بحث
مقال رأي

في مواجهة ترامب، راهنت حماس على البقاء، وقد أثبتت صحة رهانها؛ النظام الإيراني يتبع الخطة ذاتها

في خطاب حالة الأمة، كان لدى ترامب سبب وجيه ليدّعي النجاح ضد كل من حكام الإرهاب في غزة والجمهورية الإسلامية. لكن أيًا منهما لم ينتهِ بعد؛ بل الواقع أن كليهما يخططان للبقاء طويلًا بعد رحيله عن الرئاسة

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلقي خطاب حالة الاتحاد أمام جلسة مشتركة للكونغرس في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن، الثلاثاء، 24 فبراير 2026. (Kenny Holston/The New York Times via AP, Pool)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلقي خطاب حالة الاتحاد أمام جلسة مشتركة للكونغرس في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن، الثلاثاء، 24 فبراير 2026. (Kenny Holston/The New York Times via AP, Pool)

في خطاب حالة الأمة ليلة الثلاثاء، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ابتهاجه بإنجازه الملحوظ في تأمين إطلاق سراح آخر 20 رهينة أحياء كانوا محتجزين في غزة، وفي النهاية، جميع الرهائن القتلى الـ 28، بموجب اتفاق أكتوبر 2025 الذي توسط فيه بين إسرائيل وحماس.

وقال متفاخرا: “بموجب وقف إطلاق النار الذي تفاوضت عليه، عاد كل رهينة، سواء كان حيًا أم ميتا، إلى وطنه. هل تصدقون ذلك؟ لم يظن أحد أن هذا ممكن. لم يظن أحد أن ذلك كان ممكنًا”.

وبالمثل، وفيما يتعلق بإيران، أعرب الرئيس عن سعادته لأنه في يونيو الماضي “سحق الجيش الأمريكي برنامج الأسلحة النووية الإيراني بهجوم على الأراضي الإيرانية عُرف باسم عملية ’مطرقة منتصف الليل’”. إن كلمة “سحق” – وهي الكلمة التي دأب على استخدامها لوصف حالة البرنامج النووي لنظام آيات الله – هي مبالغة؛ فمن المرجح أن معظم اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% قد نجا من حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران. وبالفعل، حذر كبير مفاوضيه، ستيف ويتكوف، في مقابلة مع “فوكس نيوز” يوم السبت، من أن الإيرانيين “ربما على بعد أسبوع من امتلاك مواد صنع قنابل ذات مستوى صناعي، وهذا أمر خطير حقا”.

ومع ذلك، يمتلك ترامب أسبابا وجيهة لنسب الفضل لنفسه في تحقيق نجاحات استثنائية في المعارك ضد كل من حماس – جماعة “عبادة الموت” الإرهابية – وراعيها الأساسي: الجمهورية الإسلامية، الطموحة أيديولوجيًا وتوسعيًا.

المشكلة تكمن في أنه على الجبهتين، قد يكون هؤلاء الأعداء قد أصيبوا بجروح، ولكن ليس بشكل لا رجعة فيه.

في غزة، وكما فصّل زميلي لازار بيرمان في تقرير مثير للقلق في وقت سابق من هذا الأسبوع، لا تزال حماس تحتفظ بالسيطرة على نصف القطاع حيث يعيش معظم السكان. وهي تعمل خفية لضمان استمرار نفوذها حتى لو بدأت “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي يشرف عليها ترامب في نهاية المطاف، في تولي السيطرة الإدارية ظاهريًا على أجزاء من القطاع.

تعمل حماس بجد على ما أسميه “إخفاء الصبغة العسكرية” عن قادتها الميدانيين؛ حيث أفاد بيرمان بأنها تدمجهم في “أدوار مدنية من المقرر أن تصبح جزءًا من جهاز الحكم التابع للجنة الوطنية لإدارة غزة”. وهذا يؤكد ما حذر منه الجيش الإسرائيلي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يناير: “تعمل حماس على تعزيز خطوات على الأرض تهدف إلى الحفاظ على نفوذها وقبضتها على قطاع غزة ’من القاعدة إلى القمة’، وذلك من خلال دمج مؤيديها في المكاتب الحكومية، والأجهزة الأمنية، والسلطات المحلية”.

ويدخل بيرمان في تفاصيل إضافية كبيرة حول التخطيط الاستراتيجي لحماس لضمان هيمنتها واختراقها لجنة التكنوقراط الحاكمة المفترضة، بدلا من تهميشها من قبلها. ويؤكد أن حماس ترفض بشدة تلبية الطلب الأمريكي الإسرائيلي بالتخلي عن سلاحها. ويشير إلى أنه في الأسبوع الماضي فقط، قام زعيم حماس الأحدث في غزة، عز الدين الحداد، “بتعيين رؤساء استخبارات جدد، وقادة إقليميين، ورؤساء لتصنيع الأسلحة والدعاية”.

باختصار، لقد صاغ ترامب بالفعل إطارًا واسعًا يهدف إلى جلب السلام والاستقرار إلى غزة وبالتالي إلى إسرائيل، لكن حماس، وكما هو متوقع، عازمة على ضمان عدم حدوث ذلك، وهي حاليًا قادرة تمامًا على فرض إرادتها.

يظهر عز الدين الحداد، زعيم حركة حماس في غزة، والذي كان آنذاك قائد لواء مدينة غزة التابع لحماس، في مقطع فيديو نشره الجناح العسكري لحماس في مايو 2022.

فيما يخص إيران أيضًا، يسعى الرئيس الأمريكي الآن للتوسط في ترتيب طويل الأمد مع نظام آيات الله لضمان (مرة أخرى) عدم تمكنهم من الحصول على القنبلة، مع مطالبة إسرائيل أيضا بشروط تضمن وقف برنامجهم للصواريخ الباليستية ودعمهم لحماس وحزب الله والوكلاء الآخرين.

وبعد أن حشد قوة عسكرية كبيرة في المنطقة، يأمل ترامب ألا يضطر لاستخدامها من أجل تأمين اتفاق قابل للتطبيق. وهو يدرك بوضوح، كما قال ليلة الثلاثاء، أن “النظام ووكلاءه القتلة لم ينشروا سوى الموت والكراهية” طوال 47 عاما منذ تولي آيات الله السلطة.

وقال بذهول: “هؤلاء أشخاص فظيعون. لقد طوروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج. وهم يعملون على بناء صواريخ ستصل قريبًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. بعد عملية ’مطرقة منتصف الليل’، تم تحذيرهم من القيام بأي محاولات مستقبلية لإعادة بناء برنامج أسلحتهم، وخاصة الأسلحة النووية. ومع ذلك فهم مستمرون، ويبدأون من جديد. لقد محوناه وهم يريدون البدء من جديد، وهم في هذه اللحظة يسعون مرة أخرى لتحقيق طموحاتهم الشريرة. نحن في مفاوضات معهم. إنهم يريدون إبرام اتفاق. لكننا لم نسمع تلك الكلمات السرية: ‘لن نمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا'”.

ووفقًا لويتكوف، لا يستطيع الرئيس استيعاب “لماذا لم يستسلموا” في ظل الضغوط العسكرية الأمريكية، ومع “حجم القوة البحرية والأسطول الموجود هناك”. لكن السبب يعود إلى أن آيات الله يفكرون على المدى البعيد – فهم يدركون تمامًا أن ما تبقى لترامب في الرئاسة ليس سوى “رمشة عين” في عمر التاريخ، وهم واثقون من أن خلفاءه سيكونون أقل حزمًا في مواجهتهم.

وكما فعلت حماس في أكتوبر 2025، يحسب نظام طهران أنه يمكنه التوصل إلى اتفاق مع ترامب يمنحه المزيد من الوقت ويضمن بقاءه، في حين أن “الاستسلام” سيعجل بزواله. ومن المؤكد أن قبول المتطلبات بعيدة المدى التي تحث عليها إسرائيل سيمثل شبه استسلام وإذلالًا في الداخل، مما سيضعف قبضته القمعية على السلطة ويلهب شرارة الاضطرابات الداخلية المتصاعدة.

وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب بشروط يمكنه الالتزام بها، فإنه يفضل تحمل هجوم عسكري محدود – قد يشمل حتى ضربة رمزية عالية المخاطر مثل قتل المرشد الأعلى علي خامنئي أو اختطافه على غرار ما حدث في فنزويلا – ليخرج من المعركة مثخنًا بالجراح لكنه متمرّد، بينما يحتفل موالوه بالانتصار، ويظل مواطنوه غارقين في اليأس والقمع.

نساء إيرانيات يسرن بجوار لافتة تحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال معرض تصميم الأزياء الإيرانية الإسلامية في مصلى الإمام الخميني الكبير في طهران، 22 فبراير 2026. (AFP)

استخدم ترامب أدوات قوته الرئاسية الفريدة لدفع حماس نحو اتفاق أكتوبر. وكما قال بحق ليلة الثلاثاء، لم يكن أحد يعتقد أن حماس ستتخلى عن أوراق مساومتها الرئيسية؛ آخر الرهائن، وخاصة الأحياء منهم. لكنها فعلت ذلك في نهاية المطاف لأنها قدرت أن إطلاق سراح الرهائن سيمنع استمرار وتكثيف العمل العسكري الإسرائيلي، وبذلك ستكون قادرة على إعادة تجميع صفوفها وإحياء نفسها وإدارة غزة مرة أخرى. وهذا ما يثبت الواقع صحته.

ويراهن آيات الله على عملية تؤدي إلى النتيجة ذاتها؛ اتفاق يمكن تحمله، أو حتى ضربة عسكرية تقودها الولايات المتحدة ويمكن تحملها، تضمن بقاءهم في السلطة وقدرتهم على العمل لتحقيق طموحاتهم القاتلة، والتي تشمل بشكل خاص التخطيط لزوال إسرائيل.

وفيما يتعلق بمواجهة التهديدات التي تشكلها حماس والنظام الإيراني، كان لدى ترامب الكثير ليفاخر به في خطاب حال الأمة وبشكل مشروع. ولكن، ورغم كل ما تم إنجازه، فإن هذه التهديدات قد تم الحد منها مؤقتًا فحسب، ولم يتم نزع فتيلها بعد.

حماس لم تنتهِ. والجمهورية الإسلامية لم تنتهِ. ويفضل ترامب كثيرا أن تنتصر الدبلوماسية بدلًا من القوة في كلا مجالي الصراع هذين، كما أنه يتعرض لضغوط محلية متنوعة لإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن المزيد من الحروب.

وبين هذا وذاك، يقع المدنيون في غزة كضحايا عالقين في المنتصف. ومعهم ما يقارب من 100 مليون إيراني يعانون القمع والاضطهاد. وإسرائيل.

نقتطان أخريان تستحقان الذكر

إذا لم يكن ما أكتبه في معظم الأسابيع مقلقًا بما يكفي – وأنا هنا أستثني بعض الحالات (تذكروا قصص اليابان، ودمشق، وحصص تعليم القيادة) – فإنني أشجعكم على قراءة التحليل الذي نشره مؤخرا مراسلنا في نيويورك لوك تريس: “مناهضة تاكر كارلسون للصهيونية تظهر اقتراب دائرة نظرية ’حذوة الحصان’ من الاكتمال“.

ويوضح تريس أن ما يسمى بنظرية “حدوة الحصان” في السياسة “تفترض أن الطيف السياسي ليس خطًا مستقيمًا، بل إن طرفيه يتقاربان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل واليهود”. ويحذر من أنه الآن، “مع بروز نزعة كارلسون اليمينية المناهضة للصهيونية، تقترب حدوة الحصان أكثر فأكثر من الانغلاق لتشكل دائرة كاملة”.

وأخيرا، ربما لاحظ الكثير منكم ممن يستمعون بانتظام إلى سلسلة بودكاست “الإيجاز اليومي” (The Daily Briefing) أننا افتتحنا مؤخرًا استوديو تسجيل أنيقًا للغاية في مكاتبنا بالقدس. وبينما يفترض الكثيرون أن البودكاست وسيلة مسموعة فقط، فإن المنصة الرئيسية التي يتجه إليها “المستمعون” هي في الواقع “يوتيوب”. ومع تحول أنظمة تقديم البودكاست الأخرى، بما في ذلك “سبوتيفاي” وقريبًا جدًا “آبل”، نحو العروض المرئية، فقد اتخذنا القرار بوضع صحفيينا أمام الكاميرات أيضًا.

وهذا يعني أنه يمكنكم الاستماع ومشاهدة طاقم مراسلينا، إلى جانب المضيفتين أماندا بورشيل دان أو جيسيكا ستاينبرغ، في تحديثاتنا الإخبارية التي تستغرق 20 دقيقة في “الإيجاز اليومي” من الأحد إلى الخميس. وبالمثل، محادثاتنا المتعمقة في منتصف الأسبوع مع صناع الأخبار في سلسلة “ما يهم الآن” (What Matters Now). بالإضافة إلى ذلك، هناك مراسل الشؤون الدبلوماسية بيرمان، الذي يتحدث إلى نخبة من المفكرين المرموقين، في بودكاست يوم الجمعة الذي يحمل اسم (لازار فوكوس) “Lazar Focus”

ملصق فيلم “كل رجال الرئيس” لعام 1976 (courtesy)

وكشفنا مؤخرًا عن أحدث سلاسلنا لعطلة نهاية الأسبوع، “ذا ريل شموز” (The Reel Schmooze)، حيث يمكنكم متابعة جميع أخبار الترفيه ومراجعات الأفلام التي قد تهم القارئ اليهودي. في هذا البرنامج، تستضيف نائبة محررة “تايمز أوف إسرائيل”، أماندا بورشيل دان، خبير السينما في الموقع جوردان هوفمان، في جولة مرحة لاستكشاف روائع السينما التي فاتتها بطريقة ما. إنها جرعة من البهجة نحتاجها بشدة.

اقرأ المزيد عن