هضبة الجولان – كشف الجيش الإسرائيلي الأربعاء عن حجم المساعدات الإنسانية التي يقدمها في سوريا والتي توسعت بشكل كبير على مدى العام المنصرم، لتشمل تقديم العلاج للأطفال الذين يعانون من أمراض مزمنة ولا يمكنهم الوصول إلى المستشفيات، وبناء عيادات في سوريا، وتوفير مئات الأطنان من الغذاء والدواء والثياب للقرى التي دمرتها الحرب على الجهة الأخرى من الحدود.

منذ تفكك سوريا في حرب أهلية أسفرت عن مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين، بحثت إسرائيل عن سبل للتعامل مع الأزمة الإنسانية التي تحدث عبر حدودها، وما زاد من الأمر تعقيدا هو حقيقة أن إسرائيل وسوريا لا تزالان رسميا في حالة حرب.

بداية ردت إسرائيل من خلال توفير الرعاية الطبية للسوريين المصابين في الحرب، حيث قدمت العلاج لأكثر من 3,000 شخص في مستشفيات ميدانية على الحدود وفي مستشفيات عامة، معظمها في شمال إسرائيل منذ عام 2013.

لكن يوم الأربعاء كشف الجيش عن أنه منذ يونيو 2016 كان يعمل بهدوء على عملية “حسن الجوار”، وهي عملية إغاثة إنسانية متعددة الأوجه لإبقاء شبح المجاعة بعيدا عن آلاف السوريين الذين يعيشون على طول الحدود وتوفير العلاج الطبي الأساسي لغير القادرين منهم على الوصول إليه في سوريا بسبب الحرب.

في السنة التي مرت منذ إطلاق الحملة، وصل إلى إسرائيل حوالي 600 طفل سوري، برفقة أمهاتهم، إلى إسرائيل للعلاج. وتم إرسال مئات الأطنان من الغذاء والمعدات الطبية والثياب أيضا عبر الحدود إلى سوريا، والتي حملت بوضوح شعارات باللغة العبرية لشركات إسرائيلية.

جنود إسرائيليون يقفون بجانب إمدادات غذائية يتم تجهيزها كمساعدات إنسانية للسوريين المتأثرين من الحرب الأهلية في بلادهم، 19 يوليو، 2017. (AFP/Menahem Kahana)

جنود إسرائيليون يقفون بجانب إمدادات غذائية يتم تجهيزها كمساعدات إنسانية للسوريين المتأثرين من الحرب الأهلية في بلادهم، 19 يوليو، 2017. (AFP/Menahem Kahana)

ويعمل الجيش الإسرائيلي حاليا على تيسير بناء عيادتين داخل سوريا، سيديرها محليون وموظفون في منظمات غير حكومية. ويشمل ذلك تنسيقا لوجستيا وارسال مواد بناء ومعدات طبية، وفقا للجيش.

تهدف هاتان العيادتان إلى دعم 80,000 سوري يعيشون في المنطقة القريبة من مدينة القنيطرة السورية، الواقعة على الحدود مع إسرائيل.

داخل إسرائيل، يتم العمل أيضا على بناء عيادة أخرى. هذه العيادة، التي يتم بناؤها في بؤرة عسكرية تحمل اسم “بؤرة 116″، سيشرف على حراستها الجيش الإسرائيلي لكن الطاقم العامل فيها سيكون بكامله من منظمات غير حكومية، وستعمل في ساعات النهار فقط ولذلك الهدف منها هو تقديم العلاج للسوريين الذين يعانون من إصابات أقل خطورة.

في إطار العملية، كثف الجيش أيضا مقدار المساعدات الإنسانية التي يقوم بتحويلها إلى سوريا، في بعض الحالات بشكل كبير.

وفقا لأرقام الجيش الإسرائيلي، تضاعفت كمية الغذاء التي يتم إرساله إلى سوريا في العام الماضي بعشرة أضعاف، من بضع عشرات الأطنان بين العامين 2013-2016 إلى 360 طنا ما بين سنة 2016-2017 لوحدها.

وازدادت كميات الثياب وحليب الأطفال والإمدادات الطبية ووقود الديزل ومولدات الكهرباء التي يتم تحويلها للسوريين بشكل كبير.

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017يقدم جنود إسرائيليون المساعدة لطفل سوري في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017يقدم جنود إسرائيليون المساعدة لطفل سوري في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

في حين أن الضباط المشاركين في العلمية شددوا الأربعاء على عدم وجود مجاعة جماعية على الحدود، لكنهم أشاروا إلى وجود نقص في المواد الغذائية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة في أسعار الخبز وضروريات أخرى.

لذلك تقوم إسرائيل بإرسال مئات الأطنان من الطحين والزيت والسكر والملح والفاصوليا المعلبة والسلع الجافة. وقامت كذلك بإرسال 12,000 علبة حليب أطفال و1,800 حزمة من الحفاضات.

ورات إسرائيل أيضا أنه من المناسب إرسال ثماني مركبات وستة بغال.

بحسب الجيش الإسرائيلي، معظم هذه المساعدات الإنسانية تتبرع بهما منظمات غير حكومية، ولكن البعض منها يأتي أيضا من الحكومة الإسرائيلية مباشرة.

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017 تعتني جندية إسرائيلية بطفلة سورية في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017 تعتني جندية إسرائيلية بطفلة سورية في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

واكتفى ضابط كبير في اللواء الشمالي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، ورفض توفير معطيات محددة حول تكلفة هذه العملية للجيش الإسرائيلي، بالقول إنها “ضخمة”.

حافلات ووجبة إفطار ورعاية في المستشفى

بشكل أسبوعي تقريبا، يصل عشرات الأطفال وأمهاتهم إلى السياج الحدودي. هناك يتم نقلهم في حافلات إلى منطقة انتظار حيث يتم الترحيب بهم بوجبة إفطار ومرطبات قبل أن يتم نقلهم إلى المستشفيات الإسرائيلية للعلاج.

ويبقى هؤلاء في المستشفى لفترة تمتد من بضعة أيام وصولا إلى ستة أشهر، كما كان الحال مع أحد الأطفال الذي عانى من مشكلة صحية  نادرة تطلبت رعاية خاصة، بحسب الجيش.

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017 تعتني جندية إسرائيلية بطفلة سورية في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017 تعتني جندية إسرائيلية بطفلة سورية في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

وفقا للعقيد باراك حيرام، قائد لواء “باشان” التابع للجيش، والمتمركز على الحدود في الجولان، فبالإضافة إلى تقديم المساعدات لأسباب غذائية واضحة، فإن وجبة الإفطار التي يتم الترحيب من خلالها بالأطفال وأمهامتهم تخدم هدفا أهم، وهو أن تظهر للسوريين بأن الجنود الإسرائيليين ليسوا بوحوش.

وقال حيرام، إلى جانب المقدم الذي يدير عملية “حسن الجوار”، إن السوريين يأتون عادة إلى إسرائيل مع وجهة نظر ترى بإسرائيل “شيطانا”.

العقيد، الذي طلب عدم نشر اسمه لأسباب أمنية، قال إن تغيير وجهة النظر هذه هي أحد الأهداف الهامشية لهذه العملية، وشدد على أن الأسباب الانسانية هي العامل المحفز الرئيسي.

وأعرب الضابط عن أمله في أن تساعد هذه المساعدات في زرع “بذور السلام” وتخفيف مستوى الكراهية التي يشعر بها السوريون تجاه الدولة اليهودية.

قائد عملية “حسن الجوار” يقول إنه كان شاهدا بشكل شخصي على ثمار هذه العملية التي مضى على انطلاقها عام واحد، مشيرا إلى حالات لأمهات شكرنه وقمن بحض الجنديات المشاركات في العملية وقلن له بأنهن لن ينسين على الإطلاق الرعاية التي حصلن عليها.

في مقابلات مع مدنيين سوريين نشرها الجيش الإسرائيلي، تحدثوا فيها عن امتنانهم الكبير للمساعدات التي حصلوا عليها من دولة اعتقدوا أنها عدو لهم.

أحد المصابين السوريين الذي تم احضاره لإسرائيل لتلقي العلاج قال إن “إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي قامت بشيء من هذا القبيل للسوريين”، وأضاف أن “إسرائيل هي صديقة للشعب السوري، إنها بلد انساني”.

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017، جنود من الجيش الإسرائيلي يقومون بتحضير مساعدات إنسانية في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017، جنود من الجيش الإسرائيلي يقومون بتحضير مساعدات إنسانية في إطار برنامج الجيش ’حسن الجوار’ لتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين على الجانب السوري من هضبة الجولان (IDF spokesperson)

وقالت امرأة سورية تلقت علاجا في إسرائيل “يعلموننا أن إسرائيل هي أكثر بلد يكرهنا. لقد جئنا ورأينا بأم أعيننا ما الذي يعطونا اياه هنا. إسرائيل هي كل شيء بالنسبة لنا نتيجة لما منحتنا اياه”.

وقال امرأة أخرى “في هذا الوضع الصعب وقفت إسرائيل إلى جانبنا، ساعدتنا في كل ما نحتاجه. نحن نحترم كثيرا شعب إسرائيل”.

ولم يتم الكشف عن أسماء المدنيين السوريين في التقرير لحماية هوياتهم.

’لا يوجد ما نخفيه’

الضباط المشاركون في العملية ترددوا يوم الأربعاء في مناقشة كيف يتم بالتحديد التنسيق مع السوريين عبر الحدود، لكنهم قالوا إن ذلك يتم في جزء منه من خلال منظمات غير حكومية تعمل في المنطقة. بطبيعة الحال، لا يمكن تنفيذ عملية بهذا الحجم من داخل الحدود الإسرائيلية لوحدها.

وقال قائد عملية “حسن الجوار” أنه يحافظ أيضا على تواصل مباشر مع القيادة المدنية على الجانب الآخر من الحدود السورية.

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017، جنود من الجيش الإسرائيلي يقومون بإخلاء سوري مصاب في منطقة هضبة الجولان. (IDF spokesperson)

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017، جنود من الجيش الإسرائيلي يقومون بإخلاء سوري مصاب في منطقة هضبة الجولان. (IDF spokesperson)

وقال الضابط الكبير في اللواء الشمالي الذي طلب عدم الكشف عن اسمه إن الإسرائيليين “يُشتبه بهم دائما أن لديهم ما يخفونه”، من حيث الدوافع لتقديم المساعدات الإنسانية. في هذه الحالة، كما قال، لا توجد للحكومة والجيش الإسرائيليين دوافع خفية.

وقال: “ليس لدينا ما نخفيه. لدينا شيء نفخر به. وإذا صادف وساعد ذلك في تحسين الإستقرار أيضا، فلا بأس بذلك أيضا”.

وأشار ضباط مشاركون في العلمية إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يقوم بجمع معلومات استخباراتية من السوريين الذين يجتازون الحدود، لتوضيح أن المسألة هي انسانية بحتة ولضمان عدم شعور المرضى والمصابين السوريين في المستقبل بعدم الراحة من اجتياز الحدود إلى داخل إسرائيل لتلقي العلاج.

وقال قائد عملية “حسن الجوار” أيضا أن التصميم على ضمان أن يكون المشروع واضحا وصادقا هي أيضا سبب تركيزه هو وجنوده على توفير الرعاية للأطفال.

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017، جنود من الجيش الإسرائيلي يقدمون العلاج لسوري مصاب في منطقة هضبة الجولان. (IDF spokesperson)

في هذه الصورة غير المؤرخة المقدمة في 19 يوليو، 2017، جنود من الجيش الإسرائيلي يقدمون العلاج لسوري مصاب في منطقة هضبة الجولان. (IDF spokesperson)

منذ بدء الحرب الأهلية السورية تقريبا، والتي اندلعت في عام 2011، كانت هناك ادعاءات تشير إلى أن إسرائيل تقوم بهدوء بدعم مجموعات المتمردين، بالأخص في جنوب سوريا. وهناك مزاعم أيضا بأن إسرائيل تقدم الدعم لمجموعات متمردين تابعة لتنظيمي “القاعدة” و”داعش” المتطرفين.

في حين أن هناك تقارير أكثر مصداقية تحدثت عن أن إسرائيل تقدم المساعدات سرا لمجموعات المتمردين المعتدلة التي تحارب “داعش” وقوات الرئيس السوري بشار الأسد، لكن هناك صمت رسمي إسرائيلي كامل حول هذه المسألة.

من خلال تركيز عملية “حسن الجوار” على الأطفال، يمكن للجيش تجنب مزاعم شبيهة حول جهود الإغاثة الإنسانية التي يقدمها حاليا.

وقال الضابط ببساطة: “لا يمكن لأحد أن يقول أننا نقدم المساعدة للإرهابيين”.

القرار في تقديم العلاج للأطفال جاء أيضا من سبب عملي، كما قال، وهو ان البالغين تكون لديهم عادة ظروف طبية أكثر تعقيدا من الأطفال.

على سبيل المثال، كما قال، يمكن أن يكون طفل يعاني من الربو، ولكن عدا ذلك يتمتع بصحة جيدة، في حين أن البالغ سيعاني من الربو وتوقف التنفس أثناء النوم والسكري. من خلال التركيز على المشاكل الطبية الأكثر بساطة لدى الأطفال، كما قال، لن تشكل هذه المساعدة الإنسانية عبئا على النظام الصحي الإسرائيلي.

في حين أن الضباط الإسرائيليين المشاركين في العملية يقولون إن مساعدة الناس هي همهم الرئيسي، لكنهم يقرون بالحاجة للتمييز بين المدنيين المصابين والمقاتلين المصابين.

العقيد حيرام لم يحدد كيف ينجح المسؤولون الإسرائيليون بتحديد من هم الأشخاص الذين يصلون إلى السياج الحدودي لتلقي رعاية طبية، لكنه قال إنهم يعملون على ضمان أن لا يتم تقديم العلاج لعناصر من منظمات إرهابية داخل إسرائيل.

لكن حيرام أشار مع ذلك إلى حالة تم فيها إحضار سوري من الموالين للأسد إلى إسرائيل من قبل صديقه بعد أن داس على لغم أرضي بهدف الحصول على الرعاية الطبية. وقال حيرام: “لم يكن السوريون راضين عن ’اختطافنا’ لمواطن سوري”.

بعد تقديم العلاج للرجل تمت إعادته إلى سوريا.

وينطبق الشيء نفسه على كل سوري يصل إسرائيل لتلقي العلاج. بحسب قائد عملية “حسن الجوار”، لم يطلب أي من هؤلاء السوريين البقاء في إسرائيل. فلقد أراد جميعهم “العودة إلى الوطن”، كما قال.

مركبات عسكرية إسرائيلية تسير على الطريق المقابل للسياج الحدوي الذي يفصل الجانبين الإسرائيلي والسوري لهضبة الجولان، 19 يوليو، 2017. (AFP/Menahem Kahana)

مركبات عسكرية إسرائيلية تسير على الطريق المقابل للسياج الحدوي الذي يفصل الجانبين الإسرائيلي والسوري لهضبة الجولان، 19 يوليو، 2017. (AFP/Menahem Kahana)