عندما كان المعارض السوري كمال اللبواني من سنه التاسعة في سجن “عدرا” خارج دمشق، التقى مع فتى من بلدته “الزبداني” والذي تم سجنه للتو من قبل نظام الاسد. كان ذلك في يونيو 2011.

“كان يبكي. سألته: ’هل ضربوك؟ هل أنت مصاب؟’ فقال لي: ’بأي حق يقوم أمن الدولة بالاعتداء على جنسيا؟ كل ما فعلته هو التظاهر.’ بعد شهر كان يحمل السلاح.”

لم يكن من المفروض أن تتحول الثورة السورية إلى العنف، يقول اللبواني للتايمز أوف إسرائيل في محادثة هاتفية من عمان، الأردن، متذكرا الأيام الأولى من الثورة، والتي اندلعت في مدينة درعا الجنوبية في شهر مارس 2011. قام السوريون بحمل السلاح، كما قال، بعد أن قام نظام الأسد بمعاملة الشعب “بطريقة إجرامية وغير مقبولة.” الآن، يؤكد اللبواني، لا يمكن التراجع عن إسقاط بشار الأسد بكل الوسائل الممكنة.

“نزاعنا مع الأسد ليس سياسيا. إنه جنائي. قام الرجل بارتكاب جرائم والفساد والاستبداد- كل ها ثانوي. ولكنه قام عمدا بإذلال الناس وقتلهم بدم بارد. لهذا السبب بدأت الثورة.”

من النارد جدا أن يقوم معارض سوري بالتحدث علنا مع وسائل إعلام إسرائيلية، ولكن اللبواني، الذي طلب اللجوء السياسي في السويد، يعتقد أن الثورة السورية قامت بكسر الكثير من المحرمات العربية، بما في ذلك المحرمات العربية الثقافية على إشراك إسرائيل.

كمال اللبواني (من شاشة اليوتوب)

كمال اللبواني (من شاشة اليوتوب)

ويقول اللبواني، “أنا لست بالشخص الوحيد [الذي يتحدث مع الإسرائيليين]؛ هناك الكثيرون مثلي. دمرت ثلاث سنوات من الثورة الكثير من المبادئ الفكرية والثقافية،” ويضيف، “لقد بدأ الناس اليوم بالتفكير خارج الصندوق، واستكشاف أمرين أساسيين: تغيير أنفسنا وطلب المساعدة.”

اللبواني غاضب من الغرب والعالم العربي. فهو يشعر أن المعسكرين خيبا أمل الشعب السوري، وحرمان قوى المعارضة المعتدلة من إسقاط الأسد بأسسلحة ضرورية. من ناحية سياسية، قامت الدول العربية- إلى جانب القوى العظمى الغربية- بتعيين مغتربين سوريين فاسدين لتمثيل المعارضة في المنفى، مما حرمها من كل الشرعية في صفوف الجمهور السوري.

ويقول أن “إسرائيل قادرة على تغيير الجو العام الدولي،” ويضيف، “تربطكم علاقات مع جميع مراكز صنع القرار في الدول المجاورة، وبامكانكم تغيير الآراء إذا أقنعتم بذلك.”

الكثسرون في الغرب مسرورون لرؤية سوريا كساحة القتال بين حزب الله والقاعدة لسفك دماء بعضهم البعض، فيما يبدو كحرب استنزاف لا نهاية لها. ولكن اللبواني يعتقد أن طريقة التفكير هذه خاطئة؛ إسرائيل ستعاني من حرب أهلية طويلة الأمد، وهي الدولة الوحيدة القادرة على اقناع العالم بالتخلص من الأسد.

“إن القوى الدولية هي التي تتآكل، بينما تزداد قوة القوى المتطرفة. حزب الله أقوى بكثير اليوم، ويمتلك أسلحة إستراتيحية. نصف الأسلحة الكيميائية التي امتلكها نظام [الأسد] أعطيت له. المناطق التي يحتلها [حزب الله] اليوم إما يسكنها شيعة عراقيون أن من حولوا دينهم إلى الشيعية… هذا يشكل خطرا كبيرا ليس بالنسبة لي فقط، ولكن بالنسبة لكم [إسرائيل] أيضا.”

“إذا كنتم تريدون أن تكونوا أصدقاء مع السوريين، ابعثوا برسالة صداقة. أنا أقول لكم أن أبناء شعبي مستعدين.”

كان للمستشفى الميداني الذي أنشئه الجيش الإسرائيلي على الحدود السورية تأثير إيجابي كبير على صورة إسرائيل في صفوف الجمهور في جنوب سوريا، حسبما قال اللبواني. مع ذلك، فإن معظم السوريين لا يزالون مقتنعين بأن إسرائيل تدعم بشار الأسد، وهو شعور يمكن تغييره من خلال موقف إسرائيلي واضح.

“إذا كان 90 بالمئة من السوريين اليوم يعتقدون أنكم تدعمون الأسد، فما الشيء الذي كسبتموه؟ لا شيء. في رأيي، فإن إعلان سياسي واضح من قبل إسرائيل يقول أن الأسد هو مجرم سيكون له تأثير هام. اليوم نحن نسمع تصريحات متضاربة.”

ولكن موقف أخلاقي من قبل إسرائيل هو ليس بالأمر الكافي. على إسرائيل أن تقدم المساعدات العسكرية للقوات السورية التي تقاتل الأسد، استنادا على “مسؤولية الحماية” المعترف بها دوليا،” كما يقول اللبواني.

ويضيف اللبواني، “إذا ساعدتمونا فقط على اعتراض التحليق المنخفض لمرحيات [النظام] من خلال توفير كمية محددة من الأسلحة المضادة للطائرات، بموافقة أمريكية، سيكون لذلك تأثير كبير، أخلاقيا وعسكريا.” ويضيف،” هناك مليون طريقة بالإمكان من خلالها إعطاء هذه الأسلحة لأشخاص معترف بهم [في المعارضة]. لهذه الأسلحة ’بصمات’ ووسائط تعطيل.”

بدلا من ذلك، كما يقول، تستطيع إسرائيل الإعلان عن منطقة حظر طيران في جنوب سوريا، كما فعل الناتو في ليبيا في سعيه لإسقاط معمر القذافي. خطوة كهذه من شأنها أن تتسبب بشكل فوري بدعم شريحة كبيرة من المجتمع السوري للسلام والتطبيع مع إسرائيل.

وأثارت مقابلة نُشرت مع اللبواني في الشهر الماضي، جاء فيها أنه عرض على إسرائيل السيطرة على هضبة الجولان مقابل الدعم العسكري للمعارضة السورية، موجة من الانتقادات في العالم العربي اتهمته بالخيانة لصالح الدولة اليهودية. ولكن المعارض السوري قال للتايمز أوف إسرائيل أنه تم تحريف أقواله، حيث أنه بالكاد اقترح التفاوض حول الأرض المتنازع عليها، والتي استولت عليها إسرائيل عام 1967.

وقال مازحا، “إذا كان الأمر يتعلق ببيع [الجولان]، فسأبيعه للأردن إذا كانت على استعداد لشرائه،” وأضاف بعد ذلك بطريقة جدية اكثر: “يمكننا أن نفتح جامعات ومناطق صناعية وحدائق. بالإمكان استخدام الجولان كملاذ للسلام… بالإمكان إدارة المنطقة بطريقة من شانها أن تهدئ من مخاوف الطرفين.”

وحذر اللبواني من أن هناك فرصة سانحة حاليا للأمل بالتعاون بين إسرائيل والجمهور السوري، ولكن هذه الفرصة لن تظل سانحة إلى الأبد.

“أنا أخشى من أنه إذا لم تقم [إسرائيل] بالاستجابة… فإن الشعب [السوري] لن يرغب بالقيام بأي شيء لكثير من السنوات.”

وقد نقل اللبواني هذه الرسائل لصناع القرار في إسرائيل، الذين تلقوا الرسائل حسب أقواله. ولكنه معني بالتواصل المباشر مع الجمهور الإسرائيلي، في محاولة منه لخلق قاعدة دعم واسعة لأفكاره.

في شهر يناير، استقال اللبواني من اللجنة السياسية للائتلاف الوطني السوري، وهي مجموعة معارضة سورية تم إنشاؤها في قطر في أواخر عام 2012 وحاليا يرأسها أحمد الجربا. وكان السبب المباشر لاستقالته هو استعداد المعارضة للمشاركة في مفاوضات “جنيف 2” مع نظام الأسد في شهر فبراير.

“أنا أعتقد أن الخطوة جاءت لإعادة بناء نظام [الأسد]،” كما يقول اللبواني. “لقد أنشأنا التحالف [السوري] لإسقاط النظام، وليس للدخول في حوار معه.”

ويضيف اللبواني أن الفرق الغربية والعربية المكلفة بالإشراف على المداولات كانت “غبية للغاية،” واتهمهم بتجاهل الواقع السوري.

“السعوديون كانوا الأسوأ، وجاء بعدهم الفرنسيون والبريطانيون والأمريكيون. لقد عملوا بطريقة سيئة للغاية، مما أدى إلى كارثة كان يمكن تجنبها وقوعها.”

بدلا من بناء قدرات لمؤسسات سورية، قام المفاوضون الغربيون بتعيين “عملاء أو متعاونين” لهم، مرتبطين في الغالب مع الإخوان المسلمين، على أمل أنهم سيصبحون المعارضة السورية الشرعية. وقاموا أيضا بتعيين ممثلين “مزيفين” للأقليات السورية مع عدم وجود دعم شعبي لهم داخل البلاد، مهمشين بذلك السوريين “الذين قاتلوا وتم ترحيلهم” من عملية صنع القرار.

“أكثر من مرة سمعت الأمريكيين يقولون أن ’على الإخوان المسلمين قيادة هذه المرحلة.’ وقلنا لهم: ’إن الإخوان متطرفون، وليسوا بمعتدلين. هذا ليس بإسلام ملائم للحضارة. ينبغي ان تكون هناك قراء أخرى للعقيدة الإسلامية، والتي لم تظهر بعد، ولكن ساعدونا على إنشائها.”

وحسب اللبواني، الدول العربية غير معنية بالديمقراطية السورية ولكن بإضعاف إيران فقط. يسعى الغرب من جهته للاستقرار من خلال الحفاظ على نظام الأسد أو “دولته العميقة”. يتهم اللبواني الولايات المتحدة بالذات بإيواء المشاعر العنصرية تجاه السوريين.

ويقول اللبواني، “لم ألمس فقط سوء فهم [من قبل الأمريكيين] ولكن تفكيرا عنصريا أيضا. لا يوجد هناك تضامن، ولا مفهوم بأننا شعب مع هوية مختلفة، لدينا الحق بالتعبير عنها… حتى الآن، الفريق الأمريكي غير متعاطف مع الشعب السوري. هو مكلف بحمايتنا، ولكنه لا يحبنا. هناك تناقض معين… أنا أعتقد أن إحباط المعارضة كان هدفا إستراتيجيا بهدف الحفاظ على نظام [الأسد].”

وقد استُخدم اللبواني بنفسه كجزء من محاولة الغرب لإضفاء الشرعية على المعارضة، وتم إدراج اسمه كعضو في “المجلس الوطني السوري” خلال مكوثه في السجن عام 2011، من دون إعلامه بذلك.

ويقول اللبواني، الذي تم الإفراج عنه من السجن بعد ثمانية أشهر من الثورة السورية نتيجة لضغوطات مكثفة من الجامعة العربية ومجموعات دولية حقوقية، “لقد استخدموا اسمي للإدعاء بأن لديهم الدعم من الداخل، وبأن المعارضين يقفون إلى جانبهم.”

“انظر إلى مدى ذكائهم،” أضاف بطريقة ساخرة، في إشارة منه إلى ربط اسمه بالمعارضة بينما كان لا يزال يقضي عقوبة لإدانته بالقيام بأنشطة تخريبية. “لم تكن لديهم [المعارضة] أية مشكلة بأن يقوم النظام بإعدامي أو بإبقائي في السجن، طالما أنهم يستخدمون اسمي.”

وتم الإفراج عن اللبواني في نوفمبر من عام 2011، ليكتشف أن للمجلس المجلس الوطني “لا توجد قيادة، ولا توجد علاقة مع سوريا، ولا فكرة عما يدور في الداخل.” وأعرب اللبواني عن امتعاضه لبرهان غليوني، وهو أستاذ للعلوم الاجتماعية المقيم في فرنسا والذي تم تعيينه كأول رئيس للمجلس الوطني السوري، ولكن خاب أمله من الرد الذي تلقاه.

“لم يرغب [غليوني] بالإصغاء. كل ما كان يهمه هو المكاسب الشخصية والفنادق والسفر وفرص التقاط الصور. المجلس الوطني السوري لم يكن اكثر من غطاء علماني لجماعة الإخوان المسلمين، والتي عملت سرا من وراء الكواليس والتي كانت ستقود لدولة الحزب الواحد، مثل حزب البعث.”

وتم إنشاء “التحالف الوطني السوري” في نوفمبر 2011 على أيدي الأردنيين واللبنانيين والسعوديين، على أمل تشكيل توازن للمجلس الوطني السوري الذي يسيطر عليه الإسلاميون والمدعوم من قطر وتركيا. بالنسبة للبواني فإن هذه المنظمة فقدت أيضا من استقلاليتها لصالح الغرب، وكذلك لقطر والسعودية.

وقال، “لقد تركتها، وبدأت العمل بشكل منفرد.”

اليوم يتنقل اللبواني بين تركيا والأردن وأوروبا، في محاولة منه لحشد دعم أفكاره الخاصة به. وعن السؤال ما إذا كان يعتزم العودة إلى ممارسة الطب، ضحك اللبواني.

وقال، “لا أعتقد ذلك. لقد أجبرت على العمل على مسائل أكثر أهمية،” وأضاف، “في نهاية المطاف، عملي هو نوع من الطب: شفاء مجتمعي.”