في الوقت الذي يتحرك فيه الرئيس السوري بشار الأسد ومواليه المدعومين من إيران باتجاه إسرائيل، فإن الشيء الوحيد الذي يقف في طريقهم هم مجموعة من المتمردين المسلحين.

على مدى الأيام القليلة الماضية، تحدث قائد في قوات المتمردين يُدعى بكنبة أبو محمد الأخطبوط الأسمر، مع تايمز أوف إسرائيل حول خطط المجموعة في محارية الجيش السوري ومنظمة “حزب الله” والمجموعات الشيعية، بعد سقوط بلدة بيت جن، التي تبعد نحو تسعة كيلومترات شمال شرق الحدود الإسرائيلية، في أواخر الشهر الماضي.

مجموعته، التي تُعرف بإسم “الجبهة الوطنية لتحرير سوريا”، مكونة من 12 مجموعة من منطقة القنيطرة التي وحدت قواها معا في الصيف الأخير. مع أيديولوجيات مختلفة ومجموعة واسعة من القدرات العسكرية، لا تتفق هذه المجموعة بالضرورة على كثير من الأمور، لكن المئة ضابط الذين يكونون المنظمة الأم  أقروا بالحاجة إلى إبقاء الأسد والقوات المدعومة من إيران بعيدا عن الحدود، كما قال الأخطبوط.

وقال الأخطبوط (أطلق عليه هذا الأسم من قبل قائد أكبر سنا منه مع بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011، الذي كان يقول له: “أنت مثل الأخطبوط، لديك يد في كل شيء”)، الذي يعمل كمتحدث باسم المجموعة، أن “المسألة الآن هي الدفاع عن المنطقة لأننا نريد الحفاظ عليها”.

وتابع قائلا إن “الحدود مع إسرائيل هامة من الناحية السياسية والدولية. أنا لا أقول ذلك لأنك إسرائيلي وأنا أتحدث معك. ولهذا السبب نقوم بالدفاع عن هذه المنطقة بشراسة”.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس السوري بشار الأسد في الكرملين في موسكو، 20 اكتوبر 2015 (ALEXEY DRUZHININ / RIA NOVOSTI / AFP)

مع دخول روسيا في الحرب الأهلية في عام 2015 وبعد أن بدأ الأسد بتحقيق المزيد من الإنتصارات الميدانية، زادت المخاوف في صفوف المسؤولين الإسرائيليين من أنه في حال نجح الطاغية السوري بطرد المتمردين من هضبة الجولان، قد يتمكن وكلاء إيران من السيطرة على مواقع على الحدود. من هناك، بإمكان هذه المجموعات المدعومة من إيران فتح جبهة ثانية في حال دخلت إسرائيل في حرب مع منظمة “حزب الله” اللبنانية.

لذلك يعمل المسؤولون الإسرائيليون مع نظرائهم الروس والأمريكيين – وهما وسيطا القوة الرئيسيان في سوريا – على محاولة تهدف إلى إبقاء المنظمات المدعومة من إيران بعيدا عن المنطقة في إطار اتفاق وقف إطلاق نار. بالإضافة إلى ذلك، أشار رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت إلى أن الجيش يقوم باتخاذ خطوات عسكرية لمنع ترسيخ إيران لوجودها في المنطقة.

وسعت إسرائيل أيضا إلى تدعيم هذا الأمر من خلال توفير المساعدة الإنساية والمساعدة العسكرية – بحسب تقارير أجنبية – لمجموعات المتمردين السوريين على الطرف الثاني من الحدود.

في السنوات الأخيرة تم عزل قوى المعارضة بصورة كبيرة، ونجاحها في الصمود يعود في الأساس إلى المساعدات الإنسانية من الخارج، وليس من إسرائيل فقط، بل من الأردن ومجموعات إغاثة دولية أيضا.

هناك حاجة شديدة إلى الدعم. يؤكد الأخطبوط، متحدثا في إرسال متقطع عبر”سكايب”، على أن بيت جن لم تتعرض إلى هزيمة عسكرية، ولكنها سقطت بسبب الحصار الواسع الذي فرضه الأسد.

وقال الأخطبوط إن “[قوات الأسد] لم تنتصر في بيت جن – لم يكن ذلك انتصار عسكريا. لقد كان [المتمردون] تحت حصار لمدة عام. لقد كان ذلك استنزافا”.

سقوط بيت جن

في 29 ديسمبر، ترك العشرات من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم منطقة بيت جن في إطار اتفاق وقف إطلاق نار، وتوجهوا في الحافلات إلى منطقة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون، في شمال غرب سوريا، بعد صمودهم لنحو عام بعد تجدد محاولات نظام الأسد في تجويع البلدة.

الآن وبعد أن سقطت بين جن، يخشى الأخطبوط من أن يكون بمقدور جيش الأسد والميليشيات المدعومة من إيران والموالية له بتحويل انتباههم إلى آخر معاقل المجموعة وقطع وصولهم إلى الإمدادات بصورة أكبر.

وأضاف: “بإمكاننا القول إنهم يعملون على الإستيلاء على هذه المنطقة ونحن نعمل على منع ذلك من الحدوث”.

يوم الخميس، اجتمعت القيادة العليا لمجموعات معارضة متنوعة في منطقة القنيطرة في موقع لم يتم الكشف عنه لإجراء نقاش ضمن سلسلة من النقاشات حول خطواتهم التالية.

صباح الجمعة، قال الأخطبوط في رسالة له إن المجموعات قررت شن هجمات مختلفة “من أجل تحرير بعض المواقع”، وفي الوقت نفسه تجهيز “خطط دفاعية في حال حدوث غزو من قبل الأسد والقوات الإيرانية”.

قائد المتمردين السوريين، الأخطبوط، في مقابلة مع قناة تلفزيوينة في أكتوبر 2017. (لقطة شاشة: Orient News)

وقال إن المنطقة الرئيسية التي تحت التهديد هي جباتا الخشب، إلى جانب خان أرنبة والحميدية، التي تقع جميعها في المنطقة منزوعة السلاح بين إسرائيل وسوريا أو بالقرب منها.

وقال: “نرى من هذا السلوك إنهم يحاولون قطع الوصول إلى جباتا. نحن نحاول فرض حصار على جباتا. هم يحاولون القيام بما قاموا به في بيت جن، لأن ذلك نجح هناك”.

بحسب خريطة عرضها قائد المتمردين يوم السبت، تسيطر قوات الأسد والميليشيات التي تحارب إلى جانبها في الوقت الحالي على الكثير من البلدات المحيطة بجباتا الخشب؛ بيت جن وجبا ودير ماكر (جميعها معلمة بالأحمر في الخريطة أدناه، في حين أن بلدة المتمردين معلمة بالأزرق).

مقدمة من اخطبوط

سيطرة النظام على جبا بالأخص تمكن الأسد من قطع جباتا الخشب عن بقية المنطقة التي يسيطر عليها المتمردون، كما قال.

تظهر الخريطة أيضا أن ما تبقى من قوات المتمردين في القنيطرة محاصرة هي أيضا، حيث تسيطر قوات الأسد على بلدات دير العدس والصنمين وبرقا والشيخ مسكين.

ومن غير الواضح مدى كبر الدور الذي لعبته منظمة “حزب الله” والميليشات المدعومة من إيران في القتال في جنوب سوريا.

مسؤولون إسرائيليون ومؤيدون للمتمردين أكدوا على دورهم. وقال الأخطبوط إن هذه المنظمات المدعومة من إيران – بما فيها “حزب الله” – هي “أكثر شيء مخيف في الوقت الحالي. إنهم مشكلتنا الأكبر”.

ولكن بحسب المحلل أيمن جواد التميمي من معهد الأبحاث “منتدى الشرق الأوسط”، فإن ليس كل هذه المزاعم مدعومة بحقائق على الأرض. في مقال نشره مؤخرا على موقعه الإلكتروني، قال التميمي إن الفرقتين السابعة والرابعة للجيش السوري تقود الجهود على مرتفعات هضبة الجولان، مع مساعدة محدودة من القوات المدعومة من إيران.

طلب على الأسلحة وحليب الأطفال

في الوقت الذي تستعد فيه “الجبهة الوطنية لتحرير سوريا” لشن حملاتها الهجومية والدفاعية، عليها التعامل مع مخازن الأسلحة المحدودة.

وقال الأخطبوط أنه “تم قطع الدعم العسكري عنا على مدى العام الأخير (…) العديد من مصادر العتاد لدينا جفت أيضا”.

وأشار إلى أن محدودية وصول الأسلحة والإمدادت المختلفة لعبت دورا مركزيا في جمعهم معا في مجموعة واحدة في شهر يوليو، بعد انتهاء برنامج تدريب ودعم أردني.

وعندما سئل الأخطبوط عن نوع الأسلحة والذخيرة التي ظلت في ترسانتهم، رفض إعطاء إجابة، وقال مازحا إن الأمر بدا وكأنه يخضع للتحقيق لدى المخابرات.

لكن قائد المتمردين تحدث بإيجاز عن الوضع الإنساني في الجولان السوري، ولكنه امتنع عن التعليق على شحنات الإغاثة التي تقوم إسرائيل بإرسالها إلى المنطقة وقال إنه ليس خبيرا في هذه المسألة.

بدءا من عام 2013، بدأت إسرائيل بتوفير العلاج الطبي للمصابين السوريين في المعارك الذين يصلون إلى الحدود. بداية أقام الجيش مستشفى ميدانيا، ولكن تحول في النهاية إلى نقل الجرحى إلى مستشفيات في شمال إسرائيل.

في هذه الصورة غير المؤرخة التي تم نشرها في 19 يوليو، 2017، تقوم جندية إسرائيلية بإطعام طفل سوري في إسرائيل في إطار برنامج المساعدات الإنسانية الذي أطلقه الجيش لمساعدة السوريين المتأثرين من الحرب الأهلية في بلادهم. (Israel Defense Forces)

في العام الماضي، وسعت إسرائيل برنامج مساعداتها الإنسانية بشكل كبير، والذي أطلق عليه اسم “حسن الجوار”، وبدأت أيضا بتقديم المساعدة للمدنيين الذين يعانون من أمراض مزمنة بالإضافة إلى الجرحى. وبدأت إسرائيل أيضا بإرسال شحنات من المواد الغذائية والوقود وسلع أخرى.

بحسب الجيش الإسرائيلي، في عام 2017، سهل الجيش تحويل نحو 700 طن من المواد الغذائية ونصف مليون لتر من الوقود وأكثر من 14,000 حاوية من حليب الأطفال.

وكان الجيش واضحا منذ البداية بأنه على الرغم من أن المهمة الرئيسية هي مساعدة المدنيين في البلد الذي مزقته الحرب، فإن هدفه الثانوي أو الهامشي هو خلق نوايا حسنة اتجاه إسرائيل في صفوف هؤلاء الناس من أجل زرع بذور علاقات أفضل في المستقبل.

في الأشهر الأخيرة، شهدت كمية المساعدات “تراجعا”، بحسب الأخطبوط.

جنود إسرائيليون يقفون إلى جانب إمدادات غائية يتم تحضيرها كمساعدات إنسانية للسوريين المتأثرين من الحرب الأهلية في بلادهم.، 19 يوليو، 2017.(AFP/MENAHEM KAHANA)

قضية إرسال مساعدات إنسانية إلى داخل سوريا من إسرائيل – بالإضافة إلى المساعدة العسكرية، بحسب تقارير أجنبية – شكلت مسألة مثيرة للجدل لأن البلدين لا يزالان تقنيا في حالة حرب.

نظام الأسد استخدم مرارا وتكرارا هذه المساعدات في حملاته الدعائية ل”إثبات” أن قوات المعارضة هي في الواقع صهيونية في محاولة لتشويه سمعتها.

بعض الصور الأولى التي ظهرت من بيت جن بعد استيلاء نظام الأسد عليها كانت صورا لمنتجات غذائية تحمل كلمات بالعبرية.

ومع ذلك، بحسب الأخطبوط، فإن معظم الأشخاص في جنوب سوريا لا يقومون بإزالة العلامات العبرية عن المواد الغذائية ومنتجات إنسانية أخرى دخلت عبر الحدود، باستثناء أولئك الذين يحاولون بيع المساعدات لتحقيق بعض الأرباح.

 

في هذه الصورة غير المؤرخة التي تم نشرها في 19 يوليو، 2017 ، يقوم جنود إسرائيليين بتجهيز مساعدات إنسانية في إطار حملة ’حسن الجوار’ التي أطلقها الجيش الإسرائيلي لمساعدة المدنيين في هضبة الجولان السورية. (IDF spokesperson

وقال إن “الأشخاص أصحاب المصلحة الخاصة يقومون بإزالة العلامات – هم الوحيدون الذين يقومون بذلك”.

لكن الأخطبوط يقول إن معظم الناس لا يحاولون تحقيق أرباح من المساعدات، ويقومون بإعطائها مجانا.

وقال: “هناك أشخاص يقومون بعمل جيد، ونحن نحاول إبقاء الأمور تحت السيطرة حتى نستفيد من المساعدات قدر الإمكان”.

وأضاف: “ولكن هناك من يهتمون بمصلحتهم الشخصية، بدلا من أن يستفيد الجميع بنفس الدرجة حتى نتمكن من تحمل الضغوط [من قوات الأسد]”.

وقال قائد المتمردين إن الأمور الرئيسية التي يحتاج إليها المدنيون في المنطقة هي حليب الأطفال والطحين والأدوية.

في هذه الصورة غير المؤرخة التي تم نشرها في 19 يوليو، 2017 ، يقوم جنود إسرائيليين بتجهيز مساعدات إنسانية في إطار حملة ’حسن الجوار’ التي أطلقها الجيش الإسرائيلي لمساعدة المدنيين في هضبة الجولان السورية. (Israel Defense Forces)

وقال إن هناك نقص شديد في حليب الأطفال، الذي توجد صعوبة في إنتاجه محليا، وأضاف أنه “شيء نحن في حاجة دائمة له ودائما نعاني من نقص فيه”.

غير أن الأخطبوط قال إنه على الرغم “من وجود نقص بالطبع”، فإن المناطق التي تقع تحت سيطرة المتمردين نجحت بالصمود حتى الآن، وأضاف أن “الأمر ليس بهذه الخطورة – لم نصل إلى هذه المرحلة بعد – لكن يكفي أن نشعر بعبء ذلك”.

وهو عبء لدى إسرائيل السبب في أن تكون شاكرة للإخطبوط ورفاقه من المتمردين على تحمله.