاء، وكان “مثالاً آخر على حكومة تسعى للدوس على سيادة القانون”.
ومساء الاثنين، ردت بهاراف ميارا بوقف تحويل الأموال، وذكرت أن التصويت كان بالفعل محاولة للالتفاف على حكم المحكمة العليا.
وفي أعقاب تحديث بهاراف ميارا، أعلن حزب “يش عتيد” أنه سيقدم التماساً إلى المحكمة العليا لمنع التحويل بشكل دائم، وهي خطوة يرجح نجاحها بالنظر إلى أحكام قضائية سابقة مماثلة.
ساهم جيريمي شارون في هذا التقرير.