في وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت بلدية القدس عن خطط لاستثمار غير مسبوق في الأحياء الفلسطينية المهملة في المدينة، وإنشاء مركز تكنولوجي يوفر 10,000 وظيفة ذات أجر جيد.

ولكن في حين أن رئيس البلدية اليميني وأصحاب العقارات الفلسطينيين المحليين متحمسون بشأن هذه الخطوة، تبقى هناك العديد من الأسئلة المطروحة حول كيفية تأثير منطقة “وادي السيليكون” الجديدة المقترحة في وادي جوز على حياة سكان القدس الشرقية – وإذا كان هذا المشروع يلبي حقا احتياجات السكان المحليين.

إذا تم تنفيذ المشروع، فقد يكون وادي السيليكون أحد أكبر الاستثمارات العامة على الإطلاق في القدس الشرقية. سيتم تخصيص 200,000 متر مربع لشركات الهايتك، و50,000 للفنادق، و50,000 أخرى للمساحات التجارية – كلها في قلب وادي الجوز. عند اكتماله، سيكون المجمع ضعف حجم محطة “غراند سنترال” في نيويورك.

مع زيادة وسائل النقل العام، والمساحات الخضراء، وكلية تقنية جديدة تماما لتدريب “الآلاف من المقدسيين الشرقيين على التكنولوجيا المتقدمة”، والحوافز من أجل “زيادة اندماج النساء في القوى العاملة في شرق المدينة”، لا تطمح الخطة إلى توفير الآلاف من الوظائف الجديدة في القدس الشرقية فحسب، وإنما إلى تغيير المنطقة بالكامل.

تقول لورا وارتون (حزب ميرتس)، وهي عضو في بلدية القدس، “التفكير هنا الآن هو تطوير الهايتك والصناعات الأخرى التي ستسمح للمقدسيين الشرقيين بالعثور على عمل في القدس. قابلت العديد من الفلسطينيين الموهوبين الذين يعملون في رام الله وأماكن أخرى لأنه لا يوجد الكثير من الهايتك في القدس، وما هو موجود تابع للإسرائيليين [اليهود] ومن أجل الإسرائيليين [اليهود]”.

بسبب إهمال البلدية المزمن، لم تتمتع القدس الشرقية الفلسطينية أبدا بالموارد المؤسسية والمالية التي تتمتع بها الأحياء اليهودية في المدينة. في عام 2016، بلغ معدل الفقر بين الفلسطينيين في القدس الشرقية 72.9%، مقابل 29.8% في المجتمعات اليهودية. استولت إسرائيل على القدس الشرقية عام 1967 وضمتها إليها عام 1980، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. معظم المقدسيين الشرقيين هم فلسطينيون يحملون أوراق إقامة إسرائيلية.

مشروع وادي السيليكون هو جزء من مبادرة حكومية مدتها خمس سنوات بقيمة 2.1 مليار شيقل (677 مليون دولار) لتقليل الفجوات بين القدس اليهودية والفلسطينية، وهو واحد من عدة مشاريع روج لها رئيس بلدية القدس موشيه ليون في الأشهر الأخيرة. يقول ليون إنه يأمل أن تقلل المشاريع من عدم الثقة وعدم المساواة بين القدس الشرقية والغربية.

وقالت وارتون: “استيقظت الحكومة أخيرا قبل بضع سنوات وأدركت أن ترك القدس الشرقية في الحالة التي هي فيها هو أمر سيئ للجميع، وأن الوقت قد حان لتدخل الحكومة”.

يبدو ليون، وهو رئيس بلدية يميني يترأس إتئلافا من الأحزاب الحريدية في المجلس البلدي، شخصية لا يُتوقع منها عبور خط التماس في القدس. ولكن منذ توليه المنصب، تواصل مع المقدسيين الشرقيين بطرق غير متوقعة.

في شهر فبراير، قام بتجميد عمليات هدم منازل في العيساوية بعد التشاور مع القادة المحليين. وقام بزيارة مالك عيسى، صبي صغير فقد عينه برصاصة مطاطية أطلقتها شرطة حرس الحدود، ولقي تعاون إدارته مع السلطات الصحية بالقدس الشرقية أثناء تفشي جائحة فيروس كورونا إشادة في صفوف نشطاء فلسطينيين، حسبما ذكرت صحيفة “هآرتس”.

نقل 200 مصلحة تجارية في القدس الشرقية

ومع ذلك، لا يزال يتعين وضع تفاصيل عديدة لضمان ألا تؤدي الخطة التي تهدف إلى تحقيق الرخاء للقدس إلى نزع ملكية السكان الفلسطينيين والمصالح التجارية القائمة دون تعويض. ومن غير الواضح أيضا ما إذا كان المشروع سيتجنب استبدال السكان الفلسطينيين المحليين بشركات هايتك تقوم بتوظيف إسرائيليين يهود في الأساس، وهو ما قد يراه البعض على أنه نفس التجريد القديم في زي طوباوي تكنولوجي جديد.

من المقرر أن يتم هدم ما يصل إلى 200 مصلحة تجارية مملوكة للفلسطينيين – معظمها من محلات تصليح السيارات التي تعمل من مرائب – كجزء من مشروع وادي السيليكون. علاوة على ذلك، تحتوي الأرض المخصصة لوادي السيليكون على المنطقة الصناعية الوحيدة المملوكة للفلسطينيين في القدس الشرقية. وقد تلقى بعض أصحاب الأعمال بالفعل أوامر إخلاء بحلول نهاية عام 2020.

في حين تقول البلدية إن وادي السيليكون هو “مشروع بالموافقة”، بدا أن أصحاب المصالح التجارية في وادي الجوز قد فوجئوا تماما عندما ظهرت أوامر الإخلاء على عتبات محلاتهم. حتى استلامهم أوامر الإخلاء، لم يسمع معظمهم بالمشروع، وفقا لشبكة “i24 News” الإخبارية.

يقول مراد النتشة، وهو خبير تخطيط مدن متخصص بوادي الجوز، إن “فكرة الهايتك على وجه الخصوص هي فكرة جديدة، ولم يتم التشاور مع السكان بالشكل الكافي بشأنها، وهي لم تكن جزءا من أي مشاورات مع السكان”.

وأضاف النتشة أن أصحاب العقارات الفلسطينيين قد ينتهي بهم المطاف ليكونوا الرابح الأكبر في هذا المشروع، لأن قيمة أراضيهم سترتفع بشكل كبير إذا حلت مباني المكاتب الممولة من الدولة محل مرائب بسيطة.

وقالت البلدية إنها تدرس عدة خيارات لتعويض أصحاب الأعمال، بما في ذلك نقل المرائب إلى مكان آخر. عندما سُئلت عما إذا كان سيتم إخلاء المصالح التجارية – حيث من المفترض أن تكون العملية توافقية – رفضت البلدية التعليق.

تقول وارتون، العضو في بلدية القدس، إن هناك ما يجب تحسينه في التواصل مع الجمهور، لكنها أضافت أن مسؤولي البلدية المسؤولين عن المشروع تواصلوا مع ملاك الأراضي الفلسطينيين في المنطقة واستشاروهم لبعض الوقت قبل الإعلان عن المشروع في الأسبوع الماضي.

حكاية تحذيرية عند الزاوية

على بعد بضعة شوارع من مركز الهايتك المخطط له، تقف حكاية تحذيرية من نوع آخر للمشروع الجديد، التي تبرز مدى الصعوبة التي يمكن مواجهتها في الطريق من إصدار بيان صحفي وصولا إلى إحداث تغيير حقيقي. منطقة تجارية أخرى من المقرر أن تكون هي أيضا في وادي جوز، ״معار ميزراح”، متروكة في حالة من النسيان منذ أكثر من عقد من الزمان. كانت المنطقة المقترحة مركزا تاريخيا للحياة الحضرية في القدس الشرقية التي أصبحت في حالة سيئة. يأمل المخططون في إعادة بناء المنطقة كمركز للأعمال والمؤسسات الثقافية ذات بنية تحتية حديثة ومرافق عبور.

في السنوات التي تلت ذلك، جاء ثلاثة مخططين بارزين وذهبوا دون تحقيق أي تقدم يُذكر في المشروع الجديد. تم اقتراح “معار ميزراح” لأول مرة منذ أكثر من 20 عاما، ولم يتم فتح باب التعليق العام على المشروع حتى الآن – وهي فترة إلزامية يمكن للجمهور خلالها تقديم اعتراضات قبل دخول أولى رافعات البناء إلى الموقع.

في حين أشارت البلدية إلى أن المشروع قد يصل أخيرا إلى هذه المرحلة في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فقد يستغرق الأمر سنوات قبل بدء البناء، حسبما قال ساري كرونيش، وهو خبير تخطيط مدن في المنظمة الحقوقية “بيمكوم – مخططون من أجل حقوق التخطيط” في القدس الشرقية لتايمز أوف إسرائيل.

وقال المتحدث باسم بلدية القدس، يارون لوفو، لتايمز أوف إسرائيل إن مشروعي معار ميزراح ووادي السيليكون متداخلان، وأن كلاهما جزء من نفس الخطة لتطوير منطقة وادي الجوز. وقال لوفو إنه “يجري التقدم (في معار ميزراح) بالتنسيق الشامل والكامل مع الجمهور”.

حتى لو تم المضي قدما في المشروع، هناك تساؤلات جادة حول ما إذا كانت مشاريع مثل وادي السيليكون تستحق الأراضي والنفقات والوقت الذي تستهلكه. يقول النتشة إن الحاجة الأساسية للمقدسيين الشرقيين اليوم ليست الهايتك وإنما الإسكان.

وقال “”بالطبع، يريد الناس توسيع أعمالهم وتحسين دخلهم، ونحن بحاجة إلى تحسينات في البنية التحتية الفاشلة والتلوث وما إلى ذلك، ولكن الحاجة الأكثر إلحاحا اليوم هي المزيد من الوحدات السكنية. والبلدية لم تلبي هذا المطلب”.

تعاني القدس الشرقية من أزمة إسكان منذ عقود. السكان الفلسطينيون في القدس الشرقية، حوالي 40٪ من سكان المدينة، محصورون في 50,000 وحدة سكنية، أو حوالي 25٪ من منازل المدينة. أدى تزايد عدد السكان، إلى جانب الصعوبات الخفية والمعقدة التي تتعلق بالحصول على تصاريح، إلى كمية كبيرة من البناء غير القانوني وعمليات الهدم الإسرائيلية الدورية للمنازل المبنية بشكل غير قانوني.

القمامة المتراكمة على جانب الطريق في حي وادي الجوز بالقدس الشرقية، 23 سبتمبر، 2018.(Adam Rasgon/Times of Israel)

يغطي مشروع وادي السيليكون مجالات اهتمام متعددة، وعلى الرغم من ذلك يغفل المشروع أي خطط لبناء وحدات سكنية جديدة أو إضفاء الطابع القانوني على وحدات قائمة.

وقال كرونيش إن الجدل حول عدد الوحدات السكنية التي سيتم تضمينها كان أحد القضايا التي أدت إلى فشل مشروع معار ميزراح. انسحب المهندس المعماري الفلسطيني البارز سنان عبد القادر، المصمم الرئيسي للمركز التجاري، عندما قررت البلدية استئصال عدة مئات من الوحدات السكنية الجديدة من الاقتراح.

في النهاية، وبعد 20 عاما من الجدل، من المتوقع أن يسمح مشروع معار ميزراح ببناء عشرات الوحدات السكنية الجديدة فقط، حسبما أفاد موقع “واللا” الإخباري في يناير.

في بيان لتايمز أوف إسرائيل، قالت البلدية إن وادي السيليكون هو جزء من خطة أكبر للتجديد الحضري في وادي الجوز، وأضافت أنه سيتم إنشاء بعض المساكن الجديدة في إطار الخطة، في إشارة محتملة إلى وحدات معار ميزراح.

لكن مناطق وسط المدينة مثل وادي السيليكون تحتاج إلى مساكن لتزدهر، كما يقول كرونيش، ولهذا السبب يتم بناء المباني السكنية الشاهقة في المناطق التجارية بالقدس الغربية. ومع ذلك، في القدس الشرقية، لا يزال التخطيط الحضري يبدو مختلفا تماما.

وتساءل كرونيش “إذا كنت لا تنوي بناء وحدات سكنية جديدة، فمن أجل من حقا سيتم إنشاء هذه المناطق التجارية؟”

وقالت وارتون “من الجيد تطوير هذه المجالات. من الجيد توفير عمل جيد للمقدسيين الشرقيين. أعتقد أن الأهداف نبيلة، لكني لست متأكدة بعد ما إذا كانت المدينة ستكون قادرة على تحقيق كل الآمال والوعود. آمل ذلك بالتأكيد”.