في عراد.. قصف صاروخي يصب الزيت على نار النزاع حول تحويل الملاجئ إلى كُنس
يقول سكان مدينة عراد، التي تشهد تحولاً حريديا متزايداً، إن العديد من الملاجئ العامة إما متهالكة أو غير صالحة للاستخدام بسبب تحويلها لـ "استخدامات مزدوجة" ككُنُس، في وقت تحولت فيه الحرب إلى أحدث ساحة للصراع على النفوذ الديني
عراد – على طريق منحدر يطل على صحراء النقب، تلقى سكان حي “هتسافيم” في عراد إنذارا مفاجئا ولكنه بات مألوفاً على هواتفهم بعد ظهر يوم الأربعاء.
توقفت حافلة صغيرة على عجلة بجانب الطريق ونزل منها الأطفال. ونهض زبائن كانوا يتناولون الطعام في مطعم بيتزا قريب من مقاعدهم، بينما هرع رجل يحمل كلبا صغيرا على الرصيف، وتجمعوا جميعا بالقرب من الملجأ الوحيد في المنطقة، حيث بدأت الجموع تتجمع بالفعل.
ومع سماع دوي صفارات الإنذار، نزل الجميع بسرعة عبر الدرج إلى غرفة مظلمة وضيقة. لم يكن في هذا المكان الموجود تحت الأرض كهرباء، ولم تكن سوى ثلاثة جدران ونصف من الخرسانة. طرق فتى على ما تبقى من الجدار، ومازح أصدقاءه قائلاً إن هذا الملجأ هو “الأكثر مطابقة للمواصفات على الإطلاق”.
أفاد السكان بأن الملجأ المتهالك لم يكن مطابقاً للمواصفات على الإطلاق؛ بل إن رئيس بلدية المدينة، يائير معيان، صرح بأنه “يُحظر البقاء فيه في أوقات الطوارئ”، ومع ذلك، كان هو الخيار الأقرب المتاح للحماية في المنطقة. تعود جميع المنازل في هذا الحي إلى الحقبة التي سبقت فرض بناء الغرف الآمنة قسريا في أوائل التسعينيات.
وفقا للسكان، وجهت البلدية القاطنين في الجوار للاحتماء بملجأ عام يقع في مدرسة ثانوية أعلى الطريق. إلا أن الوصول إلى تلك المدرسة يستغرق تسع دقائق سيرا على الأقدام من موقع الملجأ المتهالك، وهو ما يعادل ضعف زمن التحذير المعتاد للهجمات الصاروخية الإيرانية تقريبا.
وبعد سقوط صاروخ مدمر ليلة السبت في عراد، والذي أسفر عن إصابة 115 شخصا، بات سكان هذه المدينة الجنوبية الهادئة يعيشون حالة من القلق والذعر غير المسبوق، ويهرعون للاحتماء عند وقوع أي هجوم إيراني.
لكن السكان المحليين يقولون أن الملاجئ العامة في المدينة تعاني من إهمال دائم، مشيرين إلى أن الموارد تُخصص فقط لتلك التي يتم تحويلها لغرض ثانٍ ككُنُس يهودية. وحتى في هذه الحالة، فإن التجديدات التي تحول الملاجئ إلى قاعات صلاة جعلتها غير صالحة للاستخدام في زمن الحرب.
ومع تهديد الصواريخ الباليستية للبلاد بأكملها، أصبحت الملاجئ مزدوجة الغرض في عراد أحدث ساحة معركة في صراع طويل الأمد حول الطابع الديني للمدينة.
ويتهم المنتقدون رئيس البلدية بالرضوخ لمصالح السكان الحريديم الآخذين في التوسع السريع، من خلال السماح بتحويل المزيد والمزيد من الملاجئ العامة إلى كُنُس.
وقالت ليلاخ عنبار حبيب، وهي من سكان المدينة: “البلدية تسمح لهم ببساطة بتسلم أو الاستيلاء على الملاجئ العامة وتحويلها إلى كُنُس، حتى لو لم تكن مخصصة رسمياً لهذا الغرض. وفي كثير من الحالات، لا يملكون تصريحاً للقيام بذلك”.
أوضح السكان العلمانيون أن جذور المشكلة تعود إلى ما يعتبرونه “خضوعاً” من قِبل رئيس البلدية معيان للسياسيين المحليين التابعين لسلالة “غور” الحسيدية؛ حيث أن دور هذه الكتلة الدينية في الائتلاف الحاكم للمدينة هو ما يضمن بقاء رئيس البلدية في منصبه.
لكن المنتمين لـ”غور” ينفون بشدة الادعاءات القائلة بأن الكُنُس لم يتم اعتمادها رسميا، واصفين إياها بأنها حملة تشهير تهدف إلى “تسويد” سمعة المجتمع.
وقد انفجرت الأزمة بعد نحو أسبوع من بدء الحرب الحالية مع إيران، عندما قاطع رئيس البلدية السيدة حبيب خلال اجتماع مع السكان لمناقشة قضية الملاجئ، واصفاً كل من يعارض تحويل الملاجئ إلى كُنُس بأنه “معاد السامية”.
وقال حينها: “أقول لكم جميعاً إن كل ملجأ متاح سيكون كنيساً، [كل] ملجأ متاح في عراد سيكون كنيسا، ومن يتحدث ضد الكنيس فهو معاد للسامية”.
صراع قوى
تشجع قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي المدن والبلدات على الموافقة على الاستخدام “مزدوج الغرض” للملاجئ العامة، بافتراض أن ذلك سيحفز السكان على الاهتمام بصيانة الملاجئ. ويسمح هذا باستخدام المنشآت كفصول دراسية، أو كُنُس، أو نواد ترفيهية خلال أوقات السلم.
ويجب على المدينة منح إذن رسمي قبل اعتبار الملجأ مزدوج الغرض، ومن المفترض أن يحافظ هذا المكان على هدفه الأساسي — مما يعني ضرورة استيفائه لمعايير محددة يضعها الجيش.
وفي الوقت الحالي، يوجد 70 ملجأً عاما في عراد لعدد سكان يبلغ 145 ألف نسمة. وتفاوتت التقديرات حول عدد الملاجئ المستخدمة ككُنُس؛ فبينما زعم معيان أن هناك “حوالي” 17 ملجأ تُستخدم ككُنُس حاليا، قدر عضو مجلس المدينة موشيه رايخمان، التابع لسلالة “غور”، العدد بأقل من ذلك (12 ملجأ). وفي المقابل، أصرت حبيب على أن هناك 35 ملجأ ينطبق عليها ذلك.
وقالت حبيب، مستشهدة بمثال من ملجأ زارته وقدمت صورا له: “في أحدها، قاموا بتركيب مكيف هواء لراحتهم الخاصة. المشكلة هي أن النظام متصل بأسلاك تمر عبر نوافذ من المفترض أن تظل مغلقة”.
وفي ملجأ آخر، قالت حبيب إن “أبواب الحماية من الانفجارات التي يجب إغلاقها أثناء حالات الطوارئ، مسدودة بدلاً من ذلك برفوف الكتب المقدسة”.
وفقاً لتوجيهات الجيش الإسرائيلي، يجب أن تظل 80% على الأقل من مساحة الملجأ المزدوج الغرض فارغة، ويجب أن تمر الأسلاك الكهربائية عبر ممرات مغلقة وبموافقة خطية من قيادة الجبهة الداخلية. لكن بحسب حبيب وسكان آخرين، غالباً ما يتم تجاهل هذه القواعد.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، وجه المشرع من حزب “يش عتيد” ناؤور شيري رسالة إلى المفوض العام للشرطة داني ليفي، حثه فيها على ضمان “إخلاء الملاجئ فوراً” وجعلها “متاحة ومناسبة لجميع السكان” في عراد. جاءت هذه الخطوة عقب تقارير مقلقة تفيد بمنع سكان – من غير المصلين أو المنتمين للطائفة – من دخول الملاجئ، حتى في الأوقات التي لا تُقام فيها صلوات.
ولم يتمكن “تايمز أوف إسرائيل” من تأكيد هذه التقارير، كما ذكر العديد من النشطاء العلمانيين المطلعين على القضية أنهم لم يكونوا على علم بها أيضاً.
ولم تستجب الشرطة على الفور لطلب التعليق.
وروت نتاليا، وهي عاملة اجتماعية متقاعدة تعيش في عراد، أن مجموعة دينية “استولت” في حيها على ملجأ كانت تستخدمه كعيادة محلية للأشخاص الذين يعانون من مشاكل في التنفس، وأصبح الآن روضة أطفال للفتيات.
واتهمت نتاليا المجموعة بإلقاء المعدات الطبية دون إخطار مستخدميها، وإقامة جدران جافة جديدة لتقسيم الملجأ إلى فصول دراسية صغيرة.
ورغم أن المكان بدا دافئا ومرحبا، إلا أن جزءا كبيرا من الملجأ كان ممتلئاً بالطاولات والرفوف، كما شغلت مكتبة كبيرة معظم المساحة في إحدى الغرف التي تم تحويلها إلى مكتب.
ومع ذلك، كان المكان مرتبا – ومع وجود كهرباء وتكييف – وكان يختلف تماما عن المكان المتهالك في حي هتسافيم.
وتعليقاً على الاتهامات بأن العديد من الملاجئ مزدوجة الغرض لا تستوفي المعايير المطلوبة أو أنها غير مرحبة بالسكان غير الحريديم، اتهم رايخمان النشطاء العلمانيين بمحاولة “تلطيخ سمعة المجتمع”.
وزعم قائلاً: “هناك أشخاص، فور وقوع الكارثة في هذه المدينة، يتنقلون من ملجأ إلى آخر، ويلتقطون مقاطع الفيديو، ويبحثون عن أي وسيلة لتشويه سمعة المجتمع والبحث عن أصغر المشكلات في مثل هذه اللحظة العصيبة. هذا عار”.
وبالمثل، استنكر معيان هذه الادعاءات ووصفها بأنها “أكاذيب فظة”، واصفاً حبيب والنشطاء العلمانيين الآخرين بأنهم “محرضون على الفتنة والكراهية”.
ظاهرة انتشار الحريدية
تعد الشكاوى المتعلقة بالملاجئ مزدوجة الغرض أحدث تجليات صراع طويل الأمد بين سكان المدينة القدامى العلمانيين – وكثير منهم مهاجرون يتحدثون الروسية من الاتحاد السوفيتي سابقاً – وبين مجتمع الحريديم المتنامي بسرعة، والذي ينتمي معظمه إلى سلالة “غور” الحسيدية.
وقد شهدت المدينة، التي كانت تُعتبر ذات يوم واحة ليبرالية في النقب، تحولات ديموغرافية كبرى على مدى العقد الماضي؛ حيث بات اليهود الحسيديم من طائفة “غور” يشكلون ثلث السكان اعتباراً من يوليو 2025، ويهيمنون بشكل متزايد على المجال العام في المدينة.
أشار السكان إلى أن الملاجئ العامة ليست النوع الوحيد من المباني التي حاولت جماعات الحريديم انتزاعها من مستخدميها.
ففي عام 2019، اندلعت اشتباكات بين أفراد الشرطة ورجال حريديم بعد أن داهمت قوات إنفاذ القانون مبنى يتبع لمجموعة شبابية محلية، كانت مجموعة من الحريديم قد استولت عليه وحولته إلى كنيس.
واتخذت البلدية، التي كانت آنذاك تحت رئاسة رئيس البلدية المنتمي لوسط اليسار نيسيم بن حامو، إجراءات فورية ضد تلك المجموعة وأعادت المبنى إلى أصحابه الأصليين.
وفي وقت سابق من هذا العام، قام رجلان من رجال الأعمال التابعين لطائفة “غور” بشراء المركز التجاري الوحيد في المدينة، وظهرت ادعاءات بأن أصحاب المحلات التجارية تعرضوا لضغوط لإزالة صور النساء، وفرض معايير “اللباس المحتشم” على تماثيل العرض في الواجهات التجارية.
على الرغم من التوترات القائمة بين النشطاء العلمانيين وممثلي طائفة “غور”، إلا أن الحياة اليومية في عراد هادئة نسبياً؛ فالعديد من الأحياء القريبة من وسط المدينة مختلطة تماماً، وتحدث السكان المحليون عن تمتعهم بعلاقات طيبة مع جيرانهم.
وحتى بعد الكارثة الجديدة التي حلت بالمدينة خلال نهاية الأسبوع، مارس السكان حياتهم من تسوق وقضاء حاجياتهم وسط الدمار.
وظل المركز التجاري، الذي تضرر بشدة في الهجوم الذي وقع في وقت سابق من هذا الشهر، مفتوحاً على الرغم من أكوام الزجاج المحطم في الطابق الأرضي.
وبعد الانفجار الصاروخي الذي عصف بعدة مبانٍ سكنية ودمر عدة منازل، يبدو أن جميع السكان متفقون على أن المدينة في أمسّ الحاجة إلى بنية تحتية وقائية أفضل.
وفي رده على “تايمز أوف إسرائيل”، قال معيان إن البلدية تعمل حالياً على جمع مخصصات ميزانية وتبرعات لبناء ملاجئ جديدة في الأحياء والمدارس التي تفتقر للحماية. وذكر أنهم يعملون حالياً على توفير التمويل لـ 40 ملجأ جديدا.
لكن نتاليا زعمت أن بعض المناطق لا تزال مهملة، واستذكرت أنها كانت تتطوع مؤخراً مع مجموعة خيرية في المنطقة الصناعية بعراد لتعبئة وجبات طعام للسكان حين دوت صفارات الإنذار، فهرعت مع الآخرين إلى أقرب ملجأ، لتجده يفتقر تماماً للكهرباء أو التهوية.
وعندما أرسلت رسالة نصية إلى رئيس البلدية حول الوضع المتردي للملجأ، رد معيان بأنه لا جدوى من تطوير الملاجئ التي يستخدمها العمال فقط، مشيراً إلى أن المناطق التي تطلب مرافق مزدوجة الغرض ستكون لها الأولوية.
وكتب معيان، “لا يوجد مبرر للاستثمار في ملجأ بالمنطقة الصناعية، بما أنه يُستخدم فقط خلال ساعات النهار”.
وعندما زار “تايمز أوف إسرائيل” الموقع يوم الأربعاء، كانت بوابة السياج المؤدية إلى الملجأ مقفلة.
وحتى خارج المنطقة الصناعية، قال رايخمان: “هناك أحياء كاملة لا يوجد بها سوى ملاجئ عامة”.
وتابع قائلا: “هناك حي واحد، وهو حي هتسافيم، لا توجد في شققه غرف آمنة، ولا توجد فيه ملاجئ عامة. نحن بحاجة للوصول إلى نوع من الحل، وعلى أقل تقدير، جلب ملاجئ متنقلة إلى هناك”.



