من خلال استهداف مستهلكين حريصين على صحتهم ويحاولون الحفاظ على البيئة مع رسائل هاجمت فيها شركات المشروبات الخفيفة الأمريكية مثل “كوكا كولا” و”بيبسيكو” لاستخدامها عبوات البلاسيتك، نجحت شركة “صودا ستريم” في النمو من مجرد مصّنع بسيط للمياه الغازية إلى عملاق تبلغ قيمته 3.2 مليادر دولار، حسب القيمة التي وضعتها صفقة شراء الشركة مع مصّنع المشروبات الخفيفة والأغذية الأمريكي “بيبسيكو”.

يوم الإثنين وقّعت بيبسيكو صفقة لشراء الشركة المصنعة لأجهزة صنع المشروبات الغازية المنزلية بقيمة 3.2 مليار دولار نقدا.

وكما تحدثت شركة “إنتل” عن شركة “موبيل آي” الإسرائيلية، التي قامت بشرائها في العام الماضي، ستظل صودا ستريم وحدة مستقلة داخل بيبسيكو وسيكون مقرها في إسرائيل وستحافظ على علامتها التجارية الخاصة بها.

الصفقة ستتيح للشركة الإسرائيلية “الوصول إلى موارد لم تكن لدينا حتى اليوم”، بحسب ما قاله الرئيس التنفيذي للشركة، دانييل بيرنباوم، في مقابلة الإثنين. لكنها ستضمن أيضا حفاظ الشركة على قلبها الشاب.

وقال إن “الكثير من الشركات الكبرى تدرك أنها إذا حاولت دمج صفقات شراء، وخاصة شراء مشاريع ريادية، أو شركات ناشئة، داخل الشركة، فإنها تقتلها في الأساس، تقوم بتدمير روحها. القلب”.

وأضاف “لسنا بشركة ناشئة، لكننا نتمتع بعقلية شركة ناشئة”.

الرئيس التنفيذي لشركة ’صودا ستريم’، دانييل بيرنباوم (من اليسار)، والرئيس التنفيذي لشركة ’بيبسيكو’، رامون لاغوارتا، في مصنع ’صواد ستريم’ القريب من مدينة رهط في صحراء النقب جنوب إسرائيل، 20 أغسطس، 2018. (Eliran Avital)

الشركة التي أنشأت في عام 1903 من قبل غاي هيو غيلبي في بريطانيا، باعت في الأصل أجهزة المياه المشبعة بالأوكسجين الخاصة بها للطبقات العليا البريطانيا وللعائلة الملكية، وقامت بتوسيع نشاطها على الصعيد العالمي تدريجيا. في عام 1998 تم شراؤها من قبل شركة “صودا كلاب” الإسرائيلية، التي تم تأسيسها في عام 1991 من قبل بيتر فاينسبورغ، الذي كان منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي الموزع الوحيد لمنتجات صودا ستريم في إسرائيل. كما أنه حصل على براءة إختراع لإجهزة منزلية لصنع المشروبات الغازية، وقام بتوزيعها في العالم. لكن شعبية هذا المنتج تضاءلت عندما أصبحت المشروبات الغازية المعبأة من قبل الشركات العملاق أرخص سعرا.

ومع ذلك، بعد صفقة الشراء، أصبحت صودا ستريم أكبر نظام كربنة منزلية في العالم. إلا أن صعوبات اقتصادية أدت إلى بيع الشركة في عام 2008 لمجموعة “صندوق فورتيسيمو كابيتال” الخاص للاستثمار، الذي قام بتعيين بيرنباوم رئيسا تنفيذيا للشركة. في عام 2010 طرحت الشركة أسهما في بورصة ناسداك وفي عام 2016 في بورصة تل أبيب.

تحت قيادة بيرنباوم قامت الشركة بتغيير علامتها التجارية وقدمت نفسها كشركة مياه غازية، شركة صغيرة وحيوية توفر بديلا صحيا أكثر للمشروبات التي تعرضها الشركات العملاقة المنافسة لها، التي بالإضافة إلى استخدامها كميات هائلة من السكر تقوم أيضا ببيع منتجاتها في عبوات بلاستيكية قاتلة للبيئة. تقوم صودا ستريم بصنع أجهز تعمل على كربنة ماء الصنبور في زجاجات قابلة لإعادة الاستخدام.

تقول الشركة على موقعها الإلكتروني إن “عبوة صودا ستريم  قابلة لإعادة الاستخدام واحدة تخّلص العالم من ما يصل عددها إلى 3,000 عبوة بلاستيكية غير قابلة للاستخدام مرة أخرى”، وفقاعاتها تجعل من الماء “مشروبا ممتعا ومثيرا” حتى يشرب المستهلكون المزيد من الماء بدلا من المشروبات المحلاة.

في حملات إعلانية أحدثت ضجة، استخدمت الشركة شخصيات معروفة مثل سكارليت جوهانسون، باريس هلتون، مايم بياليك، وشخصيات من مسلسل “صراع العروش”، من بينها العملاق المضطرب نفسيا غريغور “ذا ماونتن” كليغان، وهاجمت شركات المشروبات الخفيفة العملاقة على جبال البلاستيك التي كونتها في العالم، وتباهت بمزايا مياه صواد ستريم الفوارة.

في الربع الثاني من العام، قالت الشركة إن أرباحها قفزت بنسبة 31% إلى 171 مليون دولار، وارتفع دخلها الصافي بنسبة 82% تقريبا. وقالت الشركة إنها تتوقع أن ترتفع إيرادات العام بحوالي 23% مقارنة بالعام السابق.

وارتفعت قيمة أسهم صودا ستريم التي يتم تدوالها في ناسداك بنسبة 149% في الأشهر ال12 الأخيرة، حوالي 10% منها يوم الإثنين، بعد التوقيع على الصفقة.

صفقة الشراء بقيمة 3.2 مليار دولار التي أعلن عنها يوم الإثنين هي محاولة من قبل بيبسيكو لمواجهة انخفاض الطلب على المشروبات الغازية المحملة بالسكريات وزيادة الوعي البيئي: بدلا من هزمهم، قررت بيبسيكو الانضمام إليهم، وتحالفت مع منافستها وأشد منتقديها.

العلاقة بين بيبسيكو وصودا ستريم تعود لسنوات، حيث قامتا بإطلاق منتج في مرحلة معينة، كما قال بيرنبام في المقابلة. وأشارت تقارير صحفية إلى أن بيبسيكو فكرت في شراء الشركة قبل بضع سنوات.

رامون لاغوارتا، الرئيس التنفيذي الجديد لشركة بيبسيكو، قال في مؤتمر صحفي عُقد يوم الإثنين في تل أبيب بعد التوقيع على الصفقة، إن بيبسيكو تراقب الشركة منذ فترة، ولكن “عندما تقوم بصفقة بهذا الحجم تريد أن تضمن أن يكون ذلك نموذجا مثبتا”، وأضاف “منذ أن قاموا بتغيير استراتيجيتهم نحو إعادة تكييف شركتهم  والتركيز أكثر على المياه وأصبحوا الآن مستعدين مع نموذج صلب، لديه الكثير من الرياح الخلفية”، وأثبت نفسه سواء من الناحية الاقتصادية أو “مع علامة تجارية قوية واستراتيجية ابتكار”.

في مقابلة مع مجلة “فورتشن” في عام 2017، تحدثت الرئيسة التنفيذية المنتهية ولايتها لبيبسيكو، إندرا نويي، التي بادرت إلى صفقة شراء صودا ستريم بعد أن قامت بالاتصال قبل ستة أسابيع بيرنباوم ولقائه في لندن بعد ذلك، عن إدارة الشركة في واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في فترة عملها في الشركة، التي تسلمت مقاليد القيادة فيها في عام 2006.

وقالت في المقابلة “إن الصناعة تشهد وتيرة تغيير واضطراب لم نشهده من قبل. يمكن النظر إلى ذلك بتشاؤم والقول ’يا إلهي، كل ذلك آخذ بالتغير’، أو بتفاؤل، وأن تقول إنه ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة كتابة بعض القواعد وإعادة التوزان للمعادلة التنافسية في الصناعة. أنا في المعسكر الثاني، وأنظر إلى العالم وأقول، ’أوقات مثيرة للاهتمام’”.

ملمحة إلى سبب قيام بيسيكو بالسعي إلى صفقة كهذه مع صودا ستريم، قال في المقابلة، “عندما يأتي عامل مشوش، لا تنظر إليه على أنه شخص سيقتل شركتك. فكر بالطريقة التي سيساعد فيها عملك”.

وبالفعل، في المؤتمر الصحفي، قال لاغوارتا إن الشركة الأمريكية تسعى إلى البدء بإستراتيجية تضع فيها “الماء في المركز”، يكون فيها بإمكان المستهلكين إنشاء حلول ملائمة لهم خصيصا لمشروباتهم في المنزل.

وقال “لو أردت التفكير في المستقبل، سيكون هناك نمو في المستهلكين الذين يحاولون صنع مشروباتهم الخاصة، ملائمة مقدار الكربنة، أكثر أو أقل، أي نكهة، نكهة أكثر أو أقل بشكل يلائمهم. سيشهد ذلك نموا”. وستكون هناك أيضا “حركة هامة نحو صفر من النفايات، حيث سيبتعد المستهلكون عن استخدام البلاستيك وسيحاولون إعاة التدوير بأكبر قدر ممكن، وإعادة الإستخدام قدر الإمكان. هذه هي الفضاءات التي أعتقد أن المستهلك سيتجه إليها”.

وأضاف قائلا “لذلك يُعتبر هذا الأمر استراتيجيا بالنسبة لنا”، في إشارة إلى صفقة الشراء. “إنها فرصة إستراتيجية جدا لبيبسيكو”.

صفقة الشراء لا تعني أن بيبسيكو ستتخلى عن العبوات البلاستيكية، كما قال، حتى لو كانت الشركة تصنع عبواتها من مواد قابلة للتدوير وتتبع سياسات أكثر استدامة.

إستراتيجية بيبسيكو في المضي قدما “ليست إستراتيجية إما أو. إنها إنها [استراتيجية] و-إستراتيجة”، كما قال، ستقوم من خلالها بيبسيكو بالسعي إلى تقليص النفايات البلاستيكية – وهي عملية ستسغرق سنوات – والانتقال في الوقت نفسه إلى فضاءات مثل صودا ستريم، “حيث لن يتم إستخدام البلاستيك مرة واحد فقط، ولكن مرات كثيرة”.

الرئيس التنفيذي لشركة ’صودا ستريم’، دانييل بيرنباوم (من اليسار)، والرئيس التنفيذي لشركة ’بيبسيكو’، رامون لاغوارتا

بيرنباوم، من جهته، قال خلال المؤتمر الصحفي إنه لا ينوي التوقف عن انتقاد الشركات العملاقة لاستخدامها للبلاستيك.

وقال إن “إدارة بيبسيكو، إندرا مويي، وضحت لي أنهم يشترون صودا ستريم بسبب من نكون وليس بسبب ما ليس نحن. ونيتهم هي أن نواصل التشويش على صناعة المشروبات الخفيفة وتوفير حل بديل للمستهلك”.

الرئيس التنفيذي المنتخب حديثا لشركة ’بيبسيكو’، رامون لاغوراتا (من اليمين)، والرئيس التنفيذي لشركة ’صودا ستريم’، دانييل بيرنباوم، خلال التوقع على صفقة الشراء، 20 أغسطس، في مكاتب صودا ستريم في إسرائيل. (Lens Productions)

وتابع قائلا “سنواصل الطريق في صودا ستريم، في إسرائيل والعالم، وستبقى طريقة تسويقنا مثيرة للفوضى. لدي الكثير من التقدير لإدارة بيبسيكو لتحليها بالشجاعة والإصرار والحكمة لإدراك أن هذا هو ما يحتاج إليه المستهلك في هذا الوقت. هناك عالم متغير في الخارج. يجب التوقف عن استخدام البلاستيك لمرة واحدة، وسيحصل ذلك بالتدريج. ونحن جزء من هذا التحول مع بيبسيكو”.

ويرى بيرنباوم في نفسه أيضا قوة للتغيير في المجتمع الإسرائيلي من خلال توظيفه لمجموعات سكانية مختلفة في جهود التصنيع التي تقوم بها صودا ستريم، بما في ذلك اليهود والعرب والبدو والفلسطينيين.

وأصبحت صودا ستريم هدفا لحملة مؤيدة للفلسطينيين بسبب موقع مصنعها في الضفة الغربية، قبل أن تنتقل إلى داخل الخط الأخضر قبل بضع سنوات.

مظاهرة ضد شرطة ’صودا ستريم’ في العاصمة الأمريكية واشنطن، 24 فبراير، 2013. (Coast-to-Coast/iStock by Getty Images)

في أكتوبر 2014، أعلنت صودا ستريم عن نيتها إغلاق مصنعها في مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية والانتقال إلى جنوب إسرائيل، وهي خطوة اعتبرتها حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” (BDS)أنها جاءت نتيجة لضغوطها. وخسر نحو 500 عامل فلسطيني عملهم في ذلك الوقت، ومنحت إسرائيل ما تبقى منهم، وكان عددهم 74 عاملا، تصاريح عمل للدخول إلى البلاد ومواصلة العمل في صودا ستريم.

وزعمت BDS أن صودا ستريم تميز ضد عمالها الفلسطينيين وتدفع لهم أجورا أقل من العمال الإسرائيليين.في حين قالت صودا ستريم إن العكس هو الصحيح، وأن الشركة وفرت الوظائف لمئات الفلسطينيين بنفس شروط وظروف عمل الإسرائيليين.

امرأة فلسطينية تعمل في مصنع صودا ستريم في مستوطنة معالي ادوميم (بعدسة ناتي شوحاط/ فلاش 90)

بالإضافة إلى ذلك، تعرضت الممثلة الأمريكية سكارليت جوهانسون لهجوم شديد من قبل حركة BDS بسبب اختيار الشركة الإسرائيلية لها كأول سفيرة لعلامتها التجارية، وهو دور شمل الظهور في إعلان تم عرضه خلال مبارة “السوبر بول” في عام 2014.

جوهانسون من جهتها رفضت الانتقادات، ووصفت الشركة بأنها تقوم “ببناء جسر سلام بين إسرائيل وفلسطين”.

لسنوات عدة قاطعت شركة “بيبسي كولا”،كما كانت تُعرف الشركة سابقا، بنفسها إسرائيل، ولم يكن بالإمكان العثور على منتجاتها محليا، في أعقاب ضغوط من العالم العربي. ودخلت الشركة الأمريكية أخيرا السوق الإسرائيلية في عام 1991، عندما تضاءلت المقاطعة العربية.

مصنع “صودا ستريم” في الضفة الغربية الذي تم نقله إلى النقب في أعقاب إنتقادات دولية. (Nati Shohat/Flash90/via JTA)

في المؤتمر الصحفي، في إشارة إلى انتقاد بيرنباوم لسياسات البلاستيك التي تتبعها شركات المشروبات الخفيفة، قال لاغوارتا إن بيبسيكو ستسمح لصودا ستريم ب”مواصلة” التمسك بموقفها.

وقال “على الشركات زعزعة نفسها أو أن يتم زعزعتها من قبل طرف آخر. نحن نخطط للسماح لصودا ستريم بالاستمرار مع موقفها، والافتخار بما هم عليه وما يمثلونه، وفي الوقت نفسه سيحاولون القيام بالجزء الغير متعلق بصودا ستريم في عملنا، وهو جزء كبير جدا”.

وأضاف “لن نوقف جميع ممارسات التسويق الخاصة بصودا ستريم”.

وهو ما يعني أنه على الرغم من صفقة الشراء فإن معركة الفقاعات ستتواصل.