بحث
خاص

رصد تحركات لحماس للحفاظ على سيطرتها على غزة عبر الهيئات المدعومة من ترامب

الوثائق تظهر أن الحركة تعمل على نقل قادة جناحها المسلح إلى أدوار مدنية تسمح لها بالاحتفاظ بالسلطة من داخل الإدارة التكنوقراطية، بينما تستعد في الوقت نفسه لجولة جديدة من القتال ضد إسرائيل

مسلحون من حماس، يرتدون زي الجيش الإسرائيلي المستولى عليه ويشهرون أسلحة إسرائيلية، يقفون في تشكيل عسكري في خان يونس، بقطاع غزة، 15 فبراير 2025. (AP Photo/ Abdel Kareem Hana)
مسلحون من حماس، يرتدون زي الجيش الإسرائيلي المستولى عليه ويشهرون أسلحة إسرائيلية، يقفون في تشكيل عسكري في خان يونس، بقطاع غزة، 15 فبراير 2025. (AP Photo/ Abdel Kareem Hana)

يمضي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدما وبكل قوته في رؤيته لقطاع غزة ما بعد الحرب التي لا تحكمها حماس. لكن الأدلة التي اطلع عليها “تايمز أوف إسرائيل” تظهر كيف تتحرك حماس بفعالية لتقويض خطته.

تشير وثائق اطلع عليها “تايمز أوف إسرائيل” إلى أن المجموعة تعد حكومة ظل، وتعمل على إدراج قادة عسكريين في أدوار مدنية بمجرد أن تبدأ القيادة التكنوقراطية المرتبطة بالسلطة الفلسطينية أنشطتها في غزة.

وفي اجتماع “مجلس السلام” في واشنطن الأسبوع الماضي، حصل ترامب على التزامات بنحو 7 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة، وتعهدت خمس دول بإرسال قوات إلى “قوة الاستقرار الدولية” الناشئة، والمخصصة لاستبدال قوات الجيش الإسرائيلي في القطاع.

هناك أيضا بعض بوادر التقدم في المناطق القريبة من الجيب الذي مزقته الحرب؛ حيث بدأت لجنة التكنوقراط لإدارة غزة -المخصصة لإدارة الشؤون المدنية اليومية في القطاع- العمل فعليًا، وإن كان ذلك من القاهرة فقط حتى الآن، مع عدم تحديد موعد لدخولها إلى قطاع غزة. كما تقوم اللجنة حاليًا بتعيين مرشحين لقوة شرطة انتقالية، يُفترض أن تعمل كجهاز إنفاذ قانون مدني في غزة.

وقال ترامب في خطابه أمام مجلس السلام: “عندما تفكرون في إسرائيل، فقد حققنا الأمر الأكبر على الإطلاق.. لدينا سلام في الشرق الأوسط الآن”.

ولكن على الرغم من الجهود الدولية والتصريحات المتفائلة في مجلس السلام وأماكن أخرى، فإن ما يُفهم أنها وثائق داخلية لحماس اطلع عليها “تايمز أوف إسرائيل” تظهر أن حماس ليس لديها نية للتخلي عن السيطرة على غزة من الناحية العملية، حتى لو فعلت ذلك اسميًا.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل الميثاق خلال حفل التوقيع على مبادرته الخاصة بمجلس السلام في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، 22 يناير 2026. (AP Photo/Markus Schreiber)

دور جديد لقادة حماس

بعد مرور نحو أربعة أشهر على وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من نصف القطاع، لكن ما يقارب من كامل سكان القطاع البالغ عددهم مليوني نسمة يتواجدون في مناطق لا تزال تحت سيطرة حماس.

بموجب الاتفاق الذي أنهى الحرب، من المفترض أن تسلم حماس الإدارة اليومية لغزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة. ويرأس لجنة التكنوقراط المكونة من 15 عضوا نائب وزير السلطة الفلسطينية السابق علي شعث، الذي سيعمل تحت رعاية الدبلوماسي نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام المشرف على المرحلة الانتقالية في غزة.

وبينما ترفض تسليم سلاحها، بذلت حماس قصارى جهدها لإعطاء انطباع بأنها تتعاون بالقدر الكافي فيما يتعلق بالتخلي عن السيطرة المدنية على غزة لإبقاء الدول الوسيطة الرئيسية راضية.

صرح المتحدث باسم حماس، حازم قاسم، لـ”فرانس برس” الأسبوع الماضي قائلا: “البروتوكولات جاهزة، والملفات مكتملة، واللجان في مكانها للإشراف على عملية التسليم، بما يضمن انتقالًا كاملًا للحوكمة في قطاع غزة عبر جميع القطاعات إلى اللجنة التكنوقراطية”.

علي شعث، رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، يظهر في القاهرة بمصر، 19 يناير 2026. (AFP)

علمت “تايمز أوف إسرائيل” أن حماس تستعد بالفعل لتسليم سجلاتها وملفاتها الخاصة بوزاراتها.

لكن وفقا للوثائق التي اطلع عليها “تايمز أوف إسرائيل”، فإن عز الدين الحداد، الذي حل محل محمد السنوار بعد مقتله في مايو الماضي في غارة إسرائيلية، أصدر أوامر لأعضاء حماس بنسخ من أي ملفات يتم تسليمها إلى الحكومة الجديدة.

وهذا يسمح للحركة بالاحتفاظ بسجل لموظفي الحكومة الذين يمكن تهديدهم أو الضغط عليهم إذا لزم الأمر.

وقد حذر الجيش الإسرائيلي الحكومة من أن حماس تتكيف مع الوضع الناشئ في غزة من خلال التأكد من وجود أعضائها في أدوار رئيسية.

يظهر عز الدين الحداد، زعيم حركة حماس في غزة، والذي كان آنذاك قائد لواء مدينة غزة التابع لحماس، في مقطع فيديو نشره الجناح العسكري لحماس في مايو 2022.

قال الجيش في وثيقة قُدمت إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أواخر يناير: “تعمل حماس على تعزيز خطوات على الأرض تهدف إلى الحفاظ على نفوذها وقبضتها على قطاع غزة ’من القاعدة إلى القمة’، وذلك من خلال دمج مؤيديها في المكاتب الحكومية، والأجهزة الأمنية، والسلطات المحلية”.

كما تظهر الوثائق التي اطلع عليها “تايمز أوف إسرائيل” أن الجماعة ركزت في الأسابيع الأخيرة على نقل أعضاء من جناحها العسكري إلى أدوار مدنية من المقرر أن تصبح جزءًا من جهاز الحكم التابع للجنة الوطنية لإدارة غزة.

وتشمل الأوامر المكتوبة، والتي يبدو أنها صادرة عن الحداد، تعليمات محددة حول نقل قادة من كتائب القسام – الجناح المسلح لحماس – إلى أدوار مدنية حتى يكونوا مستعدين للعمل مع حكومة التكنوقراط الجديدة.

أفراد عائلة الغفير يفطرون خلال شهر رمضان المبارك بجوار الخيمة التي يقيمون فيها في ميناء مدينة غزة، في 20 فبراير 2026. (AP Photo/Abdel Kareem Hana)

وقال مصدران فلسطينيان على دراية مباشرة بعمليات حماس لوكالة “رويترز” الأسبوع الماضي إن الجماعة عينت خمسة محافظين للمناطق، وجميعهم تربطهم صلات بكتائب القسام. كما ذكر المصدران أن الحركة استبدلت كبار المسؤولين في وزارتي الاقتصاد والداخلية في غزة، اللتين تديران الضرائب والأمن.

وظهر نائب وزير صحة جديد وهو يتجول في مستشفيات غزة في فيديو نشرته الوزارة هذا الشهر.

وقال أحد المصدرين لرويترز: “يعني ممكن يكون شعث معه مفتاح السيارة، ويمكن يتم السماح له أن يقود السيارة كمان، لكن السيارة نفسها لحماس”.

المستشفى “الإندونيسي” (Rumah Sakit Indonesia) في مدينة غزة في 1 نوفمبر 2023، وسط المعارك الجارية بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية. (Bashar TALEB / AFP/ File)

ويبدو أن جهاز الاستخبارات الداخلي التابع لحماس لا يزال سليمًا أيضًا. فقد اطلع “تايمز أوف إسرائيل” على أمر مكتوب من قائد لواء في حماس يأمر قواته بتكثيف المراقبة في عدة مواقع، بما في ذلك المستشفيات، وإبلاغ القادة المحليين بأي شكوك.

الصدام القادم

هناك أدلة على أن حماس تعتقد أن وقوع صدام عسكري آخر عالي الكثافة مع إسرائيل هو مجرد مسألة وقت، حسبما علم “تايمز أوف إسرائيل”.

يمثل هذا التقييم مساحة نادرة من الاتفاق بين إسرائيل وحماس.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير يلتقي بقوات في رفح بجنوب غزة، 13 فبراير 2026. (Israel Defense Forces)

ذكر مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى الشهر الماضي أنه بات من المرجح بشكل متزايد أن يضطر الجيش الإسرائيلي للتحرك عسكريًا ضد حماس لنزع سلاحها، بما أن حماس لن توافق على التخلي عن أسلحتها طواعية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

وقد صرح كبار مسؤولي حماس بذلك علانية، حيث قال خالد مشعل في مؤتمر عُقد في الدوحة في وقت سابق من هذا الشهر: “إن تجريم المقاومة وسلاحها ومن قاموا بها هو أمر لا ينبغي لنا قبوله”.

وتابع مشعل “ما دام هناك احتلال، هناك مقاومة. المقاومة حق للشعوب تحت الاحتلال… شيء تفتخر به الأمم”.

وقال مصدر إسرائيلي إن حماس مستعدة لوضع أسلحتها “الثقيلة” – الصواريخ والمتفجرات – في مستودعات يحرسها الجيش الإسرائيلي والمصريون.

العثور على صواريخ من قبل قوات الجيش الإسرائيلي في رفح بجنوب غزة، في صورة وزعت في 1 يناير 2025. (Israel Defense Forces)

كما أن الحركة تبدي استعدادًا لتسليم خرائط أنفاقها، لكن مصادر ذكرت أن الحركة لن تبلغ على الأرجح عن جميع أنفاقها.

ويعتقد الجيش الإسرائيلي أن ما لا يقل عن 60 في المئة من أنفاق حماس في غزة لا تزال سليمة، رغم أن النسبة قد تكون أعلى، حيث لا يعرف الجيش عدد الأنفاق التي لم يعثر عليها بعد.

وقال مسؤول أمني إسرائيلي لـ”تايمز أوف إسرائيل” إن حماس مصممة على الاحتفاظ بكل من بنادق “كلاشنيكوف” (AK-47) شبه الآلية وقاذفات القنابل الصاروخية (RPG)، لكنه شدد على أن إسرائيل لن تسمح بمثل هذا السيناريو تحت أي ظرف من الظروف.

وقال المسؤول إن الأسلحة الوحيدة التي ستسمح إسرائيل للقوات الفلسطينية بالاحتفاظ بها هي المسدسات، ولكن فقط في أيدي قوة شرطة غزية جديدة وليس حماس.

ضباط شرطة مسلحون تابعون لحركة حماس يقومون بدورية في مدينة غزة، 11 أكتوبر 2025. ((Ali Hassan/Flash90)

من المفهوم على نطاق واسع أن حماس تخشى قيام العشائر الكبيرة المناهضة لها في غزة بالسعي للانتقام بعد سنوات من القمع الوحشي، في حال قامت الحركة بتسليم بنادقها.

لكنها تريد أيضًا التأكد من جاهزيتها لقتال الجيش الإسرائيلي مرة أخرى، حيث إنها مقتنعة بأن إسرائيل ستعيد اجتياح المناطق التي تسيطر عليها حماس، وفقًا لرسالة بعثتها قيادة الحركة في غزة إلى مكتبها السياسي في قطر، حسبما علمت “تايمز أوف إسرائيل”.

وللاستعداد لهذا القتال، يُعتقد أن الحداد أعاد تنظيم المجلس العسكري الأعلى لحماس الأسبوع الماضي. وعلم “تايمز أوف إسرائيل” أنه عين رؤساء استخبارات جددًا، وقادة إقليميين، ورؤساء للتصنيع العسكري والدعاية.

وأفاد مصدر مطلع على طريقة التفكير الإسرائيلية لـ”تايمز أوف إسرائيل” بأن إسرائيل تحاول إقناع ترامب بأنه من أجل إطلاق العنان لرؤيته للسلام في الشرق الأوسط – وربما لكي يفوز بجائزة نوبل للسلام – لا بد من نزع سلاح حماس.

وبحسب المصدر، أبلغت إسرائيل البيت الأبيض أن الطريقة الوحيدة لحدوث ذلك هي عودة الجيش الإسرائيلي إلى غزة. وقدمت إسرائيل مبرراتها بأن عملية كهذه ستكون أسرع بكثير وأكثر عدوانية من العمليات السابقة، نظرًا لعدم وجود رهائن في القطاع، مما يتيح لإسرائيل العمل في كل مكان وبكامل قوتها.

ساهم جيكوب ماغيد وإيمانويل فابيان في هذا التقرير

اقرأ المزيد عن