وارسو ـ لدى المراسلون الذين يغطون رحلات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الخارج بعض التجارب التي لا تنسى على مر السنين.

في سبتمبر 2012 – أول مرة انضممت فيها إلى رحلة لرئيس الوزراء كمراسل دبلوماسي في صحيفة التايمز أوف إسرائيل – تعلطت الحافلة التي كانت من المفترض أن تنقلنا من مطار جون كنيدي في نيويورك إلى مقر الأمم المتحدة.

تعطلت الحافلة وسط نفق على الطريق السريع “فرانكلين روزفلت”، في حين إستمرت السيارات المسرعة في طريقها. إستطعت أنا وزملائي ركوب حافلة مدرسية صفراء فارغة يقودها يهودي ناطق بالروسية، حيث تطوع السائق لأخذنا إلى “ترتل باي” لكي نصل في الوقت المناسب لحضور خطاب نتنياهو.

في يوليو عام 2017، في طريق العودة من بودابست، قررت زوجة رئيس الوزراء سارة – وهي مضيفة طيران سابقة – الاحتفال بعيد ميلاد أحد الموظفين وأصرت شخصيا على تقديم كعك لزملائي وحتى مقاعدنا في الجزء الخلفي من الطائرة.

بالطبع، هناك أيضا أسباب أكثر وضوحا لتذكر الرحلات مع رئيس الوزراء. نتنياهو يعتبر جميع رحلاته تقريبا “تاريخية”، ولكن بعضها فقط تعتبر فعلا تاريخية – كما حدث على سبيل المثال عندما احتفل بالذكرى الأربعين لغارة عنتيبي في المطار ذاته في قلب أوغندا حيث قتل شقيقه العزيز يوني.

مثال آخر كان في اليوم المؤثر عندما وضع إكليلا من الزهور في موقع السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس، حيث قام مهاجم انتحاري بتفجير نفسه في مجمع يوم 17 مارس 1992، ما أسفر عن مقتل 29 شخصا، بينهم إسرائيليين. (في تلك الرحلة أصبح أول زعيم إسرائيلي يزور أمريكا اللاتينية).

عندما توجهنا إلى نجامينا في وقت سابق من هذا العام لبضع ساعات من أجل إعادة إقامة العلاقات الدبلوماسية مع تشاد ذات الأغلبية المسلمة، كانت هذه أيضا رحلة تاريخية.

الرئيس التشادي إدريس ديبي يتنو (يمين) يصافح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال اجتماع في قصر الرئاسة في نجامينا في 20 يناير 2019. (BRAHIM ADJI / AFP)

كانت لرحلة هذا الأسبوع إلى بولندا التي استمرت ثلاثة أيام حصتها في اللحظات الغريبة، ولكن المحورية أيضا. كما أنها لم تخلو أيضا مما يمكن وصفه، بصراحة تامة، إخفاقات من جانب رئيس الوزراء.

“عهد جديد”؟

سافر نتنياهو إلى وارسو لحضور مؤتمر حول الشرق الأوسط، قال إنه سيركز على الهدف المشترك المتعلق بمعالجة موضوع إيران وعدوانها. حضر مندوبون من 60 دولة ما يطلق عليه “المؤتمر الوزاري لتعزيز مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط”، بما في ذلك وزراء خارجية حوالي 12 دولة عربية.

لم يتم إصدار بيان مشترك في نهاية القمة – يعود ذلك إلى حقيقة أن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية المشاركة لا تتشارك وجهة النظر ذاتها بشأن إيران. في الواقع، النص الذي أصدره المنظمون الأمريكيون والبولنديون في النهاية لم يشر إلى إيران بتاتا.

ذكر المندوبون بشكل متكرر طهران كمصدر لعدم الاستقرار في المنطقة، لكن القمة لم تصل إلى أي نتائج ملموسة. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت نفسه، رؤساء إيران وتركيا وروسيا – البلدان التي لديها الدور الأكبر في اللعبة السورية مقارنة ببولندا وحتى الولايات المتحدة (التي تخطط لسحب قواتها المتبقية) – إجتمعوا في سوتشي لمناقشة خططهم لمستقبل سوريا التي مزقتها الحرب.

ومع ذلك، شهد مؤتمر وارسو بعض اللحظات الهامة للغاية. للمرة الأولى منذ سنوات عديدة، وافق مسؤولون كبار من الدول العربية على حضور مؤتمر دولي لمناقشة السلام في الشرق الأوسط حضرته إسرائيل أيضا.

استضاف نتنياهو وزير خارجية عُمان بعد ظهر الأربعاء، حتى قبل بدء القمة. ورحبا “بعهد جديد” في الشرق الأوسط، مشيرين إلى زيارة رئيس الوزراء الأخيرة إلى مسقط، حيث التقى بالسلطان قابوس.

مساء يوم الأربعاء، في حفل افتتاح المؤتمر في القلعة الملكية التاريخية في وارسو، ظهر نتنياهو – رئيس الحكومة الوحيد بين الحاضرين – على المنصة مباشرة بعد نقاش لوزراء خارجية المملكة العربية السعودية، البحرين، والإمارات العربية المتحدة. في حين أن حقيقة كون هؤلاء الوزراء وغيرهم من المندوبين العرب لم يغادروا القاعة عندما تحدث رئيس الوزراء الصهيوني جديرة بالذكر، فان حقيقة أن رسالتهم الأساسية تشابهت تماما هي الأكثر أهمية هنا.

وافق نتنياهو والوزراء العرب في ظهورهم المنفصل على أن الاتفاق النووي مع طهران كان خطأ فادحا، وأن إيران عموما هي المسألة الأكثر إلحاحا التي يتعين على الشرق الأوسط معالجتها، في تجاوز للقضية الإسرائيلية الفلسطينية.

“لكل دولة الحق في الدفاع عن نفسها، عندما تتحداها دولة أخرى، نعم”، قال وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان ردا على سؤال حول الغارات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سوريا.

وقال وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة إن عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ستكون في مكان أفضل لو لم يكن سلوك إيران الخبيث في الصورة.

“لقد ترعرعنا مع الحديث عن القضية الفلسطينية الإسرائيلية باعتبارها القضية الأكثر أهمية التي يجب حلها، بطريقة أو بأخرى”، قال. “لكن في مرحلة لاحقة، رأينا تحديا أكبر، ساما أكثر – في الواقع الأكثر تسمما في تاريخنا – وهي إيران”.

ليس سرا أن دول الخليج لا تحب الجمهورية الإسلامية، وأنها بشكل بطيء ولكن ثابت تقترب من تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن وجود ثلاثة وزراء يقولون ذلك بعلانية نسبية هو أمر غير مسبوق.

نتنياهو نفسه سرعان ما توجه إلى الصحافة بحماس بشأن تغيير هذا النهج، قائلا إن المسؤولين العرب كانوا على دراية تامة بأنهم يُراقبون خلال تفاعلهم معه علنا، لكنهم غير مهتمون كما في الماضي.

وقال إن العشاء كان “نقطة تحول تاريخية” في العلاقات الإسرائيلية العربية.

صباح يوم الخميس، في الجلسة الافتتاحية للقمة، كان نتنياهو يجلس بجانب وزير الخارجية اليمني خالد اليماني. رسميا، ما زالت إسرائيل تعتبر اليمن “دولة معادية” وتحظر على مواطنيها السفر إليها.

عندما حان دور الزعيم الإسرائيلي ليخاطب المؤتمر، لم يعمل ميكروفونه، لذلك سمح اليمني له بإستخدام ميكروفونه. ربما يكون ذلك مثالا آخرا على التطبيع الزاحف بين إسرائيل والعالم العربي.

ليس بهذه السرعة.

لاحقا، توجه اليماني إلى تويتر للتوضيح، دون ذكر نتنياهو، حيث قال أن منظمي المؤتمر كانوا مسؤولين عن البروتوكول، وأن “الأخطاء” في الطريقة التي كان يجلس بها المندوبون هي مسؤوليتهم.

كذلك البحرين – وهي دولة يعتقد العديد من الإسرائيليين أنها مستعدة للتحدث علانية عن العلاقات مع إسرائيل – لم تستخدم المؤتمر كفرصة لإجراء أي تحرك دبلوماسي حقيقي.

“بلدي بكامله يحبس أنفاسه من أجل اللحظة التي سيقيم فيها بلدك علاقات رسمية معنا”، قلت لوزير الخارجية آل خليفة، عندما صافحني خلال سيره بعد أن اجتمع المندوبون في قاعة المؤتمرات من أجل “صورة عائلية”. استمر في مسك يدي لكنه لم يجيب في البداية.

“هل سيحدث ذلك؟”، سألت بإصرار.

“في النهاية”، أجاب متوجها نحو الخارج.

“هل سيحدث ذلك قريبا؟” أجبت عن بعد، لكنه لم يكن مهتما بالإجابة.

في النهاية، بإستثناء وزير الخارجية العماني، ترك نتنياهو المؤتمر دون لقاء مصور مع أي من القادة العرب الذين يصرون على أنهم لم يعودوا يهتمون بالاحتفاظ بعلاقاتهم مع إسرائيل سرا. كانت وارسو بالتأكيد خطوة إلى الأمام في التقارب البطيء لإسرائيل مع العالم العربي، لكن ’البطء‘ هي الكلمة المفتاح هنا.

“حرب” مع إيران

هذه الرحلة لن تنسى لأسباب أخرى، على الأقل بالنسبة لمراسل مثلي يبحث عن زوايا مثيرة للاهتمام.

بين استضافة وزير الخارجية العماني وحفل افتتاح القمة، قام نتنياهو بنزهة خارج الفندق لتصوير مقطع نشره لاحقا على حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي. في مقطع الفيديو القصير، يتحدث باللغة العبرية عن المصلحة المشتركة لدفع “الحرب مع إيران”.

تمت ترجمة البيان إلى اللغة الإنجليزية ونشره على حسابات وسائل الإعلام الاجتماعية لرئيس الوزراء، وسرعان ما أثار الدهشة عبر الإنترنت. الصحفيون من مختلف أرجاء العالم أفادوا فيما يبدو بالبيان الحربي، وحتى وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف نشر تعليقا.

سارع مساعدو رئيس الوزراء إلى إزالة التغريدات، وأعادوا صياغة تصريحات نتنياهو التي تم تعديلها لترجمة أكثر حساسية، عن “مكافحة إيران”.

المؤتمر الفعلي، الذي عقد في قاعات في ملعب لكرة القدم، بدأ وإنتهى بسلاسة لنتنياهو. اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على هامش الحدث أيضا مر بهدوء.

ومن ناحية أخرى، فإن إجتماعه المخطط له مع رئيس الوزراء البولندي ماتيوس مورافيسكي، تقريبا تحول إلى حادث دبلوماسي، حيث أبقى نتنياهو مُضيفه منتظرا أكثر من ساعة. في مكان آخر من المؤتمر، كان جاريد كوشنر يناقش اقتراح السلام الإسرائيلي الفلسطيني، وعلى ما يبدو لم يرغب نتنياهو في مغادرة الغرفة في منتصف تلك الجلسة.

كما مرت مراسم وضع إكليل من الزهور في نصب تذكاري يكرم أعضاء الغيتو اليهودي في وارسو عام 1943 في وقت لاحق من ذلك اليوم دون أي مشاكل، وكذلك الاجتماع القصير الذي تلى مع نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس في المتحف اليهودي المجاور.

البولنديين والمحرقة

في المتحف، جلس نتنياهو لتقديم إحاطة مع الصحافة المسافرة معه، كما يفعل في كل رحلة. تحدث كثيرا عن المؤتمر وأهمية وجوده في نفس الغرفة التي يجلس فيها القادة العرب. “أشياء مذهلة” حدثت حسب قول نتنياهو. كما حثنا مرارا على استخدام مصادرنا لمعرفة ما قالوه خلال حفل الافتتاح الليلة السابقة.

بما أننا كنا في متحف الذي كان في الماضي غيتو لإبادة اليهود، قرّرت أن أسال نتنياهو عن الإعلان الإسرائيلي-البولندي المشترك والمثير للجدل في العام الماضي حول المحرقة.

لقد طرحت القضية بالتأكيد في لقائه مع مورافيسكي، كما قال لي رئيس الوزراء، لكنه رفض الرد على الانتقادات القاسية التي وجهها المؤرخون الإسرائيليون للنص.

بدلا من ذلك، قال إن البولنديين “بأعداد غير ضئيلة” تعاونوا مع النازيين، مضيفا أنه لم يكن على دراية بأي شخص واجه المقاضاة بسبب قول ذلك. (يحظر القانون البولندي اتهام “الأمة البولندية” باللمحرقة).

لكن صحيفة جيروزاليم بوست نقلت بالخطأ عن نتنياهو قوله “الأمة البولندية”، الأمر الذي أثار حادثة دبلوماسية حقيقية. هددت بولندا بمقاطعة مؤتمر مخطط له الأسبوع القادم في القدس، واستدعت سفير إسرائيل في وارسو. هدأت الأزمة فقط بعد أن أوضح المسؤولون الإسرائيليون أن رئيس الوزراء لم يقل أبداً أن “الأمة البولندية” هي المسؤولة عن الفظائع النازية.

فيديو مُسرب

في وقت متأخر يوم الخميس، أرسل المتحدث بإسم نتنياهو إلى مراسلين رابط فيه تصريحات وزراء الخارجية العرب المؤيدين لإسرائيل والمعارضين لإيران من الاحتفال في الليلة السابقة. كان ذلك رابطا خاصا لقناة يوتيوب التابعة لرئيس الوزراء، وحاول المتحدث أن يجعل الأمر يبدو كما لو أن الرابط أرسل للمراسلين دون قصد (على الرغم من أننا جميعا نذكر أن نتنياهو ومساعديه قد حثونا على الإحاطة الإعلامية لمعرفة ماذا قيل في هذا الحدث).

في كلتا الحالتين، بعد قرار أن محتوى الفيديو له أهمية كبيرة وهناك حاجة إلى توصيله للجمهور، قررنا معا الإبلاغ عنه، على الرغم من الطريقة الغريبة التي أتيح بها.

بعد وقت قصير من ظهور العناوين الرئيسية والتغريدات حول الاقتباسات المثيرة (ومعها نقد عضو الكنيست تسيبي ليفني، التي اتهمت رئيس الوزراء بتهديد العلاقات الخارجية لإسرائيل من أجل تسجيل نقاط قبل الانتخابات)، أزال مكتب نتنياهو الفيديو. في وقت لاحق، تم إخبار أحد زملائي بأن الرابط فعلا تم إرساله بطريق الخطأ. إذا كان الأمر كذلك، فقد كان خطأ الذي خدم مصلحته السياسية الشخصية، حيث أكد الفيديو كل ما قاله لنا في الإحاطة الإعلامية قبل دقائق قليلة عن ذلك القلق العربي المشترك بشأن إيران، وتجاهل القادة العرب للقضية الفلسطينية.

مشكلة الطائرة

في وقت لاحق من مساء الخميس، بعد أن جعل نتنياهو المراسلين ينتظرون لعدة ساعات طويلة (ربما لعشاء يوم عيد الحب مع زوجته؟)، تم نقلنا أخيرا إلى المطار لرحلة العودة إلى الوطن، حيث انتظرنا مرة أخرى لمدة طويلة من الزمن.

بعد يوم مزدحم بالعمل الصحافي والتقارير، استقلينا الطائرة بعد نصف ساعة من منتصف الليل. بعد حوالي 40 دقيقة، بدأت الطائرة بالتحرك. ثم توقفت.

اصطدمت مركبة مع عجلة الطائرة الأمامية، مما تسبب في أضرار لا يمكن إصلاحها على الفور. سارع مسؤولو الأمن ومهندسو إل-عال إلى البحث في أمر الطائرة لفترة من الوقت، وكانوا مرتبكين مثلنا تمام. في حوالي الساعة الثانية والنصف صباحا، تقرر أن تقوم شركة إل-عال بإرسال طائرة بديلة من إسرائيل، وأننا سنضطر لقضاء ليلة أخرى في وارسو.

في حوالي الساعة 3:15 صباحا، وصلنا إلى فندق قريب، على أمل الحصول على قسط من الراحة. بعد أقل من أربع ساعات بقليل، تم إخبارنا عبر رسالة واتسآب أن لدينا نصف ساعة لحزم أمتعتنا والتوجه إلى مكتب إل-عال في المطار لإجراء سلسلة أخرى من الفحوصات الأمنية وضوابط جوازات السفر. بعد ذلك، وبعض الانتظار، صعدنا أخيرا إلى الطائرة بوينج 737 التي أعادتنا إلى تل أبيب (حيث كتب هذا المقال).

الآن كان علينا فقط أن ننتظر رئيس الوزراء وزوجته، اللذان أمضيا الليلة في فندق إنتركونتننتال، في وسط المدينة.

وصلوا في الساعة العاشرة والنصف صباحا، بعد أن أخذوا قسطا جيدا من الراحة. قبل أن يتمكنوا من الجلوس، اندفع الصحفيون نحو مقاعد الدرجة الأولى على متن الطائرة ليطرحوا أسئلة على رئيس الوزراء حول خلاف المحرقة مع بولندا، والذي لم يعلق عليه بعد. رفض الإجابة على أي أسئلة.

بدلا من الرد، أخبرت سارة نتنياهو الصحافيين كيف أن زوجها كان يعتني برفاهنا خلال الساعات القليلة الماضية. لكنها لم تقدم لنا الكعك هذه المرة.