في افتتاحية نشرت في الآونة الأخيرة من قبل دانيال سوكتاش، الرئيس التنفيذي لصندوق إسرائيل الجديد ذو الميول اليسارية ومقره الولايات المتحدة، وضع رغبة مشتركة على نطاق واسع لإعادة تأهيل اليسار الإسرائيلي من بعيد عن طريق إغراقه بالأموال.

“إن الهجمات على المجتمع المدني والمؤسسات الديمقراطية الأخرى مستمر من سنة إلى أخرى”، كتب، “مع بعض الإنتصارات اليمينية مثل تمرير قانون المقاطعة [الذي يسمح لرفع دعاوى مدنية ضد مقاطعة المستوطنات في الضفة الغربية]، وبعض الخسارات على اليسار الإسرائيلي المستهان به والذي يعاني من نقص في التمويل”.

أعاد سكوتاش السرد المقبول عموما في الخارج، والذي يرى الديمقراطية الإسرائيلية الحالية آخذة بالإنخفاض، إن لم تكن في مهب انهيار كامل، كما يتم دفع التقدميين الإسرائيليين المنتصرين سابقا في مواجهة اليمين القومي المتطرف الآخذ في الإرتفاع.

الأدلة التي يتكرر ذكرها لهذا التراجع المزعوم في الحرية الإسرائيلية هي مجموعة من مشاريع القوانين اليمينية المقترحة في السنوات الأخيرة في الكنيست، بما في ذلك قانون المقاطعة المذكور من قبل سوكاتش.

هل مشاريع القوانين المتعلقة في المسألة – مشروع قانون المنظمات غير الحكومية، ومشروع قانون معاقبة أعضاء الكنيست، وما إلى ذلك – تثبت أن هناك اعتداء على الديمقراطية الإسرائيلية؟

وزيرة العدل أييليت شاكيد، من اليمين، والنائب العام آنذاك يهودا فاينشتين، القدس، 19 مايو، 2015. (Marc Israel Sellem/Flash90)

وزيرة العدل أييليت شاكيد، من اليمين، والنائب العام آنذاك يهودا فاينشتين، القدس، 19 مايو، 2015. (Marc Israel Sellem/Flash90)

وهل تتم إعاقة هذا الهجوم، كما يزعم سوكاتش، من قبل الجهود البطولية من “اليسار المستهان به والذي يعاني من نقص في التمويل؟”

الجدل حول حكمة مشاريع القوانين هو جدل حزبي يائس. ولكن الجزء الأخير للسرد اليساري – الإدعاء حول ايقاف مشاريع القوانين من قبل اليسار – قابلا للإختبار في النهاية، بحيث يلقي الكثير من الضوء على المعنى والهدف من وراء مشاريع القوانين.

أريق الكثير من الحبر على مشروع قانون وزيرة العدل اييليت شاكيد بشأن المنظمات غير الحكومية، والذي يزيد بشكل كبير (وبشكل غير عادل وفقا للمنتقدين) متطلبات الكشف العام للمنظمات غير الحكومية، والتي تتلقى معظم تمويلها من الحكومات الأجنبية. لكن، كل المجموعات تقريبا والتي تناسب هذا الوصف، تنتمي إلى اليسار السياسي.

ما إذا كان مشروع القانون المثير للجدل جيد أو سيئ، ديمقراطي أو غير ديمقراطي، هو بلا شك محاولة أكثر اعتدالا للتعامل مع هذه القضية مما فعلت المقترحات السابقة. في الكنيست الـ -18 (2009-2013)، عضو الكنيست أوفير اكونيس (وزير العلوم الحالي) اقترح مشروع قانون من شأنه أن منع هذا التمويل تماما، مما سيؤدي إلى اغلاق العديد من الجماعات اليسارية.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (إلى جانبه الوزيران ميري ريغيف ويسرائيل كاتس) في الكنيست، 8 فبراير، 2016. (Yonatan Sindel/Flash90)

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (إلى جانبه الوزيران ميري ريغيف ويسرائيل كاتس) في الكنيست، 8 فبراير، 2016. (Yonatan Sindel/Flash90)

ماذا حدث لإقتراح اكونيس؟ هل تمت هزيمتها، كما يقترح سوكاتش، من قبل اليسار؟

قد يتم طرح سؤال مماثل حول الإصدارات اليمينية “لمشروع قانون الدولة القومية” الذي وجه الكثير من الإزدراء في عامي 2013 و2014، تلك التي شملت نصوص منتقدة بشدة مقللة بحكم الواقع مكانة العربية كلغة رسمية ومنح مستوطنات الضفة الغربية الحماية الدستورية.

أين ذهبوا؟

قد يفاجئ الجواب الكثيرين ممن عقبوا على هذه القوانين في السنوات الأخيرة. لم يكن ذلك اليسار الذي أوقف مشروع قانون أكونيس. كيف يمكنه أن يفعل؟ لم يصل مشروع القانون مرحلة التصويت في الكنيست حيث اتخذ النواب اليساريين الفرصة لإظهار موقفهم. لقد تم احباطه من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقادة الإئتلاف، وليس من خلال أي مواجهة برلمانية درامية. تم استبعاده ببساطة من جدول الأعمال لأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الدعم الذي احتاجه ليصل مرحلة التصويت.

الكنيست خلال التصويت على ميزانية الدولة للعام 2015-2016، 18 نوفمبر، 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)

الكنيست خلال التصويت على ميزانية الدولة للعام 2015-2016، 18 نوفمبر، 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)

القصة نفسها تقريبا مع مشروعي قوانين الدولة القومية، ولكن هذه المرة، تظهر تعاسة اليسار من خلال الحقيقة أن مشاريع القوانين لم تصل حتى تصويت الكنيست – حيث تم تمريرهم.

لم يتم اقرارهم في قوانين، للتأكيد فقط. لقد مرروا تصويت أولي فقط، وفقط بعد توصل نتنياهو الى حل وسط مع مؤلفيهم، بينهم ثلاثة يعملون حاليا كوزراء في حكومته (شاكيد، زئيف الكين وياريف ليفين)، الذين شهدوا احباطا لمشاريع القوانين بعد التصويت. تحت هذه التسوية، تم تقديم المؤلفين مع انتصار رمزي لتصويت ناجح شريطة إلغائهم مقترحاتهم لصالح الصيغة الأكثر ليبرالية المقترحة من قبل نتنياهو، صيغة التي وصفت اسرائيل “يهودية” و”ديمقراطية” على حد سواء، حيث تركت أي تخفيض في مكانة العرب وتجنبت مسألة المستوطنات تماما.

من بين هذه الأصوات، كان لليسار فرصة نادرة لإحراج ليس فقط أنصار مشاريع قوانين اليمين المتطرف، لكن أيضا رئيس الوزراء نفسه. حاول اليسار حشد الأصوات – وفشل. تم إلغاء تلك المشاريع رسميا خلال تصويت داخل مجلس الوزراء التابع لنتنياهو، بناء على تعليمات صريحة من نتنياهو.

هدف هذه الرحلة لمصير تلك المشاريع بسيطة: انه اليمين، وليس اليسار، الذي يكبح المد المرافق لها.

وهذه ليست أمثلة مختاره وحيدة. قائمة مشاريع القوانين اليمينية المحبطة من قبل اليمين نفسه طويلة جدا.

مشروع قانون مقترح من قبل حزب (يسرائيل بيتينو)، والذي من شأنه أن يفرض عقوبة الإعدام للإرهابيين – فوزا سهلا لإسرائيل التي تعاني من الهجمات- تم احباطه مع نتيجة 96 مقابل 6 (نعم 96 مقابل 6) في تصويت الكنيست شهر يوليو 2015. حتى في الأوهام الاكثر عقلانية لا يمكن لليسار “المستخف به” أن يأمل جمع 94 صوتا من أصل 120 في الكنيست.

بشكل ساخر، مثال سوكاتش عن “قانون المقاطعة” المثير للجدل من عام 2011 والذي استفرد مستوطنات الضفة الغربية كقانون تمييزي بموجب قوانين مكافحة التمييز الإسرائيلية، يقوض السرد تماما. كثيرا ما يشير النقاد الأجانب إليه لدعم حجتهم القائلة ان الديمقراطية في انقراض، إلا انه بسبب وجود عدد قليل فقط من الأمثلة الأخرى للتمرير الناجح لقوانين اليمين المتطرف خلال سبع سنوات من حكم أحزاب اليمين.

ومع ذلك، كان قانون المقاطعة ضعيفا لدرجة أنه في الوقت الذي يتم اقراره في الواقع، مع فرض عقوبات جنائية مرفوعه من خلال النسخة النهائية وحدا عاليا لإثبات حتى الأضرار المدنية، حيث لم يتم حتى الآن انفاذه.

ومن الجدير الخوض في هذه النقطة للحظة: بعد خمس سنوات من إقراره، لم يتم اختبار قانون المقاطعة في المحكمة – وليس لقلة الإسرائيليين الذين يقولون انهم لن يقوموا بالتجارة مع المستوطنات.

وحتى بعد سحب الأسنان من هذا القانون المثير للجدل، حتى نتنياهو نفسه رفض دعمه في تصويت الكنيست النهائي في يوليو 2011، والذي أقر وقتها كقانون، متغيبا من الجلسة الكاملة (الى جانب وزير الدفاع آنذاك- إيهود باراك).

تنمو القائمة لتكون اكثر ارهاقا (وهذا هو بيت القصيد). اقتراح ايليت شاكييد القائم منذ زمن بعيد لإضافة “شرطا بديلا” في القانون الأساسي: كرامة الإنسان وحريته، أمرا كان سيمكن الكنيست نقض المحكمة العليا في الأحكام القضائية، أسقط الصيف الماضي خلال أول أيامها في منصب وزيرة العدل . تفسيرها: افتقرت إلى الأصوات لتمرير هذا الإجراء، أو جعله يستحق القتال من أجله، حتى داخل الإئتلاف اليميني.

وفي الشهر الماضي، تم سحب مشروع قانون من قبل عضو الكنيست من حزب (هبايت هيهودي)- موتي يوغيف، لحظر المؤذنين المسلمين من الصلاة عبر مكبرات الصوت من قبل مؤلفه لأنه لم يستطع الحصول على دعم اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، لجنة وزارية يشرف عليها اليمينيين الملتزمين شاكيد وليفين. عانى مشروع قانون مماثل من مصير مماثل تماما في عام 2014.

“اليسار المستخف به” والذي يتحدث عنه سوكات ليس مجرد سراب. اليسار غير فعال تماما كما يزعم منتقدوه.

وإذا كان اليمين، وليس اليسار، الذي يقف في المرصاد ضد الإجراءات المناهضة للديمقراطية المفترضة، فهل هذا يعني أن الديمقراطية الإسرائيلية، في الواقع، لا تتواجد تحت التهديد؟

حيل
عادة اليمين المستمرة للإطاحة بشكل منتظم بمشاريعه الخاصة تكشف عن تحايل كامن والذي يجذب الكثير من النقاش حول إسرائيل في اليسار واليمين على حد سواء.

من السهل القول أن اليسار يرد بانفعال زائد على هذه القوانين، لكن من الصعب القول بأن هذا كليا خطأ اليسار. في النهاية، يكونون عادة النواب اليمينيين أنفسهم الذين يعلنون أن مشاريعهم هادفة إلى حل المشكلة المفترضة “اكثر مما ينبغي من الديمقراطية”، أو الذين يقولون أنهم يفضلون “الطابع اليهودي” لإسرائيل على طابع “ديمقراطي”. بالنسبة للإستخدام المتزايد لليسار “للديمقراطية” كشعار السياسة الليبرالية، رد الكثيرين على اليمين بالدعوة إلى “إعادة التوازن” – أي اضعاف – تلك الديمقراطية.

في النهاية، هو الدافع وراء هذا الجدل حول الديمقراطية في إسرائيل، في كل من الداخل كما أولئك في الخارج الذين يأخذون عظتهم من السياسة الداخلية الإسرائيلية، موجهين بمعظمهم بالضجيج الديماغوجيين العاجزين المزيف – من قبل اليمينيين الذين يقترحون قوانين لا يمكن تمريرها في العروض السافرة ليصبحون اخر غيلان اليسار، ومن قبل اليساريين الذين تضمن لهم يدهم الرنانة كلا من الرعاية الأجنبية ودور الضحية الحاشد.

أو بكلمات أخرى، المسابقة الخطابية المحمومة بين اليسار واليمين هي في جوهرها حدث إعلامي، وليست مناقشة سياسية. لن يتم اقتراح مشاريع في حال لا يستطيع النواب ضمان عدم كونهم مسؤولين عن تمريرها.

وهكذا حدث ذلك في ليلة من إحدى ليالي الأربعاء – في تاريخ 2 سبتمبر 2015، على وجه التحديد – في قاعة كنيست شبه فارغة من المشرعين، تمكن أعضاء الكنيست اكونيس من (الليكود) ويسرائيل ايشلر من (يهدوت هتوراة) من حقن تعديلا في مشروع هيئة الإذاعة، والذي كان من شأنه أن يطرح لتصويت نهائي في ذلك المساء الذي اصبح فيه من غير القانوني للصحفيين في وسائل الإعلام المملوكة من قبل الدولة التعبير عن آرائهم الشخصية في المسائل السياسية. تم تمرير القانون، وأصبح التعديل قانونا واقعا.

عندما لاحظوه في صباح اليوم التالي، دعاه الصحفيين السياسيين المفزوعين من الإجراء ووصفوه بـ”قانون الإخراس”.

تسبب الاجراء الجديد بضجة لدور الضحية على اليسار واحراج عميق على اليمين. وأوضح قادة التحالف أنه مر عن طريق الصدفة. بحلول يوم الاحد، عندما عاد المشرعون من عطلة نهاية الأسبوع، كان نتنياهو نفسه الذي طرح موضوع التعديل لعكس الإجراء. وقد احبط في غضون أسبوع.

قام أكونيس وايشلر بمحاولات ضعيفة للدفاع عن هذا الإجراء، ولكنهما بدا أكثر خوفا من نجاحه وتمريره ليتم اقراره كقانون من إلغائه السريع.

ليس من قبيل الصدفة أن عدد هذه المشاريع يزداد عادة في الفترة التي تسبق الإنتخابات التمهيدية لليمين. ليس الهدف تمريرها، وإلا مجرد اقتراحها. لا بد ان يكون اكونيس وايشلر قد فكرا في سبتمبر الماضي ان هناك امر غير عادل، في اكتشافهما فجأة، ومن خلال خدعة التوقيت التشريعي، أن مشروع القانون الخاص بهما، قد أقر كقانون ويجدان أنفسهما مسؤولين عن عواقبه.

الأهداف الخاصة
نشطاء اسرائيل اليسار المتطرف، الذين غالبا ما يكونون في مركز هذه المناوشات بين اليسار واليمين، على علم بكل هذا.

وفي بيان أرسل للصحفيين في يناير كانون الثاني، بتسيلم وكاسري حاجز الصمت، مجموعتين تمولهما حكومات أجنبية، وبالتالي تخضع لنصوص مشروع قانون المنظمات غير الحكومية لشاكيد إذا مر ليصبح قانونا، دعيتا مشروع القانون “هدفا لصالح الحكومة”.

“لن يضر القانون بأنشطتنا عمليا”، الرئيس التنفيذي يولي نوفاك لكاسري حاجز الصمت – والتي تسعى مجموعته لشهادة من قدامى المحاربين في الجيش الإسرائيلي والجنود قيد الخدمة المتعلقة بإنتهاك حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية – تباهى في بيان باللغة العبرية.

حجاي العاد، المدير التنفيذي لمنظمة “بتسيلم”، التي تعمل أيضا على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية/ أضاف: “حملة التحريض ضدنا … عادت ببعض النتائج الإيجابية: وأخيرا، أصبحنا نتحدث عن الإحتلال. لقد انضم الآلاف من الإسرائيليين الى المنظمات [التي قد تتأثر من مشروع القانون هذا] في الآونة الأخيرة من أجل التعلم، والإستماع، التطوع، والمساهمة في الكفاح ضد الإحتلال”.

حاغاي إلعاد، المدير التنفيذي لمنظمة "بتسيلم"، في مؤتمر صحفي في تل أبيب، 5 فبراير، 2016. (AFP/Jack Guez)

حاغاي إلعاد، المدير التنفيذي لمنظمة “بتسيلم”، في مؤتمر صحفي في تل أبيب، 5 فبراير، 2016. (AFP/Jack Guez)

“محتوى مشروع القانون العملي متفرق”، أضاف البيان – على ما يبدو، دون تنسيق رسالته مع الأنصار في الخارج مثل سوكاتش، الذين يقولون خلاف ذلك – “ولكن أهميته الرمزية بعيدة المدى. في الأساس، إنه يقوض مزاعم آلة الدعاية الإسرائيلية بأن إسرائيل تتشاطر قيم العالم الديمقراطي”.

يتساءل المرء ما إذا كان هذا الجزء الأخير حول القيم الإسرائيلية لا ينبغي أيضا أن يتم تنسيقه مع أمثال سوكاتش، الذي يتحدث خطابه عن حماية القيم الإسرائيلية، في حين يقول هؤلاء المدافعون للعالم ان إسرائيل تفتقر الى هذه القيم كليا.

هناك رسالة أعمق في هذه الفجوات بين خطاب هؤلاء النشطاء الإسرائيليين ومؤيديهم في الخارج، وبين إدعاء اليسار أنه يثبت الديمقراطية الإسرائيلية حيث الحقائق أقل بطولية على أرض الواقع في الكنيست، بين التشدد اليميني المختلق وموثوقية انه يحبط مشاريعه الخاصة.

في الصدع بين الخطاب والواقع تتكشف حقيقة غريبة حول هذا النقاش حول الديمقراطية: أنه ليس نقاش حقيقي حول الديمقراطية، بل هو نقاش عن التضامن والصلة والتسويات الإجتماعية الذين يركبون المجتمع الإسرائيلي.

دولتي، متطفل، حر
تضم إسرائيل العديد من ميزات الديمقراطيات الناجحة للغاية: انتخابات برلمانية مفتوحة، مستمرة، حرة وتتميو بالمساواة، وقضاء ورقابة قوية.

ولكن لا أحد يعرف السبب تماما.

مبنية من قبل مهاجرين من أوروبا الشرقية ودول إسلامية دون خبرة فعلية للديمقراطية، دولة إسرائيل، على الورق على الأقل، متجانسة ومتطفلة بشكل مثير للقلق. شرطي حركة المرور، الكتب المدرسية، حاخام الحي، حتى طقوس حمام المكفيه المحلي، معينين ومدارين جميعهم من قبل البيروقراطية الساهرة في القدس.

لم يفضل تاريخ إسرائيل القديم الديمقراطية. لمدة الـ -29 سنة الأولى للدولة، حزب اليسار الوسط، والذي يدعا اليوم حزب (العمل)، لم يخسر الإنتخابات قط. لم يتحكم نظام الحزب الواحد بحكم الأمر الواقع الأجهزة الأمنية القوية فقط، ولكن الكثير من الإقتصاد. كانت أكبر الصناعات الاسرائيلية مملوكة للدولة وتمت ادارتها (ايضا بحكم الواقع من قبل حزب العمل) في تلك العقود.

مهاجرون جدد ينزلون من سفينة "ثيودور هرتسل"، بالقرب من حيفا، إسرائيل، 1949-1950 (Robert Capa/International Center of Photography/Magnum Photos)

مهاجرون جدد ينزلون من سفينة “ثيودور هرتسل”، بالقرب من حيفا، إسرائيل، 1949-1950 (Robert Capa/International Center of Photography/Magnum Photos)

لم يكن هناك تقريبا أي ضوابط وتوازنات رسمية بين فروع الحكومة الاسرائيلية. لم يتم اختيار رئيس الوزراء مباشرة من قبل الشعب، ولكن في عملية معقدة لبناء ائتلاف برلماني. هو أو هي لم يستطيعوا الحكم دون أغلبية برلمانية، وبالتالي ليسوا مقيدين من قبل أي هيئة تشريعية معارضة على غرار الطريقة الأميركية.

كما لم تملك إسرائيل أي أيديولوجية محددة واضحة حول الحرية السياسية. لم تكن هناك اتفاقية فيلادلفيا عند تأسيس دولة إسرائيل، لا أوراق فيدرالية، لا نقاش علني واضح حول طبيعة وشكل المؤسسات السياسية في البلاد. إعلان الإستقلال، الذي يشير بصورة عامة إلى مفاهيم الحرية والمساواة، يفتقر إلى قوة القانون.

فقط في عام 1992 تم تحديد بعض الحقوق الأساسية في اثنين من “القوانين الأساسية” شبه الدستورية. مع ذلك، حتى هؤلاء دستوريون بالكاد في مضمونهم. قانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته، التي تنص على الحقوق الأساسية مثل السلامة الجسدية والخصوصية وحرية التنقل، يمكن تغييرها أو قلبها من خلال أغلبية بسيطة من أعضاء الكنيست الحاليين في الكنيست.

رئيسة الوزراء غولدا مئير ووزير الدفاع موشيه ديان يلتقيان مع القوات الإسرائيلي في هضبة الجولان، 21 نوفمبر، 1973. (Ron Frenkel/GPO)

رئيسة الوزراء غولدا مئير ووزير الدفاع موشيه ديان يلتقيان مع القوات الإسرائيلي في هضبة الجولان، 21 نوفمبر، 1973. (Ron Frenkel/GPO)

أضف إلى ذلك تاريخ إسرائيل المرير للحرب شبه المستمرة التي منحت الجيش دورا محوريا في تشكيل الهوية الوطنية، وتعظيم القادة العسكريين المتدفق بشكل طبيعي من هذه التجربة – في الواقع، اضف العدد الهائل من الجنرالات المنتقلين بسلاسة من البزة إلى اعلى المكاتب المنتخبة: اسحق رابين، موشيه دايان، ارييل شارون، ايهود باراك – ويبدأ المرء بالشعور أنه ليس الانهيار المزعوم للديمقراطية الإسرائيلية والذي يلوح في الأفق الذي يجب أن يفاجئنا، وإنما حقيقة قيام ديمقراطية قوية وراسخة هنا في المقام الأول.

لماذا ترسخت؟

رونيميد
في “أصول النظام السياسي”، الذي يطرحه السياسي فرانسيس فوكوياما تكمن رواية منافية لقصة ولادة الديمقراطية الإنجليزية. الماغنا كارتا الموقعة من قبل الملك جون عام 1215 بعد أن خسر معركة مع النبلاء المتمردين في رونيميد، عادة ما يتم وصفها بأنها بداية النهاية للحكم الملكي المطلق في انجلترا. عن طريق وضع حدود لسلطات الملك، صمم “الميثاق العظيم” للإحتفال بالخطوة الكبيرة الأولى في عملية بريطانيا الحتمية والصارمة نحو الديمقراطية.

ولكن لفوكوياما، هذه النسخة من التاريخ السياسي الإنجليزي، هذه الرؤية للتاريخ كإنحناء حتمي نحو الليبرالية المعاصرة، يفتقد العامل الأبرز في التطور الديمقراطي الإنجليزي. أن البريطانيين أحرار اليوم ليس فقط بسبب اضعاف الملك في رونيميد، ولكن بسبب تعزيزه في نفس الوقت.

الملكية التي انبثقت بعد عام 1215 كانت قوية بشكل مذهل، تمركزت وحصلت على شرعيتها عن طريق مشاركتها السلطة السياسية. بحلول القرن الرابع عشر، اصبحت الدولة الإنجليزية مهنية إلى حد كبير، سيطرت على أراضيها لدرجة مكنتها من جمع الضرائب على نحو فعال، وفرضت المحاكم الملكية عبر الأراضي التي أمكنها نقض قرارات اللوردات المحليين.

يمكن رؤية مدى قوتها بشكل أفضل من خلال مقارنتها بمثال فوكوياما المناقض: الملكية الفرنسية. مع جميع أبهتها الشهيرة، لم يكن ملوك فرنسا أقوياء بما فيه الكفاية لفرض الضرائب على نبلائهم، وهكذا لجأت إلى التآمر معهم ضد الفلاحين. غير مقيدة بأي شكل رسمي، وأيضا مفتقرة إلى الشرعية من نظرائهم الإنجليزيين ويسيطرون بشكل ضئيل للغاية على الطبقات المالكة لأراضي بلادهم، تخلى ملوك البوربون على فرض نظام ضريبي موحد في البلاد ولجأوا إلى بيع مكاتب جمع-الضرائب الى لوردات محليين، وإعفائهم من الضرائب في حين إثقال الطبقات الدنيا مع عبء مزدوج. في النهاية، اعتبرت الملكية الفرنسية “كعدوة الشعب” من قبل الطبقات ذاتها التي أساءت إليها.

ولكن في انجلترا، الحقيقة أنه اضطر للتشاور مع البرلمان بشأن الضرائب والحرب أعطى الملك الإنجليزي القدرة على القيام بالأمرين معا على نحو فعال. في القرن الثامن عشر، بلغ الإنفاق الحكومي 30% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما في فرنسا، حتى في عقدين من الحرب المستمرة تقريبا مع انجلترا بين 1689-1713، لم تتمكن من تجاوز نسبة 12-15%. تمكن الإنجليز من مضاعفة وحتى تثليث حجم القوات البحرية الخاصة بهم عندما نشأت الحاجة الى ذلك دون المساس بالإقتصاد الوطني؛ أودى الفرنسيين بأنفسهم مرارا إلى حافة الإفلاس.

الفيلسوف السياسي فرانسيس فوكوياما في ندوة "العالم الجديد، الرأسمالية الجديدة" في باريس، 8 يناير، 2009. (Andrew Newton/Wikimedia/CC BY-SA 2.0)

الفيلسوف السياسي فرانسيس فوكوياما في ندوة “العالم الجديد، الرأسمالية الجديدة” في باريس، 8 يناير، 2009. (Andrew Newton/Wikimedia/CC BY-SA 2.0)

يكمن هذا التأثير لتقاسم السلطة في لب الحرية الإنجليزية، وفي تفوق بريطانيا في نهاية المطاف. الديمقراطية الإنجليزية، فسر فوكوياما، لم تبدأ مع إضعاف الحكومة، انما في مواجهة أكثر تعقيدا، والمتجسدة في رونيميد، والتي عززت جميع الأطراف.

وكان مفتاح المواجهة فقط ما يلي: أنها كانت مواجهة. يمكن للنبلاء أحيانا هزيمة الملك، ولكن ليس إسقاط النظام الملكي. يمكن للملك أن يفوز معارك ضد جيوش متجمعة ضده، ولكن عدم سحقه الكامل للوردات الإقليميين حين يتجمعون معا. وكانت النتيجة توازن متوتر بين خصوم متساويي العدد تقريبا – ملك مقابل النبلاء، الملكية مقابل البرلمان – مع انعدام قدرة الجانبين على سحق الآخر بشكل شامل. الحقوق والإلتزامات التي انتزعها كل من الآخر، انتزعت في البداية بالقوة – في حد السيف حرفيا في رونيميد – ثم بالإتفاق الضمني، وفي نهاية المطاف، وعلى مر القرون، من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الترتيبات في التقاليد غير المكتوبة الغريبة للحكم الديمقراطية الملكي البريطاني.

تكريم نقابة المحامين الأمريكية لماغنا كارتا قي رونيميد، انجلترا. (WyrdLight.com/Wikimedia/CC BY-SA 4.0)

تكريم نقابة المحامين الأمريكية لماغنا كارتا قي رونيميد، انجلترا. (WyrdLight.com/Wikimedia/CC BY-SA 4.0)

ولم يكن لذلك أن يحدث دون كون الملك قويا، واحد يمكن للشعب أن يلجأ له من خلال “محاكم الملك” الإقليمية للشكوى من ظلم النبلاء، الذي يمكن أن يوحد البلاد الى حرب، وأحد الذي يمكن أن يخدم بمثابة تجسيد لهوية وطنية مشتركة في زمن السلم.

غير معروف للأجانب، حب البريطاني لأفراد العائلة المالكة غير المنتخبة، تلك الظاهرة الغريبة للديمقراطية الليبرالية القوية يبدو أنها تتظاهر لتكون ديكتاتورية ثيوقراطية، مصطلح مهم في تجديد أصول الحرية الإنجليزية. عندما يحتفلون بالنظام الملكي، لا يحتفل البريطانيون بالملوك والملكات على هذا نحو مماثل، ولكن بشكل متقيد بقواعد ثابتة، نوع إنجليزي غريب من الملوك الذي شكل نصف التوازن السياسي البدائي, نوع انبثقت منه حرياتهم الحالية، والكثير من حريات الآخرين الذين تعلموا منهم.

الحادث
من لحظاتها الأولى، تم تقسيم نظام الحكم اليهودي في إسرائيل ليس فقط إلى معسكرات سياسية، بل أيضا إلى فئات اجتماعية وإيديولوجية وعرقية متميزة، والتي عاشت عادة بعيدة عن بعضها البعض والتي تقوم على حياة ثقافية منفصلة.

حتى يومنا هذا، تلعب هذه التقسيمات دورا كبيرا في هويات الإسرائيليين وعادات التصويت. من المرجح أن يصوت الإسرائيلي وفقا لأصوله العرقية أو شعائره الدينية بدلا من مصلحته الإقتصادية أو السياسية الواضحة. من الناحية السياسية، يعيش المجتمع الحريدي بعيدا عن الإسرائيليين العلمانيين حتى عندما يعيشون بينهم، مثل العديد من الأسر الحريدية المقيمة في قلب مدينة تل أبيب العلمانية ولكن يصوتون كما لو كانوا يعيشون في بني براك. قرى أسسها الإشتراكيون العمال قبل خمسين وحتى مائة عام، لا يزالوا يصوتون لحزب (العمل)، حتى عندما تكون القرية مستوطنة في الضفة الغربية التي يسعىحزب العمل الحالي على تهجيرها. تعود الفجوة الاشكنازية-الشرقية بقوة كل مرة يتجه الإسرائيليون إلى صناديق الإقتراع، وتستمر لتكون بمثابة مؤشرا رئيسيا على أنماط التصويت في المجتمعات في جميع أنحاء البلاد.

يهود يمنيون يتجهون إلى عدن، موقع مخيم إستقبال، قبل هجرتهم إلى إسرائيل، 1949. (Kluger Zoltan/Israeli National Photo Archive/public domain)

يهود يمنيون يتجهون إلى عدن، موقع مخيم إستقبال، قبل هجرتهم إلى إسرائيل، 1949. (Kluger Zoltan/Israeli National Photo Archive/public domain)

مع ذلك، الطرد المركزي لسياسة الهوية هذه يبقى تحت اختيار الإعتقاد الشائع بين اليهود الإسرائيليين، مزورا في الذاكرة الحية لوحشية القرن الـ -20، والتي مفادها أنهما يتقاسمان مصيرا مشتركا. معظم اليهود الإسرائيليين هم أحفاد لاجئين، وبالنسبة لمعظمهم تخدم الدولة حتى اليوم كوسيلة لتحقيق الوعد الصهيوني الأصلي كملجأ مستقلا في عالم قاسي.

روح الملجأ هذه تكمن في قلب التضامن الإسرائيلي. إنها مسؤولة عن محرمات عميقة الجذور ضد العنف بين اليهود. وسط الحروب لا تعد وهجمات إرهابية لا تحصى، يحدها من جميع الجهات العالم العربي الذي مزقته الحرب، يقول الإسرائيليون عادة انهم يقابلون حالات نادرة من العنف اليهودي ضد اليهودي أكثر إرباكا ومثيرا للصدمة ومخيفا أكثر من الحروب التي خاضوها مع الغرباء. غرق التالينا في عام 1948، وقتل ناشط حركة السلام الان اميل غرونزويغ عام 1983 أو اغتيال اسحق رابين في عام 1995 – عندما قتل اليهود يهودا آخرين – معروفة أكثر لمعظم طلاب المرحلة الثانوية الإسرائيلية من الحروب التي خاضتها إسرائيل في تلك السنوات. يتم تدريسها كمجمعات مياه للتجربة الإسرائيلية لأنها تعتبر من قبل العديد من الإسرائيليين أحداثا انتهكت فرضية المسؤولية الجماعية في قلب السرد اليهودي الإسرائيلي.

تأثير روح التضامن هذه لا يمكن المبالغة فيه. إن لم يتمكن شخص من قمع زملائه اليهود بعنف، يترك الشخص مع عدد محدود جدا من الخيارات للأنظمة السياسية. إن لم يستطع رئيس الوزراء دافيد بن غوريون بأمر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بتخليصه من زعيم المعارضة مزعجة مناحيم بيغن – ليس فقط لأنه لا يريد فعل ذلك، ولكن أيضا لأنه لم يعتقد أن الأجهزة الأمنية قد تطيع أمرا من هذا القبيل – هذه الحقيقة وحدها تعني أن إسرائيل لا يمكنها الا ان تطور خطاب نقد ذاتي سياسي مفتوح ومنافسة مفتوحة بين المعسكرات السياسية المتنافسة، وانتخابات حرة تمكن تلك المنافسة من الجريان بشكل عادل ودون إراقة دماء.

دافيد بن غوريون يعمل في مستوطنة زراعية قبل فترة قصيرة من إستدعائه لشغل منصب وزير الدفاع في عا م 1955. (Screenshot of newsreel footage from YouTube)

دافيد بن غوريون يعمل في مستوطنة زراعية قبل فترة قصيرة من إستدعائه لشغل منصب وزير الدفاع في عا م 1955. (Screenshot of newsreel footage from YouTube)

العناصر الأساسية في جذور الحريات الأنجلوسكسونية، وقتها، كانت قائمة في فجر النظام السياسي الإسرائيلي اليهودي: مسابقة لا يمكن الفوز بها بين جماعات متنازعة مكبلة ببعضها البعض في روح تضامن موحدة، مد وجزر في نفس الوقت والذي قد يجبر اليهود الاسرائيلين على تقديم التنازلات التي تشكل ما يسميه الإسرائيليون “ديمقراطية”.

ديمقراطية إسرائيل، مثل تلك البريطانية، بالتالي تبدو عرضية، حقيقية، متجذرة في غرائز الجماعية لأمة اللاجئين هذه كما هو الحال في مفاهيم الوعي الذاتي الفردية أو الحرية السياسية.

هذه التنازلات واضحة في جميع أنحاء المجتمع والسياسة الإسرائيليين.

عندما يتعلق الأمر بالدين وقانون الأسرة، على سبيل المثال، يخضع اليهود الإسرائيليين لنظام المحكمة الحاخامية الليبرالي بشكل صريح والذي ينفي الحق في الزواج لمئات الآلاف من الإسرائيليين. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من اليهود الإسرائيليين يعيشون حياة أسرية حرة وغير مقيدة، يتزوجون أيا يرغبون وحتى انهم يتمتعون بحقوق المعاشرة المعترف بها قضائيا للمثليون جنسيا. وهم قادرون على القيام بتلك الأشياء من خلال ببساطة التجاهل التام للحاخامية. هناك عقد غير معلن بين القبائل اليهودية المتنافسة في إسرائيل والذي يسمح للحاخامية أن تكون خانقة كما تتمنى على الورق طالما أنها لا تخطئ في محاولة فرض نفسها على حياة الإسرائيليين في الواقع. نظام قانون الأسرية الأكثر ليبرالية في العالم الحر بالتالي يقع على بعد حساس فوق مجتمع ليبرالي ومتقبل أساسا.

وبالمثل، عندما طلب منه إجراء تحليل مفصل لمقترحات “الدولة القومية” عام 2014، إحدى المفكرين الأكثر شهرة في إسرائيل، باحثة القانون روث غافيسون، أوصت بإسقاط مختلف المشاريع وحذرت القادة الإسرائيليين ضد الإنخراط بشكل واضح وصريح بمسألة الهوية الوطنية في إسرائيل. سببها: ورث الإسرائيليين من مؤسسيهم رؤية قوية لبلدهم، ولكن قوتها “تكمن في غموضها. قد يخل قانون الدولة القومية التوازن بين عناصر حاسمة للحفاظ على الرؤية كاملة”.

هوية إسرائيل، قالت غافيسون، لا ينبغي أن تتحدد بوضوح زائد أو بشكل مفصل كثيرا. دقة وحسم كهذا يهدد انهيار التوترات الإجتماعية الفطرية التي منها تتدفق الحريات في البلاد في النهاية.

أستاذة القانون روت غافيزون في الجامعة العبرية في القدس، 22 فبراير، 2016. (Nati Shohat/Flash90)

أستاذة القانون روت غافيزون في الجامعة العبرية في القدس، 22 فبراير، 2016. (Nati Shohat/Flash90)

هذا التحليل لجذور الديمقراطية الإسرائيلية يلقي ضوءا جديدا على طبيعة النظام السياسي في البلاد. صحيح أنه لا يوجد توازن قوة حقيقي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولكن داخل الكنيست نفسها، القوائم الحزبية المنتخبة وطنيا، حيث تمثل كل واحدة مجموعة فرعية معينة، وعادة ما تكون واضحة المعالم للمجتمع الإسرائيلي، أثبتت فعاليتها بشكل لا يصدق في اعاقة بعضها البعض، مهارة مدعومة بالحقيقة أنه لا توجد مجموعة كبيرة بما يكفي لتمارس السلطة وحدها.

في حين أنه صحيحا، كما ذكر أعلاه، أن قانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته يمكن قلبه بأغلبية بسيطة في الكنيست، تلك الهشاشة على الورق يمكن أن تعمينا لمرونتها الملحوظة لحقوق الإسرائيليين: في النهاية، لم يتم نقض القانون الأساسي. العديد من المعسكرات في هذا النسيج المحفوف من المجتمع يرون في القانون دفاعا عن حقوقهم، ولهذا لن ينضموا لأي تحالف يسعى لإلغاءه.

تعتبر إسرائيل تقليد ديمقراطي واقعي، حيث ينظر للديمقراطية كحل لمشكلة معينة ومطولة من الإنقسام الإجتماعي والإعتماد المتبادل. وغالبا ما ينظر إليها من قبل الإسرائيليين كآلية لضمان التضامن اليهودي والبقاء من رؤيتها كدافع أخلاقي في حد ذاتها.

اليسار الغائب
تحت الديماغوجية مشاريع اليمين الهجومية، يأتي عواء اليسار الصالح من القهر كمحادثة ثانية عميقة كالتاريخ الإسرائيلي.

يشارك العديد من الناشطين في جماعات مثل “كاسري حاجز الصمت” و”بتسيلم” في تحد واضح لهذه الفكرة الاسرائيلية للديمقراطية. بالنسبة لهم، وبالنسبة لكثيرين آخرين في “هآرتس” أو تجمعات حزبي “الجبهة” و “ميرتس”، أصبحت تعني “الديمقراطية” تقريبا عكس ما يفهمه معظم الإسرائيليين بموجب المصطلح: انها تحدي لروح التضامن اليهودية الإسرائيلية.

يلوم اليسار المتطرف تلك الروح لشلل السياسة الإسرائيلية حول القضايا الأكثر إيلاما والتي تواجه البلاد، من الحرمان المتواصل للحرية الدينية الى استمرار احتلال الفلسطينيين. وفي مواجهة هذه المظالم، حيث يقوم بعضهم فقط على الورق وبعضهم حقيقي جدا في الواقع، هؤلاء النشطاء قليلي الصبر لحريات الإسرائيليين “العرضية” الآتية من التنازلات الإجتماعية البدائية.

فهم يريدون حماية قانونية واضحة، ليبرالية مفصلة دستوريا وسياسة مدنية عالمية لتحل محل الحساسيات القومية التي تسير الهيئة السياسية الإسرائيلية اليوم.

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يتسببون بمثل هذا الغضب في إسرائيل، أو لماذا يكونون معادين لها بهذا الشكل. بالنسبة لخصومهم، وخاصة على اليمين، محاولة تفكيك التضامن اليهودية يصل إلى حد انتقاد حقيقة بقاء اليهود وأعمق منابع الديمقراطية الإسرائيلية. التضامن، وليس الليبرالية، أنقذ يهود إسرائيل من تقلبات القرن العشرين القاتلة. التضامن، وليس الليبرالية، يكمن في جذور كل من الإستقلال القومي اليهودي والحريات الداخلية الإسرائيلية. بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، والذين يريدون إبعاد أسس السياسة الإسرائيلية عن هذا التضامن. إنهم بالمعنى الكامن له، منعوا أنفسهم من التجربة الإسرائيلية.

يولي نوفاك من منظمة "كسر الصمت". (لقطة شاشة: القناة 2)

يولي نوفاك من منظمة “كسر الصمت”. (لقطة شاشة: القناة 2)

الحقيقة أن منظماتهم غير الحكومية ممولة في معظمها من قبل الحكومات الأجنبية، أن كثيرا من دعوتهم تركز على الخارج – في الواقع، أنهم مؤثرون جدا في الخارج على الرغم من كونهم هامشيون تماما في البلاد – يعزز هذا الرأي. وليس من قبيل المصادفة أن اليمين، من خلال مشروع قانون المنظمات غير الحكومية وغيرها من التدابير، يركز طاقاته على هذه حقيقة وجودهم، وليس على محتوى انتقادات هؤلاء النشطاء”.

هذا الفرع من اليسار لا يمكن أن ينتصر في هذه المعركة، وليس لأنه مخطئ – لم يتم الادعاء هنا من الجانب المتفوق أخلاقيا – ولكن بسبب تحديها لروح التضامن اليهودي الإسرائيلي الذي يقوده بعيدا عن الهيئة السياسية الذي يسعى إلى تغييرها.

لهذا السبب، يجد الكثيرون على اليسار صعوبة كبيرة في الدفاع عن جماعات مثل كاسر حاجز الصمت، وبالتالي غير قادرون على شن حملة مضادة فعالة ضد اليمين.

وفي ديسمبر كانون الأول، نشر جنرال الجيش الإسرائيلي المتقاعد عميرام ليفين مقالا في صحيفة “هآرتس” مدافعا عن كاسري حاجز الصمت، والذي أصر على أنه يجب تشجيع الجنود “على التحدث دون خوف” عن تجاربهم في الضفة الغربية، وفعل ذلك “في نظاق الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي” على حد سواء.

ثم أضاف بين قوسين – وجود شخصيات مرموقة من الجيش في مثل هذا المقال له معنى كبير – “(وفقط في الجيش والمجتمع الإسرائيلي)”.

إعلان نشره الميجر جنرال المتقاعد عميرام ليفين في صحيفة "هآرتس" تضامنا مع "كسر الصمت". (courtesy)

إعلان نشره الميجر جنرال المتقاعد عميرام ليفين في صحيفة “هآرتس” تضامنا مع “كسر الصمت”. (courtesy)

أعرب رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين عن مشاعر مماثلة عبر الفيسبوك ذلك الشهر، مشيدا الجنود الذين يظهرون مع هواجس معنوية، ومشيدا كاسري حاجز الصمت، “حتى لو انهم يجعلونا غاضبين، حتى لو كانوا في بعض الأحيان غير دقيقين أو لا يقومون بعملهم بشكل صحيح”، كونهم يقدمون “مرآة هامة لأعمالنا”.

ثم لاحظ: “أنا لا أحب نشاطهم في الخارج”.

لم يكن ليفين وديسكين يدافعون عن كاسري حاجز الصمت. كانوا يدافعون عن المعارضة العملية. شعروا أنه من المهم أن القول في دفاعاتهم عن المجموعة انهم في الواقع يشاركون انتقادات اليمين لهم. مع ذلك، هم اختاروا نشر تلك الدفاعات المتحدثة عن خوف أكبر: أن ما تقوم به مجموعة كاسري حاجز الصمت بشكل صحيح – هو تشجيع محاربي الجيش الإسرائيلي القدامى أن يتحدثوا عن تجاربهم- والذي يمكن أن يختلط مع ما يعتقدون حول خطأ كاسري حاجز الصمت- تخليهم عن التضامن الإسرائيلي لصالح شواطئ خارجية. من الصعب التفكير في نقد أكثر تعرضا لليسار الإسرائيلي المتطرف من هذه الدفاعات المزعومة.

وهنا يكمن الخطر لسوكاتش، لزعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ، ولأي شخص آخر يسعى لإعادة تأهيل اليسار الإسرائيلي الذي لم يفز في الإنتخابات منذ 17 عاما. كمسألة استراتيجية سياسية، وليست أخلاقية مجردة، لا يمكنهم احداث تغيير عن طريق احتقارهم اسرائيل. آفاق اليسار السياسية- ومعها ربما، الديمقراطية الإسرائيلية، لانه ما هي الديمقراطية التي فيها فقط جانب واحد قادر على الفوز بالانتخابات؟ – قد تكون أكثر تهديدا من خلال تحديدها مع رفض اليسار المتطرف للتضامن اليهودي الإسرائيلي من قبل نفوس المشرعين اليمينيين.

لا يمكن أن تؤخذ الديمقراطية الإسرائيلية كأمرا مفروغا منه. ولكن أولئك الذين يتطاولون عليها كونها ضعيفة وغير مستقرة، أو يسعون إلى إعادة تشكيلها في صورتهم الخاصة، مدينون لها – ولنا – بمجاملة الحكم أولا وفقا لشروطها.