كان جوناثان سباير وراء خطوط العدو مرات عديدة من قبل، وحرص على إخفاء سره الخطير بحذر. ولكن في أحد أيام الربيع في مدينة حلب هذا العام، في منطقة يسيطر عليها النظام السوري، اعتقد أن سره على وشك أن يكشف أخيرا – ليس من قبل وكلاء المخابرات الحكومية أو متمردين، وإنما من قبل زميل بريطاني حاول فقط إجراء محادثة لطيفة خلال تناول فنجان قهوة.

قام سباير، وهو محلل مخضرم وصحافي مقيم في القدس، بتغطية الأحداث في العراق وسوريا في مناطق واسعة من الفوضى عديمة الجنسية على مدى الأعوام الستة الماضية.

لقد كان هذا الصراعان مسؤولان عن مقتل عدد كبير من الصحافيين، ولكن بالنسبة لسباير، كانت هناك طبقة إضافية من الخطر: فهو من مواليد بريطانيا، لكنه إسرائيلي أيضا.

وقال سباير، في مقابلة مع تايمز أوف إسرائيل، “من يريد أن يعتقد أنه بسبب جنسيتك، لا يمنكك تغطية ما تعتبره القصة الأهم في القرن 21”.

أعمال سباير ظهرت في “فورين بوليس” و”جينز إنتلجنس ريفيو” و”وول ستريت جورنال” و”الغارديان” و”ذي أتلانتيك”، وغيرها من المجلات والصحف.

في رحلته الأخيرة إلى سوريا، نجح في الدخول إلى منطقة يسيطر عليها النظام من خلال الانضمام إلى جولة دعائية نظمتها الحكومة، تمكن من خلالها أيضا من إجراء مقابلات مع بعض الوزراء.

جوناثان سباير (من اليسار) في صورة مع وزير المصالحة السوري علي حيدر ووزير الإعلام محمد ترجمان حلال جولة برعاية الحكومة في دمشق في شهر أبريل، 2017. (Courtesy)

لقد استخدم سباير هوية مزيفة نوعا ما للانضمام لهذه الجولة، وهو يوافق على أن عدم نجاح السلطات السورية في الكشف عن هويته الحقيقية في أي مرحلة من مراحل الرحلة يدل على “عدم كفاءة تام”.

اللحظة الأقرب جاءت عندما قام زميل بريطاني له، من بين عدد من الأجانب المؤيدين للأسد والذين تتم دعوتهم إلى دمشق من قبل النظام، بالقول “هناك شائعات عن وجود متسللين صهاينة في هذه الرحلة”.

“أوه اللعنه، هل يمزح معي هذا الرجل”، يتحدث سباير عن الأفكار التي جالت في خاطره في هذه اللحظة، حيث فكر بالهرب بسرعة إلى منطقة قريبة يسيطر عليها الأكراد.

تبين بعد ذلك أن ذلك  زميله كان يحول فقط إجراء دردشة مهذبة.

وقال سباير: “إذا نظرت إلى ذلك من حيث المنطق البارد للمقامرة، نشر قصتك في وول ستريت جورنال مقابل الموت، حسنا، من الواضح أن هذه حماقة”.

لكنه أشار إلى أن جميع الصحافيين يخاطرون بحياتهم، سواء كنت إسرائيليا أو لم تكن كذلك.

وقال “أنا قمت بذلك. آخرون قاموا بذلك. على مستوى معين، الأمر يستحق ذلك، لأنني أعتقد أن القصة السورية هي قصة القرن الإخبارية حتى الآن، ولدينا مقعد في الصف الأول”.

يقول سباير إنه قام بزيارة سوريا نحو ثماني أو تسع مرات، والعراق خمس أو ست مرات في السنوات الأخيرة، بشكل عام لفترات استمرت لنحو أسبوعين. نصف هذا الوقت كان في المناطق الخاضعة للأكراد، حيث من المقبول أن تكون إسرائيليا.

ويقول الصحافي البريطاني الإسرائيلي إن هناك فرق كبير بين عملك الصحفي كإسرائيلي في العراق أو في سوريا.

وقال سباير: “عندما تكون في العراق، لا يفكر الأشخاص بإسرائيل كثيرا. فالأمر لا يعنيهم كثيرا”.

عندما قام بإجراء لقاء مع ضابط في ميليشيا مدعومة من إيران في بغداد، كانت النظرة إليه على أنه مجرد صحفي بريطاني يعمل لصالح وسيلة إعلام غربية، ولم يفكروا في الأمر كثيرا، كما قال.

مقاتل في ’سرايا السلام’ التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، يرفع علما بالقرب من قاذفة صواريخ خلال معارك عنيفة مع مقاتلي ’داعش’ في مدينة طوز خورماتو العراقية التابعة لمحافظة صلاح الدين، 21 أغسطس، 2014. (AFP/J.M. Lopez)

من جهة أخرى، في سوريا، وهي جار مباشر لإسرائيل، فإن الخوف من حدوث تسلل من الدولة اليهودية هو أمر واضح، كما قال.

بحسب سباير “في العالم المؤيد للنظام والمؤيد لحزب الله، هم مشغولون جدا في الحديث عن متسللين [إسرائيليين]”، في إشارة إلى المنظمة المدعومة من إيران في لبنان، والتي تقاتل إلى جانب النظام في سوريا.

وأضاف مع ضحكة: “يتحدثون عن ذلك كثيرا لدرجة لا يلاحظون فيها ’المتسلل’ الذي يجلس إلى جانبهم”.

غير أنه أشار إلى أنه عندما قام بالتسلل إلى سوريا للعمل بين المتمردين، لم تكن لديه حاجة للعمل مع هوية مزيفة، “لقد كان الأمر في غاية الفوضى، إلى درجة أن كل ما عليه فعله هو الظهور”.

وتابع قائلا: “في جانب النظام الأمر كان مختلفا تماما. فلديهم هوس بالمؤسسات الإستخباراتية. هناك عليك أن تتحلى بالذكاء، وأن تكون حذرا وستحتاج إلى قصة محكمة”.

يقول سباير إنه يرى في حقيقة أن بإمكان غير الإسرائيليين تغطية نفس القضايا بشكل آمن أكثر مسألة أخلاقية. “بغض النظر عن الجوانب العملية، من غير المقبول بالمرة أن لا يستطيع شخص تغطية هذه الأحداث لأن لديه الجنسية الإسرائيلية”.

وأشار إلى أن الصحافيين العرب بإمكانهم العمل بحرية في إسرائيل لوسائل إعلام عربية، لكن هذه اللياقة المتبادلة لا تمتد إلى نظرائهم الإسرائيليين.

خلال عمله في مناطق العدو، لم يكشف سباير كما قال عن هويته الإسرائيلية حتى لزملاء صحافيين آخرين خشية تعريض حياتهم للخطر. وقال إن هذه المسألة لم تكن بمشكلة لأنه يفضل العمل لوحده.

في كتابه الجديد “أيام الخريف: رحلة مراسل في حربي سوريا والعراق”، والذي أصدرته مؤخرا دار النشر Routledge، يأخذ سباير القارئ في رحلته الشخصية عبر الصراعات في سوريا والعراق، حيث يقوم بتكبير وتصغير صورة الأحداث التي عاشها هناك، ناقلا تفاصيل جريئة عن الأساليب التي يتحدث فيها المسلحون والجنود والإرهابيون والمواطنون، وما يلبسونه وكيف يتصرفون، مع تقديم التحليل دائما لوضع المشاهد في السياق الأوسع.

هذا الكتاب هو سرد وثيق ومتعمق لأحداث رئيسية في هذين الصراعين – مثل بداية المعركة على حلب وسقوط جبل سنجار حيث تم ارتكاب مجزرة ضد الأقلية اليزيدية واستعباد أفراد منها من قبل تنظيم “داعش”.

طوال أجزاء الكتاب هناك مصدر مستمر للدراما والتوتر وهو حقيقة مواطنة سباير المزدوجة.

هل سيكتشف مسلحون شيعة في العراق أو سنة إسلاميون في سوريا، أو ربما النظام السوري خلال مشاركته للجولة التي ترعاها الحكومة في دمشق سره اليهودي المظلم؟

من خلال مزيج من الحذر والخداع، وإطلاق لحيته، ينجح سباير بالتنقل بين صراعين حصدا أرواح عدد كبير من الصحافيين.

على الأرجح أن يبقى الصراعان في العراق وسوريا، كما يقول سباير، “مجمدين” – على غرار النزاع في شرق أوكرانيا – في السنوات المقبلة، مع صراع على السلطة بين فصائل عدة.

يقول سباير إن كتابه سيكون أقرب إلى “أول مسودة للتاريخ”، التي يأمل أن تساعد المؤرخين يوما ما في تفسير كيفية انهيار سوريا والعراق، اللتان شكلتا مرة ركنين من أركان المنطقة. إذا حدث ذلك، فإن تغطيته لهذين الصراعين ستكون جديرة أكثر بهذه المخاطرة.