على الرغم من التحذيرات الأمنية، اتجه عدد كبير من الإسرائيليين خلال عيد الفصح اليهودي إلى شبه جزيرة سيناء، واثقين من عدم وقوع شيء سيء لهم والشعور بالأمان مع الإعتقاد بأن المتطرفين من الفرع المحلي لتنظيم (داعش) – “ولاية سيناء” – محاصرون في الجزء الشمالي شرقي من شبه الجزيرة، بعيدا عن الشواطئ العذراء على طول ساحل البحر الأحمر. غير عابئين بالخطر، تدفق السياح الإسرائيليون عبر الحدود إلى داخل مصر.

وفي مرحلة ما، قرر الجيش الإسرائيلي أن الخطر الذي يشكله عناصر “ولاية سيناء” كبير، ما دفع الجيش إلى إتخاذ خطوة إستثنائية بإغلاق الحدود بين البلدين من أجل منع الإسرائيليين من دخول سيناء. وبشكل لا يدعو إلى الدهشة، رد الكثير من الإسرائيليين بغضب على الخطوة التي أجبرتهم على إلغاء خطط إجازاتهم.

ولكن ما لم يعرفه هؤلاء الإسرائيليون هو أن قرار إغلاق معبر طابا تم إتخاذه بالإستناد على معلومات محددة بأن عناصر من داعش يعملون على جمع معلومات إستخباراتية حول أهداف إسرائيلية في شبه الجزيرة بهدف شن إعتداء على حشود الإسرائيليين في منتجعات البحر الأحمر وفي معبر طابا.

إن محاولة من قبل داعش لتنفيذ هجوم على شواطئ مكتظة بالسياح في شبه جزيرة سيناء ليست بالأمر الإستثنائي. فلقد نفذت منظمات إرهابية إسلامية في الماضي عددا من الهجمات البارزة ضد أهداف مكتظة بالسياح في المنطقة، من بينهما إسقاط طائرة الركاب الروسية في عام 2015، تفجير حافلة سياح كوريين متجهين إلى إسرائيل عند معبر طابا في عام 2014، وتفجيرات الفنادق في عام 2004. وبالنسبة لداعش، فإن هجوما على الإسرائيليين سيكون أيضا أفضل من أي هجوم ضد آخرين.

حتى الآن، نجح الجيش المصري في إحباط تسلل عناصر داعش الذين يسعون للعمل على طول الشريط الساحلي لسيناء. مع ذلك، إعتزام “ولاية سيناء” تنفيذ هجوم خلال عيد الفصح اليهودي يظهر أنه على الرغم من الصعوبات التي يواهجهها التنظيم في الوصول إلى الساحل، لكنه بكل تأكيد لا يفتقر للحافز للقيام بذلك.

في حين أن الجيش المصري يواصل حربه ضد “ولاية سيناء”، فإن القصة الرئيسية في سيناء في الأسابيع الأخيرة هي الإقتتال الجاري بين داعش وأفراد من قبيلة الترابين. العداء الجاري بين الطرفين تطور إلى حرب كاملة، حيث قام داعش والقبيلة البدوية بتنفيذ إعدامات وأعمال وحشية أخرى أحدهما ضد الآخر.

قبيلة الترابين هي الأكبر من بين القبائل البدوية في شبه جزيرة سيناء – ويصل عدد أفرادها إلى 30,000 – وبالتالي فإن قرارهم شن حرب ضد داعش لا يمكن الإستخفاف به على الإطلاق. جذور التوتر بين الطرفين تنبع من الصراع المستمر على الأرض، حيث يحاول داعش فرض الشريعة على المناطق التي تسيطر عليهات الترابين من دون موافقة القبيلة.

والأهم منذ ذلك في نظر الترابين هو قيام “ولاية سيناء” بتقويض أعمال التهريب المربحة للقبيلة إلى قطاع غزة. بتجريمه تهريب منتجات التبغ إلى غزة بسبب الحظر الديني على التدخين، دمر تنظيم داعش صناعة مربحة تصل قيمتها إلى ملايين الشواقل شهريا. ولم يكتفي فقط بحظر تهريب السجائر، قام التنظيم أيضا بفرض حظر شامل على تهريب جميع البضائع إلى غزة بسبب التوتر المتزايد في علاقاته مع الحكام في القطاع، حركة حماس.

وما لا يثير الدهشة هو أن هذا الهجوم الصارخ على الرفاه الإقتصادي لقبيلة الترابين لم يمر مرور الكرام وشكُل إشارة بداية للحرب الدائرة حاليا في سيناء ضد تنظيم داعش. يشمل القتال بين الجانبين عمليات إختطاف وحرق رهائن أحياء وسيارات مفخخة وقطع أطراف بشرية، من بين أشكال أخرى من الوحشية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تفوق الترابين الواضح من حيث الموارد البشرية – في الوقت الذي يضم تنظيم “ولاية سيناء” حوالي 1,000 عنصر فقط في صفوفه – لا تزال القبيلة بعيد عن توجيه ضربة قاضية في الحملة، حيث أن تنظيم داعش هو مجموعة متنوعة قادرة على إرتداء العديد من القبعات، بما في ذلك جيش عصابات مسلحة لا مركزي يصعب تعقب قادته وأعضائه.

بالإضافة إلى ذلك، لا تسارع كل القبائل البدوية إلى الوقوف إلى جانب الترابين. قبيلة السواركة لا تزال تشكل المصدر الرئيسي للقوى البشرية لتنظيم “ولاية سيناء”، إلى جانب الرميلات والبريكات.

نحو 600,000 – 800,000 من البدو يعيشون في سيناء في ظروف إقتصادية صعبة ويتعرضون للإهمال والإذلال من جانب الحكومة المصرية، والدليل على ذلك هو حقيقة تصنيفهم في مكانة قامة دائمة وليس كمواطنيين، ما يتطلب منهم الحصول على تصريح إذا أرداوا السفر إلى القاهرة. هذا الوضع المهين خلق أرضية خصبة لتظيم داعش ويفسر الدعم الذي يحظى به التنظيم في صفوف شرائح من السكان المحليين.

إذا كان هناك شيء واحد يمكن للترابين أن تنال العزاء فيه، فهو حقيقة أن الجيش المصري يصارع هو أيضا للقضاء على ما يُعتبر التهديد من داعش. حصر الجيش نفسه في مداهمات محددة وقصف جوي، رافضا الشروع في النسخة المصرية لعملية “الدرع الواقي” العسكرية الإسرائيلية لإقتلاع جذور التنظيمات الفلسطينية خلال الإنتفاضة الثانية، التي تنقل فيها الجنود من بيت إلى بيت وبين زقاق وآخر.

التعاون مع حماس

يوم الأحد، ترك وفد  تابع لحركة حماس بقيادة يحيى السنوار وتوفيق أبو نعيم وآخرين غزة لعقد سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين في الإستخبارات المصرية في القاهرة، بعد فترة طويلة رفضت فيها السلطات المصرية السماح لقادة الحركة في غزة من مغادرة القطاع عبر معبر رفح الحدودي. رفض مصر العنيد بهذا الشأن نبع من عدة أسباب، من بينها العلاقات المستمرة بين حماس وداعش.

في حين أن التعاون بين الطرفين شهد إنخفاضا، ولم يعد يتم نقل كل جريح من عناصر “ولاية سيناء” إلى غزة لتلقي العلاج من قبل أطباء تابعين لحماس، كشفت تقارير في وسائل إعلام عبرية ومعلومات خارجة من مصر عن أن إدعاءات حركة حماس بقطع علاقاتها مع داعش هي مجرد خدعة. مرة تلو الأخرى، تعهدت شخصيات رفيعة من حماس بأن تقوم الحركة بالتحرك ضد داعش، ومرة تلو الأخرى فوجئ المصريون بأن حماس في الواقع تحافظ على علاقاتها الوثيقة مع “ولاية سيناء”.

مع ذلك، يبدو هذه المرة أن شيئا تغير: تطور سلبي في العلاقة بين حماس وداعش. في الأشهر الأخيرة، نفذت حماس موجة من الإعتقالات ضد عناصر من تنظيمات جهادية تعتبرها تهديدا محتملا على حكمها، من بينهما تنظيمات مرتبطة بداعش. من جهته، رد داعش بفرض المزيد من القيود على تدفق السلع إلى داخل غزة، بما في ذلك السجائر بالطبع.

لتثبت للمصريين جديتها في محاربة داعش، قامت حماس حتى ببناء سلسلة من النقاط العسكرية عند محور فيلادلفيا على طول حدود غزة مع سيناء، شبيهة بتلك التي وضعتها الحركة على طول حدودها مع إسرائيل.

ومع ذلك استمرت العلاقات بين حماس وداعش، وهو ما لم يفاجئ أحدا، حتى لو لم تكن كما كان عليه من قبل. لا تزال هناك زمرة صغيرة من عناصر داعش من سيناء ومصر تلجأ إلى قطاع غزة، في حين أن التقديرات تشير إلى أن ما بين 15-16 من الغزيين يقاتلون حاليا في صفوف داعش في سيناء، معظمهم أعضاء سابقين في حماس.

جميع هؤلاء الغزيين يُعتبرون مصادر معلومات قيمة لداعش في مجالاتهم، حيث أنهم وصلوا إلى سيناء بهدف توفير الخبرة والمساعدة لداعش في تحسين قدراته العسكرية وقدرته على تنفيذ هجمات. نتيجة لذلك، يدين تنظيم “داعش” بالكثير على إسهاماتهم في المجموعة المتطرفة.

على الرغم من استمرار التعاون بين حماس وداعش، فإن طبيعة هذا العلاقات اتخذت شكلا آخر. في حين أن العلاقات بين المجموعتين كانت تدار في الماضي من قبل قادة كل منهما، يتخذ التعاون اليوم بينهما شكلا أكثر عنفا، حيث يسعى الطرفان إلى التأثير على أنشطة الآخر من أجل مصلحته ولتحسين مواقفه في إطار “المفاوضات”.