مضت ستة أشهر على إندلاع “إنتفاضة الأفراد”. نصف سنة قُتل فيها 33 شخصا في حوالي 270 هجوم ومحاولة هجوم مختلفة، تضمنت إطلاق نار ودهس وطعن. أكثر من 270 منفذ هجوم شاركوا في هذه الهجمات، أي أكثر من واحد في اليوم بالمعدل ومع ذلك لا يزال هناك من يصمم على وصف هذه الظاهرة بـ”موجة”، ربما على أمل أو في محاولة لخلق أمل بأن هذه الظاهرة سرعان ما ستختفي.

الأخبار السيئة هي أنه حتى الآن على الأقل هذه “الموجة” تأبى أن تمر وتنتهي. الأخبار السارة هي إنه في الأسابيع الأخيرة هناك إنخفاض ملحوظ وحقيقي. هجمات أقل، وعدد أقل من منفذي الهجمات الذين يخرجون للطعن والدهس، وحتى تحريض أقل والبعد الشعبي يكاد لا يكون موجودا.

صحيح، يوم الجمعة كان بالإمكان رؤية بضعة تظاهرات لفلسطينيين ضد الإحتلال، ولكن هذه تظاهرات كانت هناك قبل الأول من أكتوبر 2015 أيضا.

للمقارنة فقط، خلال شهر أكتوبر 2015 تم تسجيل 62 هجوم (أو محاولات هجوم) بحسب جهاز الأمن الإسرائيلي، ومن ضمن ذلك إطلاق نار وطعن ودهس وعبوات ناسفة. في نوفمبر 48، ديسمبر 45، يناير 2016 – 26، فبراير 30 وفي مارس (حتى 30 مارس) 20.

الإنخفاض ملحوظ ومشجع بالطبع ولكن لا يزال ذلك 4 أضعاف المعدل في الأشهر التي سبقت “إنتفاضة الأفراد”.

سكين استخدمه معتدي فلسطيني في هجوم طعن في جفعات زئيف، 27 يناير 2016 (Foreign Ministry/Twitter)

سكين استخدمه معتدي فلسطيني في هجوم طعن في جفعات زئيف، 27 يناير 2016 (Foreign Ministry/Twitter)

لماذ إذا وُصفت هذه الظاهرة ب”الإنتفاضة” في الوقت الذي لا تشبه فيه أية خصائص من الإنتفاضتين الأولى والثانية؟

الإنتفاضة بترجمة حرة تعني الفورة. هناك من يقول بأن مصدر الكلمة هو في الشكل الذي ينفض الكلب فيه جسمه للتخلص من البراغيث وأشكال أخرى من عالم الحيوان لا يمكن شرحها هنا. ويبدو أنه بالفعل كان هنا نوع من الفورة. مئات الشبان الفلسطنييين، في سنوات العشرين من العمر في المعدل، حاولوا نفض كل ما يميز المجتمع والمكان الذي يعيشون فيه. إنه تنصل من الإطار الأبوي التقليدي الذي يقول لهم فيه الأب وقائد الحمولة ما يجب القيام به، من المنظمات الفلسطينية التي قادتهم إلى الضياع، من السلطة الفلسطينية الفاسدة وبالطبع من الإحتلال الإسرائيلي.

هذه إنتفاضة جيل Y الفلسطيني: كل هؤلاء الشبان مع “الجل” على رؤوسهم والهواتف الذكية المتطورة الذين يتابعون الفيسبوك ومواقع التواصل الإجتماعي بعناية، ولكن يتأثرون أحيانا أيضا بالمسجد، وأحيانا من قنوات حماس والجهاد الإسلامي التلفزيونية، مما يدور في الشارع وفي نادي البلياردو أو في المدرسة، وأحيانا من أصدقائهم الذين قاموا بتنفيذ هجمات ويرغبون بتقليدهم.

ولكن في الأسابيع والأشهر الأخيرة نرى أن “علم الثورة” الذي رفعه هذا الجيل، لا يجر وراءه المجموعات والطبقات الأخرى في الشارع الفلسطيني: الغالبية الساحقة من الجمهور الفلسطين اختار البقاء في البيت، أو بالأحرى في العمل. “الشارع” يرى ربما بمنفذي الهجمات أبطالا، ولكنه لا يسارع إلى التنازل عن مكان عمله في إسرائيل أو في السلطة الفلسطينية، ولا يسارع إلى الخروج والموت في هجوم على نمط “الإنتفاضة الجديدة”.

وربما أعطت وسائل إعلام تنتمي لحركة فتح الصفة المناسبة لهذه الظاهرة عندما اعتمدت كلمة “هبّة”. ليست إنتفاضة بكل ما في الكلمة من معنى, ولكنها بكل تأكيد هبّة غير مخطط لها وعشوائية لشباب لا تدفعهم منظمة معينة للخروج وتنفيذ هجوم، من دون قيادة وبالأخص من دون طريق.

اشتباكات بين شبان فلسطينيين وقوات الامن الإسرائيلية في قباطية في الضفة الغربية، 4 فبراير 2016 (Jaafar Ashtiyeh/AFP)

اشتباكات بين شبان فلسطينيين وقوات الامن الإسرائيلية في قباطية في الضفة الغربية، 4 فبراير 2016 (Jaafar Ashtiyeh/AFP)

شبيبة الهامش

من الصعب وصفهم أو تمييزهم بكلمة واحدة. فهم ليسوا بفقراء أو متخلفين. خرجوا من مناطق عدة في الضفة الغربية، بإستثناء مخيمات اللاجئين الكبرى. جزء منهم أتوا من عائلات ثرية، ولكن ليس الجزء الأكبر.

وربما الشيء الأبرز الذي يميزهم هو أن معظمهم (على الأقل الذين تم اعتقالهم واستجوابهم) اعتقدوا/أملوا بأن عملية كهذه سوف تعمل على ترقية مكانتهم في المجتمع الفلسطيني. بكلمات أخرى، الخروج من إطار “شبيبة الهامش” أو الأشخاص الغير معروفين. لقد توقعوا أن يتحولوا إلى أبطال القرية أو الحي الذي خرجوا منه.

بداية نسبوا هذه الإنتفاضة إلى بعد إسلامي، حول أحداث الحرم القدسي. زيارة الوزير أوري أريئيل للصلاة في الموقع التي تم نشرها على موقع يوتيوب، انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي الفلسطينية. عدد متزايد من منفذي الهجمات خرجوا لتنفيذ إعتداءات، خاصة في القدس، بهدف “الدفاع عن الأقصى”. ولكن مع مرور بضعة أسابيع فقط، لم يعد الحرم القدسي يتصدر العناوين وحلت الخليل مكانه ( وتواصل تصدر العناوين في الأسابيع الأخيرة) بالنسبة لعدد الهجمات.

البعد الديني اختفى شيئا فشئيا، منفذ الهجمات، شبان وغيرهم، الذين لم يأتوا من عائلات ذات خلفية دينية، بدأوا بتنفيذ هجمات لل”إنتقام” لموت أصدقائهم وأقاربهم في محاولات تنفيذ هجمات أخرى. الإدعاء الذي يُسمع حتى اليوم بأن هذه الهجمات يتم تنفيذها بدوافع دينية وفي أعقاب نجاحات داعش، ليست دقيقة. من الممكن أن تكون مقاطع الفيديو التي تنشرها داعش، والتي يقوم فيها مقاتلو التنظيم بذبح رهائنهم، قد أثرت بطريقة معينة فيما يتعلق بوسيلة التنفيذ. ولكن حتى هنا التأثير محدود للغاية.

فسر شبان فلسطينيون طُلب منهم توضيح ما الذي حول السكين بالذات إلى رمز لهذه الإنتفاضة بأن داعش ليس هو سبب إستخدام السكين، بل سهولة الحصول عليه: أي أن هذا السلاح موجود في كل منزل، مثل السيارات التي تُستخدم لهجمات دهس وبصورة أقل شيوعا، سلاح “كارلو” الرشاش المنتشر بكثرة في الأراضي الفلسطينية.

معنى ذلك، من يحاول “توحيد” الهجمات التي يقوم بها داعش قي أوروبا والهجمات الخارجة من الأراضي الفلسطينية، يبني صورة محرفة بعيدة عن الواقع. الدين هو ليس بالعامل الرئيسي هنا، ولا داعش أيضا.

ما الذي دفع بهم إذا للخروج وتنفيذ هجمات؟ قد يبدو ذلك غريبا، وربما مرضيا بعض الشيئ، ولكن كان ذلك في الأخص محاولتهم لتحسين مكانتهك الإجتماعية. أن يكونوا “مقبولين” أو “أصحاب شعبية”.

تماما كما يسعى شبان إسرائيليون إلى إقامة شركة ناشئة وجني الملايين، أو الظهور في برامج تلفزيون الواقع، عدد متزايد من الشبيبة الفلسطينية يرغبون بأن يصبحوا “شهداء” مثل أصدقائهم من قبلهم. لقد رأوا الطريقة التي يمجد فيها المجتمع هذه الظاهرة (وخاصة في الأشهر الأولى من الإنتفاضة) والتقارير المليئة بالإعجاب على قنوات التلفزيون المختلفة والملصقات والمكانة التي تحظى بها الأسر التي قُتل أبنهاؤها خلال هجوم، وهم أرادوا أيضا أن يكونوا جزءا من هذه الظاهرة. في مدارس معينة في الضفة، خاصة للبنات، بالإمكان ملاحظة الإعجاب ب”الشهداء الوسيمين”. ضف إلى كل ذلك الوضع الإقتصادي السيء لمعظمهم والدافع القومي وفقدان الأمل وكذلك العنصر النفسي الشخصي – أي فتيان ضعفاء نفسيا وغير بارزين من ناحية إجتماعية سئموا من أسلوب حياتهم وأردوا أن يصبحوا “أبطالا”. وهذه الهجمات هي وسيلتهم للصعود من أدنى السلم الإجتماعي، إلى مكانة بطل أو بطلة.

وربما قد يكون المعطى الذي يفسر بشكل جيد دوافع هؤلاء الشبان هو الإنخفاض في عدد الشبان الفلسطينيين في منطقة الخليل الذي أقدموا على الإنتحار بسبب مشاكل نفسية خلال نصف السنة الأخيرة.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال مقابلة مع القناة الثانية تم بثها في 31 مارس 2016 (screen capture)

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال مقابلة مع القناة الثانية تم بثها في 31 مارس 2016 (screen capture)

الدور المزدوج للسلطة الفلسطينية

العنصر الإسلامي في صفوف منفذي الهجمات هؤلاء يكاد لا يكون موجودا. إنه في الأساس أسطورة تم ابتكارها حول هذه الإنتفاضة وربما قد يكون من المناسب أيضا التطرق إلى إفتراضات تثبتت في صفوف القيادة السياسية ومن ثم عند الجمهور.

وتجدر الإشارة إلى أن قوى الأمن الإسرائيلية لم تؤيد على الإطلاق هذه الأساطير أو هذه الفرضيات التي تم زرعها على يد سياسيين وإعلاميين ينتمون بمعظمهم لمعسكر اليمين.

تحريض السلطة الفلسطينية وأبو مازن هي السبب لهذه الإنتفاضة العنيفة: سُمع هذا الإدعاء مرارا وتكرارا من قبل صناع القرار في الحكومة الإسرائيلية وأحزاب اليمين. هذه العبارة ليست دقيقة ولكنها ليست بعيدة عن الواقع أيضا. بكلمات أخرى، التحريض في وسائل الإعلام الفلسطينية موجود وبكثرة. كذلك في وسائل الإعلام التابعة للسلطة الفلسطينية وفي صفحات الفيسبوك لحركة فتح على سبيل المثال. ولكن، ويوجد هناك “لكن” كبيرة، هذا ليس هو السبب الرئيسي وحتى ليس واحد من الأسباب الرئيسية لما يحدث في الأشهر الأخيرة.

لقد سئم الجيل الشاب الفلسطيني من السلطة الفلسطينية وهم لا يشاهدون/يتابعون وسائل الإعلام التابعة للسلطة وفتح. صحيح، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لم يقم بالتنديد بالهجمات، ولكن في الواقع، لا يوجد هناك الكثير من الشبان الفلسطينيين الذين يهمهم أذا ندد عباس بالهجمات أو لم يفعل ذبك. عباس لم يشجع على الهجمات ولم يوضح بأنه ضدها. وإحدى المشاكل الصعبة التي على إسرائيل مواجهتها هي أن الشبيبة الفلسطينية لا تهتم بمواقف السلطة الفلسطينبة ومن يقف على رأسها.

في المقابل، كل اولئك الذين هاجموا السلطة الفلسطينية على دورها في التشجيع على الهجمات (وبحق) تجاهلوا الدور الحاسم الذي لعبته في منع هجمات وفي نهاية المطاف التراجع الذي نشهده مؤخرا للإنتفاضة. قامت السلطة الفلسطينية بإحباط عشرات هجمات الطعن والدهس وإطلاق النار في هذه الأشهر، وإعتقال نشطاء في حماس والجهاد الإسلامي الذين خططوا لهجوما أكثر صعوبة داخل الخط الأخضر ومؤخرا على الأقل، قامت حتى بمنع تظاهرات شعبية ضد إسرائيلي.

وهذا هو عمليا الدور المزدوج الذي تلعبه السلطة الفلسطينية وهو أيضا المعضلة التي تواجهها إسرائيل: السلطة تحرض من جهة وتحبط من جهة أخرى. هذا أيضا واضح في السياسة المبهمة لأبو مازن بنفسه، الذي يقول في كل فرصة ممكنة بأنه ضد العنف ولكنه يرفض التنديد بالهجمات والإنتفاضة الحالية. ربما أدرك الرئيس أيضا في الأشهر الأخيرة الخطر الكامن في تدهور الأوضاع على الأرض، خاصة وأن حماس هي التي تحاول إستغلال ذلك لإضعاف السلطة.

ولذا فقد كان هو الذي أرغم عناصر التنظيم وفتح على وقف المظاهرات التي نظموها في الأسابيع الأولى، وهو الذي أصدر في الأشهر الأخيرة أوامر أكثر وضوحا لأجهزة الأمن إزاء الحاجة لإحباط هجمات.

تغير شيء ما عند القائد ويظهر ذلك بوضوح في تراجع العنف على الأرض. المثال الأبرز على ذلك هو محاولات السلطة الخروج في حملات دعائية في مناطق مضطربة، مثل قباطيا القريبة من جنين وسعير القريبة من الخليل. بواسطة نشاط دعائي مكثف للسلطة في المدارس وهذه القرى، كان هناك انخفاض في عدد منفذي الهجمات الذين خرجوا من هناك في الفترة الأخيرة. كذلك التحريض في وسائل الإعلام التابعة لفتح والسلطة الفلسطينية خفت، ولكنها لم تتوقف تماما.

وخلاصة القول، لا تزال دولة إسرائيل لأسف السياسيين في اليمين بحاجة إلى مساعدة أبو مازن لمواجهة التصعيد في الضفة الغربية.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (في الوسط) يترأس الجلسة الأسبوعية للحكومة في مكتبه في القدس، 17 يناير، 2016 (Amit Shabi/POOL)

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (في الوسط) يترأس الجلسة الأسبوعية للحكومة في مكتبه في القدس، 17 يناير، 2016 (Amit Shabi/POOL)

الخلاف في إسرائيل

هذا التراجع هو ليس نتاج نشاط السلطة الفلسطينية لوحدها بالطبع. ينبغي الإشارة أيضا إلى أن الفضل يعود للجانب الإسرائيلي أيضا.

التعامل الحذر مع كل ما يتعلق بعدم المس بحياة السكان الفلسطينين بالكامل منع تدهور الوضع وانضمام الجمهور الفلسطيني. ولكن إلى جانب ذلك سلطت أحداث العنف أو الإنتفاضة هذه الضوء على الفجوة بين نهج القيادة السياسية والطبقة العسكرية في إسرائيل.

ففي حين أن الأولى حاولت تحميل السلطة الفلسطينية ومن يقف على رأسها مسؤولية الوضع، لاحظت المؤسسة الأمنية الدور الحاسم للسلطة الفلسطينية في تهدئة الوضع على الأرض. هي أيضا التي أيدت الحفاظ على التسهيلات والإمتناع عن المساس في السكان ككل.

هذه المؤسسة الأمنية ترفض أيضا الموافقة على الأساطير التي يرويها السياسيون من اليمين وكأن داعش والإسلام المتطرف هما اللذان يقفان في مركز هذه الإنتفاضة. بالنسبة لهدم المنازل هناك إجماع بين القيادة السياسية والأمنية على أن هذه الخطوة هي خطوة ردعية على الأقل بشكل جزئي، ولكن الخلاف يتجدد عندما يدور الحديث عن إحتجاز جثث منفذي الهجمات. في حين أن نتنياهو وإردان وشركائهم يرون بهذه الخطوة خطوة مفيدة في محاربة الإرهاب، تخشى القيادة الأمنية من أن إحتجاز الجثث قد يؤدي إلى تصعيد الوضع من جديد.

ولكن من دون شك أن الخلاف الأشد بين القيادة السياسية والأمنية هو بشأن الخطوات التي ينبغي إتخاذها لإنهاء الإنتفاضة، أو بكلمات أخرى – العملية السياسية.

في حين أن في المؤسسة الأمنية ترى أن هناك ضرورة لإتخاذ بعض مبادرات حسن النية تجاه السلطة الفلسطينة، وحتى تجديد العملية السلمية، في حكومة إسرائيل هناك معارضة بالإجماع تقريبا لذلك، وخاصة في كل ما يتعلق بالمفاوضات مع السلطة. هل يرجع ذلك إلى عدم الاتفاق على مفهوم الأمن فقط، أو من نهج مهني مقابل صناع قرار يحاولون إرضاء ناخبيهم؟ على أي حال، لا يبدو أن هذا الخلاف سيُحل قريبا.

فلسطينيون يلقون الحجارة على عناصر شرطة السرائيليين في القدس الشرقية (Yonatan Sindel/Flash90)

فلسطينيون يلقون الحجارة على عناصر شرطة السرائيليين في القدس الشرقية (Yonatan Sindel/Flash90)

إلى أين يتجه كل ذلك؟

وهنا تاتي الأخبار السيئة حقا. على الرغم من التراجع الذي تشهده الإنتفاضة الحالية، هناك الكثير من الأطراف التي تعمل على الأرض بهدف إحيائها وحتى تصعيد الوضع أكثر. وفي مقدمة هؤلاء حركة حماس طبعا. الحركة التي تحافظ على هدء نسبي في القطاع، تقوم بكل ما هو ممكن من أجل تصعيد الوضع في الضفة.

على سبيل المثال، منذ الأول من أكتوبر 2015، احبطت قوى الأمن 140 هجوم كبير، من ضمنها هجمات إطلاق نار وإختطاف وعبوات ناسفة وعمليات إنتحارية وغيرها، كانت حماس مسؤولة عن معظمها.

في شهر يناير 2014 تم إختطاف ثلاثة فتية إسرائيليين أدى قتلهم إلى تدهور على الأرض وحرب في غزة. الآن يمكن فقط تخيل ما الذي كان سيحدث لو أن عددا من الهجمات التي تم إحباطها في الأشهر الستة الأخيرة نجحت؟ ما الذي كان سيحدث لو أن البنية التحتية التي تم الكشف عنها قبل شهرين في أبو ديس نجحت في تنفيذ هجمات إنتحارية خططت لها في إسرائيل؟

الأنباء السيئة لا تتلخص في محاولات حماس لزعزعة الإستقرار في الضفة الغربية. مستقبل السلطة الفلسطينية يبدو قاتما للغاية. من نواح كثيرة وضحت الإنتفاضة الحالية مدى نهاية عصر أبو مازن في الأراضي الفلسطينية، وفشل الطريق التي حاول أن يقودها للتوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل. هو بنفسه لم يعد يؤمن بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل (ما دام نتنياهو في الحكم) وبالنسبة للشبان الفلسطينيين، لم تعد له وللسلطة أية أهمية.

لا يوجد هناك شخص بإمكانه أن يتكهن ما الذي سيحدث في اليوم الذي سيأتي بعد عباس. الرئيس الفلسطيني الذي لمح في العام الأخير بأنه قد يعتزل الحياة السياسية، على الرغم من أنه يؤكد مؤخرا على أنه لا يعتزم القيام بذلك، ولكنه لم يعد شابا (في الأسبوع الماضي بلغ سن الـ -81) وتأييد الرأي العام له شهد إنخفاضا كبيرا. إذا قام بترك منصب الرئيس لسبب ما، سيستغرق حركة فتح بضع الوقت لتنجح في تعيين وريث له قادر على ترسيخ الإستقرار، إذا نجحت في ذلك أصلا.

وربما قد تكون الأنباء الأسوا من كل ما سبق، على الأقل بالنسبة لجزء من الأشخاص على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، هي أن حل الدولتين لم يعد قائما. لا يوجد هناك في القيادة الفلسطينية أو في إسرائيل من يؤمن حقا بإمكانية التوصل قريبا إلى إتفاق سلام بالإستناد على حل الدولتين. وحتى لو توصل القادة من الجانبين إلى إتفاق كهذا، مع أكثر من 400 ألف يهودي في المستوطنات، فإن سيناريو إنسحاب إسرائيلي من يهودا والسامرة لا يبدو واقعيا.

على الجانب الفلسطيني على الأقل، بالإمكان سماع التأييد لفكرة “دولة واحدة لشعبين” في كل مكان، وخاصة في صفوف الجيل الشاب، حتى لو كان إسمها بداية “إسرائيل”. من وجهة نظرهم سيكون من الممكن بعد عشرات السنوات، مع أغلبية فلسطينية واضحة، تغيير إسم الدولة إلى إسراطين أو ربما فلسطين.