قبل بضعة أيام فقط اعتقلت قوات الأمن التابعة لحركة حماس في قطاع غزة مجموعة من النشطاء السلفييين المنتمين لما يُسمى بـ”السلفية الجهادية”، أي عناصر جماعات إسلامية تنتمي عادة لتنظيم “داعش”. أحدهم، نجل داعية سلفي معروف من عائلة شاهين، يقف على رأس المجموعة. بحسب ما تقوله حماس، خططت هذه المجموعة اجتياز الحدود بين غزة وسيناء للإنضمام إلى صفوف مقاتلي داعش في حربهم ضد المصريين.

أو بكلمات أخرى ما حاولت حماس أن تقوله، هو أن رجالها عملوا على إحباط محاولات هؤلاء النشطاء الغزاويين لمساعدة داعش في حربه ضد الجيش المصري. ظاهريا، تبدو هذه عملية مثيرة للإعجاب قامت بها حماس بعد الإلتزامات التي قدمتها للمصريين قبل حوالي شهرين خلال زيارة وفد للحركة إلى القاهرة. عندها، وبعد توترات متصاعدة بين مصر وحماس واتهامات بتعاون وثيق بين “ولاية سيناء” – التنظيم التابع لداعش في شبه جزيرة سيناء وبين الذراع العسكري لحركة حماس، أبلغ مسؤولون في الحركة في غزة للمصريين أنه منذ الآن فصاعدا لن يكون هناك أي اتصال مع داعش.

حتى أنهم سارعوا إلى اتخاذ سلسلة من الخطوات ومنها اعتقال السلفيين الذي شهدناه قبل بضعة أيام وتم تعزيز القوات التابعة للحركة على الحدود بين غزة ومصر، وأعلنت الحركة أنها ستعمل على وقف كل عمليات التهريب عبر الأنفاق وأمور أخرى غير ذلك.

لكن على أرض الواقع، يبدو أن هناك فارق كبير بين تصريحات المسؤولين في حماس وبين الخطوات التي يتم اتخاذها على الأرض من قبل الذراع العسكري. عمليا، على الرغم من التزام حكام غزة بوقف التهريب من سيناء وإليها وحتى الإعتقالات التي تم تنفيذها في غزة (التي تلاها إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل قبل يومين فقط، والذي أعلنت “سرية عماد حديد” التابعة للتيار السلفي مسؤوليتها عنه)، تحافظ حماس على منظومة مصالح واتصالات حساسة ومعقدة مع مقاتلي داعش في سيناء.

بحسب مصادر عربية وإسرائيلية وفلسطينية عدة، منذ الزيارة التي قام بها مسؤولو حماس إلى القاهرة قبل حوالي شهرين، يتواصل على نفس النسق تقريبا إدخال مصابي داعش لتلقي العلاج الطبي في غزة وتهريب الأسلحة من وإلى سيناء يسير تحت إشراف عناصر الذراع العسكري لحركة حماس، وعمليا فإن الأمور تسير كالمعتاد.

منسق أتشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي، الميجر جنرال يوآف مردخاي، في 2015. (Gershon Elinson/Flash90)

منسق أتشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي، الميجر جنرال يوآف مردخاي، في 2015. (Gershon Elinson/Flash90)

منسق أنشطة الحكومة في الأراض يوآف مردخاي تحدث عن بعض هذه الأمور في مقابلة لموقع “إيلاف” السعودي، ولاقت تصريحاته طبعا نفيا قاطعا من قبل حماس. ولكن مصادر أخرى أيضا، ليس إسرائيلية ومن ضمنها مصادر من داخل القطاع، تؤكد أن المستشفي في خانيونس على سبيل المثال قدم العلاج في الأشهر العشرة الأخيرة لعشرات مقاتلي داعش، وهي معطيات مذهلة بالنظر إلى الوضع الحساس لحركة حماس مع مصر.

يحيى السنوار (screenshot)

يحيى السنوار (screenshot)

نقل المصابين ليس مبادرة لناشط صغير حاول إيجاد طريقة لكسب المال. الحديث يدور هنا عن سياسة منظمة لحركة حماس بدأت في منتصف 2015. من يشرف على العلاج الطبي للمقاتلين هؤلاء نيابة عن حماس هو ناشط معروف للحركة من مخيم خانيونس للاجئين، يُدعى محمد السوطري. من نفس مخيم اللاجئين الذي خرجت منه النواة الصعبة للذراع العسكري: محمد ضيف ويحيى ومحمد سنوار، وآخرون من مؤسسي الذراع العسكري في غزة.

محمد الضيف

محمد الضيف

الميجر لفتنانت مردخاي ذكر اسمين من هؤلاء، وهما إبراهيم مطر، الذي يساعد السوطري في عملية تنسيق العلاج الطبي لمقاتلي داعش، وسعيد عبد العال، غزاوي من رفح مسؤول عن تنسيق النشاط العسكري لداعش في القطاع (المقصود كما يبدو التدريبات).

ولكن قد يكون العامل الأكثر إشكالية بالنسبة للقاهرة هو ظاهرة تهريب الأسلحة بين غزة وسيناء. مع أن عمليات التهريب تضاءلت بصورة كبيرة لكن حماس ما زالت قادرة على تهريب كميات صغيرة من الأسلحة إلى القطاع وكذلك تهريب أسلحة من غزة إلى سيناء. وبسبب النشاط المصري المكثف ضد الأنفاق على الحدود، يتم جزء من عمليات التهريب هذه عبر البحر.

علاوة على ذلك، على الرغم من عملية الإعتقال التي تم تنفيذها قبل بضعة أيام، اجتاز عدد من نشطاء حماس سابقا (الذين يميلون في توجههم الأيديولوجي للتيار السلفي) في الأسابيع الأخيرة الحدود وانضموا للقتال في سيناء ضد الجيش المصري. أحد هذه الأسماء هو موسى عبد الله المر، الناشط السابق في الذراع العسكري والذي قُتل خلال معارك في شبه جزيرة سيناء ضد الجيش المصري وقامت عائلته بفتح خيمة عزاء في رفح.

كل هذا النشاط عبر الحدود يتم تحت سمع وبصر المصريين، الذي سمعوا الوعود التي قطعها المسؤولون في حماس وشاهدوا بدهشة كيف تقوم الحركة، وخاصة عناصر الذراع العسكري التابع لها، بما يحلو لها مع المحافظة على منظومة المصالح والتعاون النادرة مع داعش.

تجدر الإشارة إلى أن رد الفعل المصري يدل هو أيضا على ارتباك معين وربما عدم وجود إستراتيجية واضحة.

فتح المصريون لفترة قصيرة معبر رفح بهدف التخفيف على الأزمة الإنسانية. في المقابل سمحوا بإدخال عشرات الأطنان من الأسمنت للقطاع، في الوقت الذي تمت الإشارة فيه إلى نقص كبير لهذه المادة وللخشب، رغم أنهم يدركون أن حماس تقوم بإستخدام الأسمنت والخشب لبناء أنفاق ومن ضمنها أنفاق تمتد إلى سيناء.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قيام الجيش المصري بإراق أنفاق تهريب تم حفرها تحت الحدود بين مصر وغزة، في رفح جنوبي قطاع غزة، 18 سبتمبرن 2015. ( Abed Rahim Khatib/ Flash90)

فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قيام الجيش المصري بإراق أنفاق تهريب تم حفرها تحت الحدود بين مصر وغزة، في رفح جنوبي قطاع غزة، 18 سبتمبرن 2015. ( Abed Rahim Khatib/ Flash90)

وعلى الرغم من أنه يمكنتفسير ذلك كلفتات إنسانية من قبل مصر، أدرك المسؤلون في الإستخبارات المصرية أن قيادة الذراع العسكري مثل محمد ضيف ويحيى سنوار، لا تعتزم إصدار أوامر قريبا بالوقف الكامل للتعاون مع داعش. وهكذا، مع اقتراب شهر رمضان، لا يبدو أنه يستتم فتح معبر رفح لأيام طويلة.

أو بكلمات أخرى، بعد حوالي عامين من عملية “الجرف الصامد”، وبعض التصريحات التي أعطت أملا بأن العلاقات بين القاهرة على وشك أن تشهد تغييرا نحو الأفضل، تبين أن الوضع ليس كذلك: يعود القطاع إلى الروتين الخطير المتمثل بتوتر مع مصر ووضع إنساني آخذ بالتدهور. كل ما تبقى هو أن نأمل ألا نشاهد إعادة لصيف 2014.