إن استحواذ شركة “شيفرون” الأمريكية متعددة الجنسيات على شركة “نوبل إنرجي”، الذي سيجعلها المالك الجديد لحقول الغاز الطبيعي العملاقة الإسرائيلية، هو انعكاس “مذهل” للدفء في العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، وفقا لخبيرة الطاقة العالمية، البروفيسور برندا شافر.

وقالت شافر في مقابلة هاتفية أجراها معها “تايمز أوف إسرائيل”: “إن ذلك يشير إلى أن الدولة لم تعد من المحرمات بالنسبة لصناعة الطاقة الدولية. كانت هذه الشركات تتجنب ممارسة الأعمال التجارية في إسرائيل بسبب القلق من المقاطعة العربية، حيث يمتلك العديد منها أصولا في العالم العربي”.

وأشارت إلى أن “لدى شيفرون ممتلكات كثيرة في دول الخليج. وحقيقة أن بإمكانها الآن أن تكون مالكة لأصول في إسرائيل يعكس التغيير الذي يحدث في العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، ويظهر أنه لم تعد هناك مقاطعة”.

ولا توجد لدول الخليج، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر، علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، لكنها بدأت بشكل متزايد في التعاون معها بصورة علنية بعد سنوات من شائعات تحدثت عن قنوات خلفية بينها بسبب العداء المشترك لإيران.

خبيرة الطاقة الدولية برندا شافر (Courtesy)

شافر هي عضو هيئة التدريس في كلية البحرية الأمريكية للدراسات العليا ومستشارة أولى للطاقة في مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” في واشنطن العاصمة. وقد عملت أيضا كمستشارة حول سياسة الطاقة في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزارة الطاقة الإسرائيلية.

يوم الإثنين، أعلنت شركة شيفرون عن إبرامها اتفاقية نهائية مع نوبل إنرجي لشراء جميع الأسهم القائمة لشركة النفط والغاز في هيوستون بولاية تكساس في صفقة شاملة بقيمة 5 مليارات دولار، مما يجعلها أكبر صفقة نفط منذ بداية جائحة كورونا.

تمتلك شركة نوبل إنرجي حصصا في حقول الغاز العملاقة في إسرائيل “تمار” و”ليفياتان”، وقد حصلت على ترخيص للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإسرائيلية في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عندما لم يبد أي لاعب دولي آخر في هذه الصناعة استعدادا للقيام بذلك بدافع القلق من ردة فعل عربية.

كشفت شيفرون عن أول اكتشافين رئيسيين لها في الشرق الأوسط في الثلاثينيات، في البحرين والسعودية، وهي شركة الطاقة العالمية الوحيدة التي كان لها وجود مستمر في السعودية منذ ذلك الحين، على حد قول الشركة على موقعها على الإنترنت. ولدى الشركة أصول في الكويت والعراق.

وقالت شافر: “من الواضح أن شركة شيفرون فكرت في الأمر، وأنا متأكدة من أنها قدّرت كيف سيؤثر ذلك على أعمالها الحالية في الخليج وخلصت إلى أنه لا يوجد خطر كبير. من المستحيل أنهم قاموا بذلك بالاعتماد على نزوة”.

عامل يسير على منصة الغاز الطبيعي ’ليفياتان’، قبالة السواحل الإسرائيلية. (Albatross)

أصبحت صفقة شيفرون-نوبل ممكنة بعد أن هبطت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في أبريل، بعد أن أدى تفشي فيروس كورونا وإجراءات الإغلاق في العالم إلى توقف الطلب العالمي على النفط. وحتى مع ارتفاع الأسعار من جديد، فإنها لم تتعافى بالكامل بسبب تجدد تفشي الفيروس، مما أدى إلى انخفاض أسعار أصول النفط والغاز.

وتراجعت أسهم نوبل إنيرجي في مؤشر ناسداك بنسبة 5.4% يوم الاثنين على خلفية الأنباء، ليصل بذلك انخفاضها في 12 شهرا إلى 51%، وسقفها السوقي إلى 4.9 مليار دولار. وتراجعت أسهم شيفرون في نيويورك بنسبة 2.2% يوم الاثنين بعد الإعلان عن الصفقة، ليصل انخفاضها على مدار 12 شهرا إلى 29%، وسقفها السوقي إلى 159 مليار دولار.

بدأ حقل الغاز الطبيعي البحري ليفيتان، أكبر اكتشافات نوبل حتى الآن، الإنتاج في ديسمبر 2019. تمتلك نوبل حصة 39.66% في الحقل، وهي شريكة في الموقع مع شركة ” ريشيو” للتنقيب عن النفط”، والتي تمتلك 15% من شركة التنقيب “ديليك”، بحصة 45.43%.

وتمتلك نوبل أيضا حصة 25% في حقل الغاز القريب تمار، الذي بدأ في إنتاج الغاز في عام 2013 ويزود إسرائيل بالوقود. ويوجد لتمار حوالي 10 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، نصف كمية ليفياتان. تمتلك نوبل أيضا حصة في حقل “داليت” الأصغر حجما، الذي يقع هو أيضا قبالة السواحل الإسرائيلية.

مقر شركة ’نوبل إنرجي الشرق الأوسط’ في هرتسليا. (Sue Surkes/Times of Israel)

وقالت شافر إن الصفقة تُعتبر نبأ سارا لإسرائيل. “قامت شركة نوبل إنرجي بعمل رائع هنا وإسرائيل تقدّر أنها كانت هنا عندما لم تكن هناك أي جهة آخرى على استعداد للمجيء والتنقيب”.

وأضافت شافر إن الشركة التي تتخذ من تكساس مقرا له “حققت أيضا الكثير من الأموال من أصولها الإسرائيلية”، مضيفة: “أعتقد أن امتلاك شركة من مستوى شيفرون سيجعلها أفضل على المستوى التكنولوجي والبيئي، مما يزيد من جودة عملياتها”.

اشتكى نشطاء بيئة إسرائيليون من عدد الأعطال في منصة معالجة ليفياتان على مدار الأشهر منذ بدء عملياتها، وكذلك بشأن موقع المنصة. كما تحتج مجموعات مستهلكين على حقيقة أن العقود طويلة الأجل الموقعة لتزويد العملاء الإسرائيليين تزود لهم الغاز بسعر أعلى بكثير من الأسعار في الولايات المتحدة.

قد ينتهي الأمر بـ”شيفرون” ببيع الأصول الإسرائيلية

وقالت شافر إنه لم يتضح بعد ما إذا كانت شيفرون تخطط للاحتفاظ بالأصول الإسرائيلية أو بيعها، ويعتمد ذلك على عوامل تجارية بحتة، على حد قولها.

وقالت: “ليس من الواضح حتى الآن أي جزء من نوبل يريدون فعلا”. يمكن أن يكون هناك وضع عند استكمال الصفقة يقومون فيه في الواقع بيع بعض الأصول. لا ندري ما إذا كانوا سيأخذون بالفعل جميع أصول نوبل، ومن غير الواضح كم من الوقت تخطط شيفرون للاحتفاظ بالأصول الإسرائيلية”.

في بيانها يوم الاثنين أكدت شيفرون على أهمية الأصول الإسرائيلية لنوبل إنرجي.

وقالت الشركة، “تجلب نوبل إنرجي أصولا خارجية منخفضة التكاليف الرأسمالية ومدرة للمال في إسرائيل، مما يعزز موقع شيفرون في شرق البحر الأبيض المتوسط”، وأضاف بيان الشركة أن موقع نوبل إنرجي الإنتاجي واسع النطاق “من المتوقع أن يحقق عوائد قوية وتدفق نقدي بمتطلبات رأسمالية منخفضة”.

وقالت شافر: “هذا يدل على أنهم منجذبون لهذه الأصول، ولكن في النهاية، قد يقومون بالواقع في بيعها، لأسباب تجارية بالأساس، وليس لأسباب تتعلق بإسرائيل”، مضيفة “غالبا ما تبيع الشركات الأصول على الرغم من أنها مربحة وجيدة، ولكن الأصول الأخرى قد تكون أكثر ربحية. لا يكفي أن يكون هناك شيء جيد؛ يجب أن يكون أفضل من البديل. وهناك مسألة ألا تكون ضئيلا جدا من حيث الانتشار الجغرافي، وإنشاء البنية التحتية الإدارية المناسبة”.

غرفة التحكم لشركة ’نوبل إنرجي’ في منصة ’ليفياتان’، 31 ديسمبر، 2019. (Noble Energy)

وقالت إن العثور على مشتر للأصول الإسرائيلية قد لا يكون بهذه الصعوبة. “هذه أصول مربحة للغاية، وإسرائيل تُعتبر سوقا موثوقة ومستقرة وذات دخل مرتفع”، وهناك طلب من الأردن والسلطة الفلسطينية. “بالنسبة لشركة لديها منظور طويل الأجل، فهي سوق ذات قيمة عالية”.

ورفضت شافر فكرة أن تكون مناورات سياسية أمريكية تقف وراء الصفقة.

وقالت: “ليست هذه هي الطريقة التي تعمل بها الشركات الأمريكية. لا يوجد تنسيق مع الحكومة الأمريكية وهم لا يقومون بتحديد استثماراتهم حسب تفضيلات الحكومة الأمريكية. لا يرتبط هذا بأي حال من الأحوال بأي شيء سياسي فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة. هذه الشركات تعمل بشكل مستقل تماما”.

في غضون ذلك، ارتفعت حصص شركاء نوبل إنرجي في ليفياتان وتمار لليوم الثاني يوم الثلاثاء بعد الأنباء عن الصفقة. وقفزت أسهم “ديليك دريلينغ” بنسبة 30% يوم الثلاثاء بعد أن ارتفعت بنسبة 23% يوم الاثنين. وقفزت أسهم “ريشيو” بنسبة 26٪ بعد أن ارتفعت بنسبة 25% يوم الاثنين. وارتفعت أسهم “تمار للبترول و”إسرامكو نيغيف”، اللتين تمتلكان حصص في تمار، يوم الثلاثاء بنسبة 7.4% وـ 6.4% تباعا، بعد ارتفاعهما بنسبة 6% وـ 5% يوم الاثنين.

وقالت إيلا فريد، وهي محللة في بنك “لئومي”، في مذكرة للمستثمرين إنها تعتقد أن احتمالات قيام شيفرون ببيع الأصول الإسرائيلية كبيرة، لكن لن يكون من السهل العثور على مشتر.

وكتبت “هناك احتمال معين” أنه في حالة الاستحواذ الناجح، أن تبقى شيفرون مع عمليات نوبل في إسرائيل ، “لكن من المحتمل أن يتم بيع العمليات”، وأضافت “في مثل هذه الحالة، سيكون من الصعب للغاية إيجاد بديل مناسب من حيث القدرات والمرونة للوقوف بوجه المواقف الجيوسياسية المعقدة”.