جيه تي ايه – المشاهد التي بثها البرنامج الإخباري الإسرائيلي بدت كأدلة دامغة: ناشط من اليسار، يقود سيارته غرب طرق الضفة الغربية، ويصف قيامه بتسليم سماسرة عقارات فلسطينيين إلى السلطات الفلسطينية، وتعريضهم إلى خطر الحكم الإعدام.

وعن السؤال حول ما الذي يحل بالفلسطينيين المتورطين في الصفقات التي اعترف بأنه هو من يقوم بتدبيرها، قال عزرا ناوي بأن السلطة الفلسطينية “تمسك بهم وتقتلهم”. بيع الأراضي لليهود يُعتبر جريمة يُعاقب عليها بالإعدام بموجب القانون الفلسطيني.

وتم إعتقال ناوي، وهو يهودي إسرائيلي يُعرف عنه إحتجاجه عل الإستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بعد وقت قصير من بث التقرير في 8 يناير على برنامج التحقيقات “عوفدا” بينما كان يحاول السفر إلى خارج البلاد. وتم إعتقال ناشطين آخرين – غاي بوتافيا، وهو أيضا يهودي إسرائيلي، وناصر نواجعه، وهو عامل ميداني فلسطيني يعمل لصالح منظمة حقوق الإنسان “بتسيلم”. وتم إطلاق سراح ناوي وبوتوفيا ووضعهما رهن الحبس المنزلي الأحد، بينما تم إطلاق سراح نواجعة في اليوم التالي.

وأثار تقرير “عوفدا” ضجة في إسرائيل وسلط الضوء على التوتر المتصاعد بين نشطاء اليسار واليمين. المجموعات اليسارية، الغاضبة أصلا من مشروع قانون شفافية المنظمات غير الحكومية معتبرة أنه يهدف إلى تقويضها، قالت إن شريط الفيديو والعملية السرية التي تم تصويره من خلاهما يقعان ضمن جهود أوسع لكم أفواه المنتقدين الليبراليين للحكومة.

في معسكر اليمين، اعتُبرت المشاهد بأنها دليل إضافي على نفاق حركات اليسار – التي تسعى إلى الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ولكنها مستعدة للتضحية بأفراد فلسطينيين.

يوسي كلاين هليفي، من معهد شالوم هارتمان، يقول، “هذا مثال كلاسيكي على كيفية تحول أيديولجيين متزمتين إلى أشخاص غير إخلاقيين يقومون بإفساد المثل التي عمدوا إلى دعمها”، وأضاف، “هذا هو الدليل الدامغ على اليسار المتطرف – ليس فقط إعتراف ناوي، بل الرد المشين لرفاقه، الطريقة المشينة التي وقف من خلالها زملاؤه إلى جانبه وهاجموا المنتقدين”.

تم إلتقاط الصور في صيف 2014 على يد منظمة “عاد كان”، وهي مجموعة مؤيدة للإستيطان تهدف إلى إجراء تحقيقات سرية عن منظمات حقوق الإنسان. في الفيديو، يعترف ناوي بالتغرير بسماسرة للدخول في صفقات حتى يقوم بتسليمهم للسلطات الفلسطينية، حيث يمكن أن يواجهوا حكم الإعدام.

في أحد المشاهد، يظهر ناوي وهو ينتحل شخصية سمسار في لقاء مع فلسطيني معني ببيع أرضه لليهود. بعد ذلك يظهر ناوي وهو يطلب المساعدة من ناشطين آخرين – بوتافيا ونواجعة – وكذلك مسؤول في المخابرات الفلسطينية لتنبيه القوات الفلسطينية.

وقال أمير فوكس، رئيس مشروع الدفاع عن القيم الديمقرطية في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، بأن “ما تم الكشف عنه يستحق كل الشجب”، لكنه أضاف إنه “من الواضح أن ذلك جزء من حملة طويلة لنزع الشرعية ومحاولة تصوير منظمات حقوق الإنسان كمزروعين وكوكلاء أجانب وكأعداء”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كتب في 8 يناير على موقع فيسبوك بأن “التحقيق يتطلب إدانة لا لبس فيها من جميع أطراف المجتمع الإسرائيلي”.

حتى اليوم، لم تقم أية منظمة حقوق إنسان كبرى بتلبية طلب رئيس الوزراء. بدلا من ذلك، تظاهر عدد من النشطاء دفاعا عن ناوي. خارج قسم الشرطة في القدس حيث تم إحتجاز ناوي والناشطين الآخرين، إحتشد متظاهرون في الأسبوع الماضي وحملوا لافتات تحمل صورهم. منظمة “صوت يهودي من أجل السلام”، وهي مجموعة تدعم حركة المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ومقرها في كاليفورنيا، قامت بإرسال رسالتي بريد إلكتروني في الأسبوع الماضي دافعت فيهما عن ناوي.

حاغاي إلعاد، المدير التنفيذي لمنظمة “بتسيلم”، قال لجيه تي ايه بأن الفيديو الذي يظهر فيه ناوي قامت بتصويره مجموعة تهدف إلى تشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية ولا توجد فيه أية أدلة على إرتكاب مخالفات. سمسار الأراضي الذي إلتقى فيه ناوي في الفيديو، هو عربي مواطن إسرائيل، وهو على قيد الحياة وبصحة جيدة.

وقال إلعاد، “هناك سياق مفقود”، وأضاف: “لديهم نظرة معوجة عن الواقع في تلال الخليل الجنوبية، حيث يصارع الفلسطينيين ضد كل الصعاب للحفاظ على أراضيهم. إن هذا عمل ترويجي لمجموعة ترى بنشطاء اليسار أعداء”.

تقرير “عوفدا” جاء وسط إنتقادات مستمرة تتعرض لها مجموعات يسارية في إسرائيل. في ديسمبر، منعت الحكومة الإسرائيلية “كسر الصمت”، وهي منظمة تضم جنود سابقين في الجيش الإسرائيلي تقوم في معظم الأحيان بنشر روايات لجنود من دون ذكر هوياتهم حول قيام الجيش الإسرائيلي بإنتهاكات مزعومة في الضفة الغربية، من الظهور في مدارس وقواعد عسكرية.

في شهر ديسمبر، أطلقت منظمة “إم ترتسو” اليمينية حملة اتهمت مجموعات اليسار فيها بأنها “مزروعة” تعمل لصالح دول أجنبية. يوم الإثنين، كان من المقرر أن تصوت الكنيست في قراءة أولى على مشروع قانون يلزم منظمات غير حكومية إسرائيلية تحصل على معظم أموالها من حكومات أجنبية بالإعلان عن مصادر تمويلها في تعاملها مع النظام السياسي، على الرغم من موجة كبيرة من المعارضة من جانب منظمات يهودية أمريكية.

بوتافيا، أحد النشطاء المعتقلين، يرى بإعتقاله جزءا من هذه الجهود. ولا يظهر عليه الندم عند تصويره وهو في طريقه إلى قاعة المحكمة برفقة رجال الشرطة.

في شريط فيديو نشره موقع “أكتيفستيلز”، وهو موقع صور لمصورين من اليسار، قال بوتافيا، “هذا إعتقال سياسي بحت”، وأضاف، “إن هدفه الوحيد هو منع نشاط حقوق الإنسان في الأراضي (الفلسطينية)، وضد جرائم ومجرمي الإحتلال. لن ينجحوا في كسرنا”.