قبل أسبوعين عُقد في إسطنبول “المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج” – وهو مؤتمر يهدف ظاهريا إلى زيادة الدعم العالمي للفلسطينيين، ولكنه جاء في الواقع لتعزيز مكانة حركة حماس في الساحة الدولية.

عدد كبير من منظمي هذا المؤتمر، الذي شارك فيه المئات من العرب والفلسطينيين من جميع أنحاء العالم، هم من أصول فلسطينية. ولكن لمن تابع عن كثب ما دار في قاعة المؤتمر في إسطنبول، تبين أن عددا كبيرا من المشاركين والمنظمين هم شخصيات عربية معروفة بإنتمائها لشبكات نشرها “الإخوان المسلمون” على مدى عشرات السنوات في جميع أنحاء أوروبا.

هذا المؤتمر لم يكن الأول من نوعه وعُقدت مؤتمرات كثيره مثله في السنوات الأخيرة. الوجوه ستكون دائما نفس الوجوه، والمنظمون هم نفس المنظمين تقريبا، جميعهم أعضاء في حركة الإخوان المسلمين، على مستوى رسمي بشكل أو بآخر، أو أنهم أعضاء حاليين أو سابقين في حركة حماس.

اتضح أن جميع هؤلاء قرروا تجميع قواهم معا في السنوات الأخيرة بهدف إعطاء حماس مكانة دولية، في أوروبا وأفريقيا، في الشرق الأوسط بطبيعة الحال، وحتى في أمريكا اللاتينية، وربما بالأخص الطعن في مكانة السلطة الفلسطينية كالممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وهكذا يبدو أن حماس بدأت تنجح رويدا رويدا ولكن بثبات في إنشاء بنى تحتية عالمية لمؤيدين لها الذين لا يوفرون للحركة تأييدا وشرعية فحسب، بل أيضا مساعدات مالية كبيرة.

وربما المفاجئ هو أن البلد الذي سُجلت فيها نشاطات شبه رسمية لحماس أو الإخوان المسلمين، أكثر من أي بلد آخر في أوروبا، هو بريطانيا.

المثال الكلاسيكي على ما يبدو لنشاط تحت غطاء بريء ظاهريا لأنشطة منظمات إسلامية متطرفة هو ما يُسمى بـ”الحملة العالمية لمقاومة العدوان”.

“هذه المجموعة أسست لأول مرة في عام 2003، في السعودية”، كما يقول دكتور أودي روزن، خبير في الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين، الذي ساعد خبيرا آخر يُدعى ستيف مارلي في كتابة بحث شامل في هذا الموضوع. مارلي أطلق موقعا بحثيا متخصصا في أنشطة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم (Global Muslim Brotherhood Daily Watch).

ويقول روزن إن هذه “المبادرة جاءت من ناشطين سابقين سعوديين في القاعدة اللذين حاولا تسويق هذه الحركة الجديدة على أنها ’سلمية’. خضعت هذه الحركة لإعادة تشغيل في قطر في عام 2005 (بعد معارضة الحكومة السعودية لها). في المجموعة المؤسسة لها في عام 2005 ستجد خالد مشعل من حماس وكذلك مسؤولين كبار آخرين في التنظيم، إلى جانب ممثلين عن الهيئة العالمية للإخوان المسلمين، سلفيين، سلفيين جهاديين وغيرهم”.

ويضيف أن “هذه الهيئة نظمت الكثير من المؤتمرات ونشرت فتاوى معظمها ضد الغرب، على سبيل المثال ضد فرنسا بعد أن بدأت في نشاط عسكري فرنسي في مالاوي”.

في عام 2009 بدأت هذه الحملة في التركيز على غزة، خلال عملية “الرصاص المصبوب” الإسرائيلية وبعدها. في مؤتمر عُقد في فبراير 2009، اتخذت المجموعة في جملة أمور قرارا لتحويل غزة إلى جبهة جهاد جديدة، في إطار “إعلان إسطنبول”. في الإعلان الذي وقّع عليه 90 رجل دين مسلم من كل أنحاء العالم ومن ضمنهم مسؤولين في حماس، جاء أن السلطة الفلسطينية ليست ممثل الشعب الفلسطيني في حين أن “الحكومة المنتخبة – حماس”، هي ممثله المنتخب والشرعي.

وهاجم الموقعون على الإعلان “مبادرة السلام العربية” – مقترح يعض التطبيع في العلاقات بين الدول الإسلامية وإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي التي يرى بها الفلسطينيون جزءا من دولتهم –  والتي وصفها البيان بـ”خيانة أكيدة للأمة الإسلامية والقضية الفلسطينية، وخيانة صارخة للشعب الفلسطيني”.

يقول دكتور روزن إن “هذه الهيئة، مثل هيئات إسلامية أخرى في أوروبا، لا تدعو نفسها ’الإخوان المسلمون’، أو تعلن عن دعمهما لحماس. يدور الحديث عن شبكات لمجموعات منتشرة تقريبا في كل أنحاء العالم. الإخوان المسلمون بأنفسهم يزعمون بأنهم ينشطون في حوالي 80 بلدا، ولكن منذ أحداث 11/9 وحتى قبل ذلك تنفي الكيانات التابعة لها في الغرب علاقتها بالحركة”.

ويضيف: “على سبيل المثال FIOE، اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا. في إطار هذه المنظمة تعمل 37 مجموعة في بلدان مختلفة في القارة وعلى مدى سنوات كثيرة خلقوا لأنفسهم صورة ’الممثلين الشرعيين’. أي التيار المركزي الإسلامي في كل بلد. في ألمانيا تُطلق المجموعة على نفسها اسم IGD، في فرنسا UOIF. وهذا هو الحال أيضا في الدول الإسكندنافية وفي كل مكان تقريبا”.

تعمل هذه الشبكات بناء على النموذج المعروف للإخوان المسلمين وحماس. في كل بلد هناك شبكة من الهيئات الإجتماعية المدنية أو بكلمات أخرى – الدعوة، تديرها شخصيات مركزية مسؤولة عن المدارس – مدارس إسلامية ومساجد وجمعيات خيرية تجمع الأموال ليس فقط من أجل المسلمين في أوروبا ولكن أيضا من أجل حماس؛ وحتى نقابات طلابية في كل جامعة معروفة في أوروبا. مؤخرا تم تأسيس منظمات “حقوق إنسان” إسلامية تعزز من التأييد لفكرة الإخوان المسلمين أو حماس.

الشخصيات البارزة في هذه المجموعات والمنظمات هي شخصيات معروفة وعدد كبير منها يعمل كما ذكرنا سابقا على الأراضي البريطانية. فيما يلي بعض الأمثلة:

    • أنس التكريتي، عراقي الأصل ونجل أحد المسؤولين في الإخوان المسلمين سابقا. والده فر من صدام حسين إلى بريطانيا وهو بنفسه وُلد في العراق ولكن يقيم في لندن منذ كان يبلغ من العمر سنتين. قبل عامين قام بزيارة البيت الأبيض والتقى مع الرئيس السابق باراك أوباما.
    • محمد صوالحة، المعروف جيدا لدى أجهزة الأمن الإسرائيلي بصفته أحد مؤسسي الذراع العسكري لحركة حماس في الضفة الغربية – من أصل فلسطيني – وهو أيضا يقيم في لندن ويُعرف عنه صداقته لجيريمي كوربين.
    • زاهر بيرواي،  ناشط سابق في حماس من قطاع غزة، وكان أحد المتحدثين بإسم أسطول “مافي مرمرة” وشارك في أساطيل أخرى إلى غزة.
    • عصام يوسف مصطفى، عضو المكتب السياسي لحركة حماس سابقا، على الأقل بحسب وزارة الخزانة الأمريكية. مصطفى كان من بين منظمي المؤتمر الأخير في إسطنبول، وعضو في مجلس منظمة أخرى تُدعى “إنترفل”، أعلنت عنها الولايات المتحدة في عام 2003 منظمة راعية للإرهاب. يقيم بيراوي ومصطفى حاليا في بريطانيا.

يرأس مصطفى مجموعة تُدعى “إئتلاف الخير”، التي جندت أموالا لحماس منذ بداية العقد الماضي وتحظى بالدعم الروحاني من رجل الدين السني المعروف، يوسف القرضاوي المنتمي للإخوان المسلمين. في إطار “إئتلاف الخير” تعمل مجموعة IHH (مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية) التي كانت من بين منظمي الأسطول إلى غزة.

وهناك أيضا آخرون من داخل بريطانيا وخارجها:إسماعيل باتيل، الذي يترأس مجموعة “أصدقاء الأقصى”، وداوود عبد الله، وأصله من جزر غرينادا، وهو عضو في المجلس الإسلامي البريطاني سابقا، والذي يساهم في تشغيل موقع إخباري يُعرف عنه تأييده لحماس والإخوان المسلمين، وعزام التميمي – وأصله فلسطيني أردني وهو الرئيس التنفيذي لقناة “الحوار” التلفزيونية التي تتخذ من لندن مقرا لها، ويُعتبر التميمي مؤيدا صريحا لحماس. زاهر البيرواي على سبيل المثال يقدم برنامجا معروفا على هذه القناة. إبراهيم الزيات – من أصول مصرية ويُعتبر اليوم شخصية مركزية في المسائل المالية لهذه الشبكات ويقيم في ألمانيا. إبراهيم منير – وهو أيضا من أصول مصرية، رئيس التنظيم العالمي ويقيم اليوم في لندن.

دكتور روزن الذي يتابع هذه الأسماء منذ سنوات، يقول أن هناك فصل بين حركة الإخوان المسلمين الرسمية، مثل تلك التي تعمل في مصر وبين هذه الشبكات التي تُعتبر مقربة منها.

ويقول إن “هذه هيئات تأسست عمليا من قبل أعضاء سابقين في ’الإخوان المسلمين’ والذين فروا من مصر في سنوات الستين واستقروا في أوروبا. هذه الكيانات نشأت من دون توجيه، من دون مقر مركزي أو قائد بارز”.

“لكن هناك بالتأكيد شبكات مع محطات مركزية – مثل لندن أو ألمانيا. هناك تعاون مع حركة الإخوان المسلمين الرسمية ومع حماس”، كما يقول.

ويضيف روزن: “في الوقت الراهن على الأقل، الجزء التابع لحماس في هذا الجسم الكبير الذي يُدعى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، آخذ بالنمو. حماس هي جزء لا يتجزأ من الحركة وهي تريد السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية ومن هنا تنبع أهمية نشاطها العالمي. تحاول الحركة الفلسطينية حاليا الخروج بوجه جديد لها – مع برنامج سياسي جديد وتوجهات أكثر إعتدالا ظاهريا، ولكنها لا تزال الحركة نفسها”

ويتابع بالقول إن “حركة المقاطعة وسحب الإستثمار وفرض العقوبات (BDS) تستفيد من هذه البنية التحتية الإسلامية، وتحظى بدعم من قبل الهيئات المقربة من حماس أو من حركة الإخوان المسلمين. إحدى الإمكانيات التي يتم تداولها بإستمرار هي أن يحل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، محل إبراهيم منير في منصب نائب ’المرشد العام’ للتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين”.