وليد يكره الليالي. إنها وحيدة ومخيفة في ضمنها. إنه رجل قصير وبدين يبلغ من العمر حوالي 50 عاما، أصلع الرأس، وحتى اثناء الحديث عن تعذيبه، يتمكن من المزاح مع ابتسامات. بالتأكيد يمكن أن يكون الشخص المضحك في مجموعة أصدقاءه، ولكنه يقول أنه لا يوجد لديه أي صديق.

وليد ينام أثناء مشاهدة التلفاز، كي يمنع ظهور الذكريات المؤلمة. إنه دائما يترك شباكه مفتوح، حتى في فصل الشتاء، لأنه لا يتحمل الأماكن المغلقة. وعادة يستيقظ في منتصف الليل من الكوابيس، اأحيانا مع شراشف رطبة. يريد انجاب الأطفال، ولكنه لا يستطيع، بعد أن دمر محققو السلطة الفلسطينية عضوه التناسلي.

خلال سنوات التسعين، عمل وليد، الذي تم تغيير اسمه وتفاصيله من أجل الحفاظ على سلامته، لصالح الشاباك، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي. وقال أنه “فخور” للمساعدة بمنع الهجمات الانتحارية الفلسطينية، وفي الوقت ذاته، حصل على بعض الأموال للتعليم الجامعي. وخلال المقابلة، تحدث باللغة العبرية، قائلا أنه لم يعد يتحدث العربية أو حتى الإستماع اليها، لأن اللغة تؤلمه.

وبالإضافة الى 51 “متخابر” آخر تم اعتقالهم وتعذيبهم من قبل السلطة الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات في سنوات التسعين وبداية سنوات الألفين، توجه وليد الى المحاكم الإسرائيلية. بعد 14 عاما من الإجراءات، وقرار غير مسبوق، قررت المحكمة المركزية في القدس في 17 يوليو ان السلطة الفلسطينية مذنبة بالتعذيب، وأمرتها بتعويض المشتكين.

وليد، فلسطيني مر بتعذيب في يجون السلطة الفلسطينية بسبب عمله مع الشاباك (Dov Lieber / Times of Israel)

وليد، فلسطيني مر بتعذيب في سجون السلطة الفلسطينية بسبب عمله مع الشاباك (Dov Lieber / Times of Israel)

وعلى ضحايا التعذيب انتظار قرار محكمة آخر من أجل تحديد المبالغ التي سوف يحصلون عليها من السلطة الفلسطينية، ولكن يتوقع حصول كل مشتكي على ملايين الشواقل، بينما يتوقع وصول مبلغ التعويضات الاجمالي مئات ملايين الشواقل. وعلى الأرجح خصم الاموال من الضرائب التي تجمعها اسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية وتحولها إلى رام الله بشكل شهري.

وهناك عائلتان تطالبان بتعويضات بسبب مقتل أقرباء لهم. في إحدى الحالات، تم الحكم بالإعدام على عميل شاباك من قبل السلطة الفلسطينية. وفي حالة أخرى، تم احضار شقيقة عميل شاباك من قبل محققين للضغط عليه، وقُتلت داخل السجن.

ومن بين 52 المشتكين، اعتُقل العديد من قبل قوات السلطة الفلسطينية داخل الأراضي الإسرائيلية – معظمهم في القدس الشرقية – و/أو لديهم جنسية اسرائيلية. وهذه الأسباب الرئيسية لقرار المحكمة ان لديها صلاحية الحكم في القضية، بالرغم من وقوع التعذيب داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية.

والبعض، مثل وليد، لا يملكون الجنسية الإسرائيلية، وتم اعتقالهم في الضفة الغربية. ولكن مع ذلك، ادعت المحكمة، أن لديها صلاحية الحكم في هذه القضايا انه لا يوجد لدى السلطة الفلسطينية اي حق باعتقال الرجال الذين كلفتهم اسرائيل لمنع الهجمات – الهدف الذي، بحسب الاتفاقات مع اسرائيل، من المفترض أن تدعمه السلطة الفلسطينية.

ويفصل قرار المحكمة المؤلف من 1800 صفحة وكتبه القاضي موشي دروري تفاصيل التعذيب. ويؤكد شهود عيان، الجراح على اجسام الضحايا، وشهادات من قبل خبراء نفسيين على القصص المروعة.

ويمثل الضحايا مكتب المحاماة باراك كيديم، ارييه اربوس، نتانئيل روم ودافيد تسور. ووصف كيديم، خلال مقابلة مع تايمز اوف اسرائيل، بعض حالات التعذيب الاسوأ التي يذكرها من المحكمة.

كان يتم تعليق السجناء مقلوبين لأيام. وبعد فقدانهم الوعي، كان يتم تصحيحهم حتى استعادتهم الوعي. وبعدها تبدأ العملية من جديد، قال.

وأسلوب تعذيب آخر كان نقل السجناء بين مياه ساخنة وباردة. وتم اقتلاع اسنان أو أظافر العديد منهم. وقضى العديد أسابيع في خزانة معدنية صغيرة لا يمكنهم الحركة داخلها.

وتم وضع أحدهم في برميل معدني لمدة خمس ساعات تحت شمس شهر اغسطس الحارقة. وعندما أخرجوه، وضع المحققون الملح على جلده المحروق.

وقال وليد أن أصعب اسلوب تعذيب كان اجبار السجناء الجلوس على زجاجة مكسورة، ما يمزق أعضائهم.

المحامي باراك كيديم (Courtesy)

المحامي باراك كيديم (Courtesy)

وبالرغم من وضع السجناء في سجون مختلفة في انحاء الضفة الغربية، وصف العديد أساليب تعذيب مشابهة.

وقال كيديم إن هذا يدل على أن هذه أوامر “صادرة من الأعلى، وليس قرارات محققين”. وفي قراره، وافق القاضي دروري مع هذا التقدير.

ولم يتم محاكمتهم ابدا خلال سجنهم لدى السلطة الفلسطينية.

وادعى البعض أنه كان يتم قتل الأسرى المتهمين بالعمالة مع الشاباك داخل السجن. (قدم اهاليهم الشكوى).

وقال وليد أنه شهد اكثر من عملية إعدام.

من الأفضل تلقي رصاصة بالرأس

وخلال محادثاته مع تايمز اوف اسرائيل، وصف وليد عملية التحقيق معه بثلاث مراحل.

أولا كان الضرب. تم وضع كيس رائحته كأنه “كان في القمامة لعشر سنوات” فوق رأسه، كي لا يعلم من أي اتجاه تأتي الضربات. هذا استمر شهرا.

وفي المرحلة الثانية، تم ملء بركة بمياه مالحة وزجاج مكسر. ووضعوا جسده في البركة وتركوه طول الليل. وفي الصباح، كانوا يضعونه تحت الشمس. “بسبب حرارة الشمس والملح، الجسد يصبح كالزجاج”، قال.

والمرحلة الثالثة هي الأسوأ، وفي هذه المرحلة انكسر. جوعوه. وبعدها أحرقوا يديه، بعد هذه السنوات، لا زالت عليها العلامات.

عناصر من قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية تشارك في حفل تخرج لمعسكر تدريبي للشبيبة في مدينة أريحا في الضفة الغربية، 25 يناير، 2017. (Flash90)

عناصر من قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية تشارك في حفل تخرج لمعسكر تدريبي للشبيبة في مدينة أريحا في الضفة الغربية، 25 يناير، 2017. (Flash90)

وبعدها تم تهديد وليد بطريقة تعذيب الزجاجة المكسورة، وعندها انكسر واعترف بالعمل مع الشاباك. “من الأفضل تلقي رصاصة بالرأس مقارنة بالموت على الزجاجة”، قال.

وقال وليد أنه اعترف لكل ما طلبه المحققين، بما يشمل جرائم صغيرة.

وقال أنه وقع على اوراق فارغة، وأن المحققين قاموا بعدها بملء التفاصيل.

وبعد اعترافه، تم إرساله الى سجن عادي. وهناك كان معروفا كعميل ما جعله هدفا للإساءة. “عليك خدمة الجميع”، قال.

وهذا استمر سنوات. “خارج السجن لا أحد كان يعلم إن كنت حيا أم ميتا”، قال.

وعلمت عائلة وليد  بأمر سجنه وتمكنوا من رشوة السجانين بمئات آلاف الشواقل من أجل تهريبه خارج السجن. هذه كانت نتيجة أول اعتقال له.

ونجحت السلطة الفلسطينية بالعثور عليه واعادة اعتقاله عدة مرات.

وفي إحدى الحالات، هرب الى اسرائيل. وبعد فترة، تم اعتقاله من جديد، وهذه المرة تم تحريره بعد دخول دبابات اسرائيلية الى الضفة الغربية عام 2002 ضمن عملية الدرع الواقي، عملية عسكرية اسرائيلية ضخمة لمواجهة شبكات العمليات الإنتحارية الفلسطينية.

وقد تم تحرير معظم عملاء الشاباك الذين قدموا الدعوى القضائية على يد الجنود الإسرائيليين خلال هذه العملية.

ووفقا لكيديم، انسحب 20 فلسطينيا من الدعوى خشية من الإنتقام من قبل السلطة الفلسطينية. ومنهم، عاد تسعة للإنضمام الى الدعوى بعد أن أصبح واضحا أنهم قد ينتصرون.

الله يصنع الناس الصالحين كي يتعذبوا

وتزوج وليد بعد فراره الى اسرائيل أول مرة.

ولكن عندما عاد الى اسرائيل عام 2002، لم يعد يقدر على المعاشرة الزوجية بسبب التعذيب. وقال أن زوجته طلقته لأنه لم يعد قادر على الإنجاب. “هذا دمرني”، قال.

ومن ناحية جسدية، كان جسده مصاب لدرجة أنه لم يتمكن من العثور على العمل. وفيجميع الأحوال، قال وليد، لم يعد يريد العمل بدون عائلة يهتم بها.

وفي نهاية الأمر، وجد وليد شاب مستعد لتوظيفه، بالرغم من عدم قدرته للعمل لأكثر من بضعة ساعات يوميا.

وقال وليد أن صاحبة منزله في تل ابيب البالغة من العمر 70 عاما رحمت عليه وتبنته كإبن. كل يوم هي تحضر له الفطور والعشاء.

“هناك أشخاص صالحين في هذا العالم”، قال، وبعدها صمت قبل المتابعة: “وهناك أيضا أشخاص أشرار”.

“لا يوجد للأشخاص الصالحين حظ في هذه الحياة. الله خلقهم فقط كي يتعذبوا”، أضاف وليد، الذي قال أنه لا زال يؤمن بالله، ولكنه لا يتبع أي ديانة.

وعند اطلاق سراحه عام 2002، قال وليد، أنه أصبح مهووس بالإنتقام من أي شيء مرتبط بالسلطة الفلسطينية. ولكن لم يكن لديه أي وسيلة للإنتقام.

ياسر عرفات، 7 يونيو 2002 رام الله (AFP PHOTO / Thomas COEX)

ياسر عرفات، 7 يونيو 2002 رام الله (AFP PHOTO / Thomas COEX)

وقال أن اليوم، لقد تخلى عن رغبته بالإنتقام. وأنه فخور بأنه ليس شخصا غاضبا.

بالرغم من عمله لصالح الشاباك، قال، لقد هجره جهاز الأمن ولم يتمكن من التواصل مع مديره في الشاباك عندما وصل الى اسرائيل عام 2002. وبعد أن هجره الجهاز تماما، نام في الشوارع عندما اطلق سراحه.

اليوم، لديه تصريح للمكوث في اسرائيل عليه تجديده كل ستة أشهر ولا يمكنه العمل. ذلك يحظره أيضا، لأسباب لا يفهمها، من زيارة مدينة ايلات في جنوب البلاد. إنه يستخدم هوية فلسطينية مزيفة بالإضافة الى اوراقه الإسرائيلية. ولا يوجد لديه تأمين صحي.

ولكن قال وليد أنه لا زال متفائلا من المستقبل. لم يتورط بالمخدرات أو الإجرام مثل الآخرين. “انا أحد المحظوظين”، قال.

ومع الأموال من الدعوى، يأمل أن يخضع لعمليات، كي يتمكن يوما ما من الإنجاب.