أريكتان متهالكتان ومجموعة من الكراسي المحطمة ومشواة قديمة في قطعة الأرض الخالية. المزيد من الحطام منتشر من حولها – قطع حذاء قديم وزجاجات “هاينيكن” محطمة ورفاسات داخلية صدئة لفراش قديم نساه أحدهم قبل بضعة سنوات.

هذه بعض الأغراض الملقاة في قطعة الأرض المتاخمة لطريقين مزدحمين في القدس، التي كانت مخصصة مرة لتكون موقع السفارة الأمريكية. لعقود من الزمن، بقيت قطعة الأرض هذه خالية، فجوة في قلب حي تلبيوت لا يعرها أحد اهتماما. ولكن الآن وبعد إعلان الإدارة الأمريكية الجديدة عن نيتها نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، قد تجد قطعة الأرض هذه، في زواية شارع الخليل وشارع دانييل يوانفسكي، نفسها في دائرة الضوء العالمية.

على الرغم من أن قطعة الأرض هذه تبدو في الوقت الحالي كخرابة في الوقت الحالي، لكنها تتمتع بتاريخ ثري وقد يكون في انتظارها مستقبل مثير للجدل. العالم العربي، وبكل تأكيد الفلسطينيون، سيحتجون على نية أي دولة في نقل سفارتها إلى القدس، بغض النظر عن الموقع المحدد. لكن نشطاء فلسطينيين يزعمون منذ سنوات الثمانين بأن قطعة الأرض هذه بالتحديد هي ملك بشكل جزئي على الأقل لهم وبأنه سيكون “من غير اللائق” بأن تقوم الولايات المتحدة ببناء سفارتها “على أرض تُعتبر أملاكا مسروقة”.

التاريخ الغير معروف لقطعة الأرض هذه يعود إلى فترة الإنتداب البريطاني، حيث كانت موقعها لما يُسمى بـ”ثكنات ألنبي”، على اسم الجنرال البريطاني إدموند ألنبي الذي أشرف على قاعدة عسكرية هناك. في وقت لاحق، قامت دولة إسرائيل بوضع قسم لشرطة حرس الحدود هناك.

في سنوات الثمانين، حض سياسيون أمريكيون، بقيادة السيناتور الجمهوري جيس هيلمز، الإدارة على الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إلى المدينة. في عام 1988، تم تمرير قانون يدعو إلى بناء “مرفقين دبلوماسيين” في تل أبيب والقدس.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو والمرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب خلال لقاء جمعهما في ’برج ترامب’ في نيويورك، 25 سبتمبر، 2016. (Kobi Gideon/GPO)

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو والمرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب خلال لقاء جمعهما في ’برج ترامب’ في نيويورك، 25 سبتمبر، 2016. (Kobi Gideon/GPO)

في الأيام الأخيرة لرئاسة ريغين، في 18 يناير من عام 1989، وقّع السفير الأمريكي لدى إسرائيل ويليام براون ومدير دائرة أراضي إسرائيل موشيه غات على اتفاق لتأجير إسرائيل للولايات المتحدة قطعة أرض في القدس لمدة 99 عاما، مقابل دولار واحد في العام.

الباحث الفلسطيني وليد الخالدي، كتب في مقال له عام 2000 نُشر في مجلة “الدراسات الفلسطينية إن “في ’اتفاق تأجير وشراء الأرض’ الذي يضم 15 صفحة هناك إشارة فقط إلى ’أملاك القدس’، ولكن على الفور تقريبا ظهرت تقارير – تم تأكيدها لاحقا – بأن الأرض التي يدور الحديث عنها تقع في ما يُعرف في ’ثكنات ألنبي’، موقع حامية القدس في الجيش البريطاني خلال الإنتداب”.

(وفقا للخالدي، مساحة الأرض هي 31,250 مترا مربع).

وكتب الخالدي “منذ التوقيع على عقد الإيجار في عام 1989 والتقارير التي أكدت على ربط الموقع بـ’ثكنات ألنبي’، شككت أوساط فلسطينية في قانونية الإيجار وذلك لأن موقع السفارة المتصورة هو ملك للاجئين فلسطينيين تمت مصادرته من قبل السلطات الإسرائيلية، إلى جانب أملاك أخرى للاجئين، منذ عام 1948”. ويضيف المؤرخ الفلسطيني “على نحو أكثر تحديدا، يُزعم أن الموقع كان جزءا من الوقف الإسلامي”.

بعد سنوات من ذلك، في عام 1995، تم تمرير “قانون سفارة القدس”، الذي يدعو الإدارة الأمريكية إلى الإعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة البلاد إلى هناك. لكن القانون سمح للرئيس بتعليق الخطوة إذا اعتبر أنها تضر بمصالح الأمن القومي الأمريكي. منذ تمريره، وقع كل رئيس أمريكي – بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما – على تعليق القرار لستة أشهر، على الرغم من تعهد بوش وكلينتون بنقل السفارة خلال حملاتهما الإنتخابية.

لهذا السبب، شكك العديد من المراقبين في تعهد ترامب بنقل السفارة خلال خطاب له أمام لوبي “إيباك” المؤيد لإسرائيل في شهر مارس. لكن يوم الإثنين تصدرت إحدى كبار مستشاريه العناوين الأخبارية بعد أن صرحت بأن الوفاء بهذا الوعد بالتحديد هو “أولية كبرى” للرئيس المنتخب.

في وقت لاحق الإثنين، ذكرت القناة الثانية الإسرائيلية بأن مستشاري ترامب بدأوا في دراسة مواقع محتملة وبأن الخطوة “أقرب من أي وقت مضى”. التقرير أشار إلى موقع محتمل للسفارة قد يكون قريبا من مبنى القنصلية الأمريكية في “14 شارع ديفيد فلاسر”، الذي يقع في أرنونا، على بعد أقل من 20 دقيقة سيرا على الأقدام من موقع “ثكنات ألنبي” سابقا.

القنصلية الأمريكية في حي تلبيوت، المتاخم لموقع المحتمل للسفارة الأمريكية. (Raphael Ahren/Times of Israel)

القنصلية الأمريكية في حي تلبيوت، المتاخم لموقع المحتمل للسفارة الأمريكية. (Raphael Ahren/Times of Israel)

القنصلية العامة الأمريكية في القدس تعمل حاليا في منشأتين: الفرع الرئيسي في شارع أغرون (حيث لديها مبنى هناك منذ عام 1912) و”القسم القنصلي” في شارع فلاسر، والذي افتُتح في عام 2010، ليحل محل المبنى في شارع نابلس، في القدس الشرقية، الذي قامت الولايات المتحدة بإستئجاره منذ عام 1952. في عام 2014، قامت الولايات المتحدة بشراء مبنى متاخم للمنشأة في شارع فلاسر – حيث يقع “فندق ديبلومات” – الذي يأوي حاليا مهاجرين جديد. تقارير أشارت إلى أن السلطات الإسرائيلية قالت بأن إخلاء المبنى سيتطلب بضع سنوات.

حوالي 20 عاما من التمثيل

أرسلت الولايات المتحدة أول قنصل لها إلى القدس في عام 1844، قبل أكثر من 100 عام من إقامة دولة إسرائيل. بعد نحو 13 عاما، قامت الإدارة الأمريكية بإنشاء حضور قنصلي دائم في البلدة القديمة. وتم الإعلان عن البعثة في شارع أغرون كقنصلية عامة في عام 1928، لتمثيل اللولايات المتحدة في القدس (شرق وغرب) والضفة الغربية وغزة “كبعثة مستقلة”، بما أن الولايات المتحدة لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية على أي جزء من القدس.

السفارة الأمريكية في تل أبيب (photo credit: Ori~/Wikimedia Commons/File)

السفارة الأمريكية في تل أبيب (photo credit: Ori~/Wikimedia Commons/File)

ليس من الواضح مع كتابه هذه السطور إذا كان فريق ترامب يدرس بالفعل نقل السفارة – التي تتواجد في موقعها الحالي في شال هايركون في تل أبيب منذ أواخر سنوات الستين – إلى موقع “فندق ديبلومات” المتاخم للقنصلية في أرنونا. قد يكون الرئيس المنتخب ومساعديه ليسوا على علم بأن للولايات المتحدة موقع كبير مخصص للسفارة هنا في موقع “ثكنات ألنبي” سابقا؛ قد يبدو ذلك غير معقول، ولكن فريق ترامب المشرف على نقل السلطة لم يناقش بحسب تقارير خطوة نقل السفارة مع وزارة الخارجية. أو قد يكون من الممكن أنه تم إعتبار الموقع غير ملائم، ربما من وجهة نظر أمنية، بالنظر إلى موقعه المتاخم لشارعين مزدحمين ومبان سكنية وملعب.

لكن موقع “ثكنات ألنبي” سابقا، الذي يقع داخل حدود إسرائيل ما قبل عام 1967 ولكن على مقربة من الخط الأخضر ما قبل عام 1967، قد يثير الكثير من الجدل بسبب ملكيته المتنازع عليها.

بحسب مقالة نشرها “مركز بديل الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين” في عام 2000، هناك 19 عائلة فلسطينية من القدس “تم إقتفاء أثرها كأصحاب للعقار”.

تم الإستيلاء على جزء صغير منه من قبل بريطانيا خلال فترة الإنتداب، بحسب المقالة. ما تبقى منه مكون من خمس أجزاء: الأول ملك للوقف وأربعة تم إستئجارها من ملاك خاصين حتى شهر مايو من عام 1948، عند إقامة دولة إسرائيل.

وليد الخالدي، المؤرخ الفلسطيني، كتب بأن نشطاء – وهو من بينهم – اعترضوا على “اتفاق إيجار وشراء الأرض” بعد بضعة أشهر من التوقيع عليه في عام 1989. المنتقدون يرون بأن عقد الإيجار لا يمثل تغييرا دراماتيكيا في السياسة الأمريكية فحسب – والتي لا تعترف بسيادة أي طرف على القدس قبل التوصل إلى اتفاق سلام الوضع النهائي – لكنه يشير أيضا إلى إقرار أمريكي بملكية إسرائيل لقطعة الأرض هذه.

في شهر يونيو من عام 1989، قالت الخارجية الأمريكية في رد لها على هذه الشكاوى بأنها “على علم بالمزاعم بأن الوقف الإسلامي صاحب حصة في جزء من الموقع المتفق عليه في القدس”، لكنها لم تتمكن من “تحديد أي سجل أو تأكيد لهذه المزاعم خلال بحث قمنا بإجراءه”. نقل موقع السفارة هي مسألة سيتم تناولها “فقط في سياق تسوية تفاوضية للضفة الغربية وغزة”.

وبعد عشر سنوات، في عام 1999، أقر مسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية بأن اتفاق إيجار وشراء الأرض “حدد عقارا معينا” لهدف بناء سفارة “قد يتم تأجيره للولايات المتحدة من قبل حكومة إسرائيل في ظل ظروف معينة”، بحسب المقالة في مجلة “مركز بديل”.

“مع ذلك، حتى اليوم لم تدخل الولايات المتحدة في عقد إيجار لهذا العقار أو أي عقار آخر  بموجب الإتفاق”. وفقا للفقرة 2.1 بعنوان “شروط أساسية لعقد الإيجار والشراء… ستقوم الحكومة الإسرائيلية على الفور بإتخاذ كل الإجراء المطلوبة للحصول على الملكية الوحيدة والشرعية للمتللكات، الخالية من أي عوائق أو مطالبات طرف ثالث”.

لكن الخالدي يزعم بأن الموقف الذي يقول إن عقد الإيجار من عام 1989 لم يدخل حيز التنفيذ “يتناقض تماما مع صياغة عقد الإيجار نفسه”.

الخالدي الذي درّس في جامعات أوكسفورد وهارفرد والجامعة الأمريكية في بيروت وأسس “معهد الدراسات الفلسطينية”، أجرى بحثا موسعا في أدق تفاصيل مسألة الملكية. في ختام مقالته التي تضمنت 8 آلاف كلمة في هذ االشان، قال إن قطعة أرض التي كانت موقعا ل”ثكنات ألنبي” هي “أرض لاجئين تمت مصادرتها” وبأنه لا يوجد لبريطانيا أي أحقية في هذه الأرض، وبالتالي لا تملك إسرائيل الحق في تأجيرها للولايات المتحدة.

وكتب الخالدي، “مع كل ما تتضمنه القدس من معنى، من غير اللائق، على أقل تقدير، أن يتم بناء السفارة المستقبلية للولايات المتحدة في هذه المدينة على أرض تُعتبر أملاكا مسروقة”.

قطعة الأرض في القدس التي عُرفت في السابق بإسم ’ثكنات ألنبي’، الموقع المحتمل للسفارة الأمريكية. (Raphael Ahren/TOI)

قطعة الأرض في القدس التي عُرفت في السابق بإسم ’ثكنات ألنبي’، الموقع المحتمل للسفارة الأمريكية. (Raphael Ahren/TOI)

اليوم، يبدي الفلسطينيون معارضة شديدة لفكرة احتمال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بأكملها.

ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، السفير معن رشيد عريقات، قال لصحيفة “نيويورك تايمز” هذا الأسبوع “أتمنى أن تدرس الإدارة الأمريكية الجديدة بعناية سياستها تجاه المدينة وتواصل التمسك بالموقف الرسمي للولايات المتحدة حول القدس”، وأضاف السفير الفلسطيني إن “تبني الموقف الإسرائيلي في مسألة حساسة وعاطفية للغاية كهذه ستزيد من التوتر في منطقة مضطربة أساسا”.

السفارة الأمريكية في تل أبيب لم ترد على استفسارت عدة وجهها بها موقع تايمز أوف إسرائيل لها حول الملكية المتنازع عليها في موقع “ثكنات ألنبي”. في رسالة بريد إلكتروني، قال مسؤول في السفارة: “منذ إقامة إسرائيل، حافظت إدارات من كلا الحزبين على سياسة ثابتة بعدم الإعتراف بسيادة أي بلد على القدس. ما زلنا ملتنزمين بهذه السياسة المتبعة منذ فترة طويلة. كل إدارة أمريكية، جمهورية كانت أو ديمقراطية، اتخذت الموقف الذي يرى بأن مكانة القدس يجب أن تحل بشكل دائم عبر مفاوضات بين الطرفين”.

في إسرائيل، هناك رغبة واسعة نسبيا برؤية السفارة في القدس، يشاركها سياسيون من جميع ألوان الطيف السياسي (بإستثناء الأحزاب العربية).

نائب الوزير مايكل أورن، السفير الإسرائيلي السابق للولايات المتحدة، قال إنه “لا توجد هناك علاقة بين بلدين شبيه بقرب العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي فإن عدم إعتراف واشنطن أبدا بالقدس عاصمة للدولة اليهودية هو حالة شذوذ”.

وتابع أورن، الذي قبل دخوله عالم السياسي كان مؤرخا متخصصا في العلاقتات الأمريكية-الإسرائيلية: “المسألة هي ليست أين سيكون موقع السفارة الأمريكية، المسألة هي إعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل. ليس من الضروري أن تمس هذه الخطوة بعملية السلام بأي شكل من الأشكال”.

وأضاف قائلا: “لا يهمني أين يتم بناء السفارة، طالما أنها في القدس”.