رونين برغمان، مؤلف الكتاب “أقتل أولا: التاريخ السري للإغتيالات المستهدفة في إسرائيل،” يقول أن كتابه هو وقائع عن “سلسلة طويلة من النجاحات التكتيكية المذهلة، وأيضا من الفشل الإستراتيجي الكارثي”.

إن إسرائيل الصغيرة، التي تعاني من المحاولات العربية للتدمير و”التهديد الدائم”، وضعت جيشا فعالا للغاية، يمكن القول أن لديها أفضل وكالات الاستخبارات في العالم، وأيضا، “أقوى آلة اغتيال في التاريخ”. في العديد من المناسبات، كان الهدف هو قتل الأعداء الأقوياء. لقد استند مجتمع الإستخبارات الإسرائيلي وسادته الساسة بالفعل على هذه الهجمات، وكلما كان الردع الذي يخلقونه أكبر، كلما تجنبوا الحروب والصراعات الكبيرة أو على الأقل وسعوا الفجوات بين هذه الأعمال العدائية الأوسع نطاقا.

لكن في الوقت ذاته، قال برغمان في مقابلة تزامنت مع نشر الكتاب، أن نجاح وفاعلية أكثر من 2700 عملية اغتيال في تاريخ إسرائيل الحديث القائم منذ 70 عاما دفع في بعض الأحيان الساسة الإسرائيليين إلى تجنب القيادة الحقيقية والدبلوماسية. لقد شعروا بأنه في متناول أيديهم “هذه الأداة” التي يمكنهم من خلالها “وقف التاريخ … يمكنهم التأكد من تحقيق أهدافهم بالاستخبارات والعمليات الخاصة، وليس بالتوجه إلى الحنكة السياسية والخطاب السياسي”.

التقت التايمز أوف إسرائيل مع برغمان لأكثر من ساعتين لمناقشة الكشف عن الآثار المترتبة على أبحاثه التي شملت ثماني سنوات من العمل وألف مقابلة وصناديق لا توصف من الوثائق التي لم تنشر من قبل … ومواد كبيرة أخرى لم تنشر بشكل غير مقبول، من وجهة نظره، نتيجة للرقابة العسكرية الثقيلة.

رونين برغمان. (Dana Kopel)

برغمان، مراسل عسكري واستخباراتي سابق في صحيفة “يديعوت أحرونوت” ومؤلف العديد من الكتب الأكثر مبيعا، هو بلا شك باحث وصحفي يتمتع بقدرة ملحوظة على إقناع الأفراد السريين للغاية بشرائع لم يسبق الكشف عنها، وأحيانا على شكل حلقات كاملة.

هذه المقابلة، وكتابه، المستوحى من التلمود والمبدّ الذي يقول “إذا جاء شخص ما ليقتلك، قم وأقتله أولا”، كلاهما سيؤكدان أن برغمان ضائع في المواد التي يعرضها. هو على يقين من أن سياسة القتل المستهدف التي اعتمدتها إسرائيل بشكل مركزي كانت حاسمة لدفاع البلاد، ولكنه يدرك أيضا المعضلات الأخلاقية التي تشكلها.

نظريا، كان المقصود من هذه المقابلة أن تركز على برغمان، وتسليط الضوء على تلك الأجزاء من كتابه وأبحاثه التي جلبها إلى الساحة العامة لأول مرة. عمليا، لقد انحرفت أيضا إلى نقاط القوة والضعف بشأن العديد من أبطال الكتاب، والتوازن الهش بين المستويات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وقدرا كبيرا من التأمل حول المسارات البديلة التي قد يتخذها التاريخ الإسرائيلي والمعضلات الغامضة المقبلة.

المقابلة حرب باللغتين الإنجليزية والعبرية. تم تعديل النص وتحريره للتوضيح.

أقتل أولا، كتاب الصحفي والكاتب رونين برغمان.

تايمز أوف إسرائيل: أخبرني، في هذا الكتاب الواسع، ما هي أهم المواد التي تنشر للمرة الأولى؟ العديد من الحالات مألوفة، ولكن هناك اختلافات، وعناصر لم أسمعها من قبل، وهناك قصص جديدة تماما.

رونين بيرغمان: كان الهيكل العام للعديد من العمليات الموصوفة في الكتاب قد نشر في الماضي. خذ عملية فردان (عملية ينبوع الشباب) في عام 1973 (عندما هاجمت القوات الخاصة التابعة للجيش الإسرائيلي أهداف منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان)، على سبيل المثال. إنها القصة الأكثر تحليلا في تاريخ الكوماندوز. إيهود باراك تنكّر على شكل امرأة سمراء الشعر، و أفيرام ليفين كامرأة شقراء.

كان لدي ثلاثة خيارات حول ما يجب القيام به بشأن هذه الأنواع من العمليات. كان بامكاني أن أتجاهل العمليات التي كانت معروفة، ولكن كنت أعرف أنها ستكون المرة الأولى بالنسبة لبعض القراء. كنت أستطيع إعادة تدوير كل ما تم نشره، ولكني أعلم أن هناك الكثير من الأخطاء والأحداث المزيفة، وما سأفعله كان ممكن أن يكون مجرد صدى لإعادة التدوير هذه. لذلك تماشيت مع الخيار الثالث، وهو أن أفعل كل شيء من الصفر. وهذا هو السبب في أنني استغرقت ثماني سنوات وألف مقابلة لانهاء الكتاب.

بعض القصص، حسب السرد الذي نشرت من قبل، لم تكن منطقية – مثل ما يفترض أن نؤمن أنه حدث بعد (عملية الرياضيين الأولمبيين الإسرائيليين في عام 1972) في ميونخ. “هل تعرف، فيلم ميونيخ للمخرج سبيلبرغ؟ كما لو أن غولدا مئير اتصلت بشخص من الموساد وقالت: اقتلهم جميعا، وأنشأ محكمة سرية، حيث يوجد قاض، وكأنهم يفعلون الإجراءات القانونية الواجبة. لم يحدث أي من ذلك. كان ذلك 100% وهميا”.

حتى في عملية “ينبوع الشباب”، لقد كشفت أشياء جديدة كثيرة. أولا، وجدت القصة المحرجة أنهم كانوا يحاولون إخفاء لمدة 40 عاما – أن أحد مقاتلي الموساد صدم وهرب. هذه قصة فريدة من نوعها. هرب الرجل بعيدا. أعتقد أنه في الوقت الحاضر سيكون من الصعب جدا اخفاء شيء من هذا القبيل. لكن في ذلك الوقت كان ممكنا.

من اليمين، الملك حسين، جمال عبد الناصر، ياسر عرفات ومعمر القذافي عام 1970 (Palestinian Authorities via Abed Rahim Khatib/ Flash 90)

يمكننا أن نتحدث في جميع القصص. هناك الكثير من المعلومات الجديدة. مثلا العلماء الألمان (الذين طوروا الصواريخ لمصر لإستخدامها ضد إسرائيل، واستهدفها الموساد في أوائل الستينات)، القصة كلها لم تكن منطقية بالنسبة لي. كنت أرغب في الحصول على الوثائق. الآن لدي وثائق الموساد من هذه القضية، والتي تبين مدى الهستيريا – وكلمة “هستيريا” مستخدمة في تقرير الموساد. تمت كتابة تقرير داخلي كبير في الموساد عن العلماء الألمان في عام 1981، في حين ما زال جميعهم على قيد الحياة. ولم الهستيريا؟ لأن الموساد تم القبض عليه، دون أي علم مسبق أن هذا كان يحدث. (الرئيس المصري) عبد الناصر عرض الصواريخ في موكب في القاهرة، وتفاخر بأنهم قد يضربون أي هدف جنوب بيروت. المحطة الاذاعية صوت الرعد من القاهرة كانت أكثر صراحة، وقالت: هذه هي الصواريخ التي سنستخدمها “لتدمير الكيان الصهيوني”. ولم يقولوا إسرائيل. قالوا الكيان الصهيوني. لم يكن الموساد يعرف شيئا عنها. كانوا مشغولين بأدولف ايخمان ويوسيل شوماخر.

إيسر هاريل. (Wikipedia)

بشكل متناقض، إيسير هاريل (رئيس الموساد في الفترة من 1952-1963) كان مشغولا بمطاردة النازيين، لأنه اعتقد أنهم كانوا مشغولين في محاولة إعادة بناء الرايخ الثالث، وهو ما كان بطبيعة الحال هراء. لكنه لم يرى الناس الوحيدين الذين عملوا بالفعل مع الجيش الألماني، وشكلوا تهديدا حقيقيا لإسرائيل.

رد إسرائيل على هذا الاكتشاف كان شديدا: قتل العلماء. كان هناك غموضا واحدا فقط بشأن مصير أحد العلماء، هانز كروغ، وهو الرجل الذي اختفى من منزله. كان يعمل في مصنع الصواريخ بينيموند، حيث طور النازيون V1 وV2. ثم كان المدير اللوجستي العام لعمل العلماء الألمان في مصر. لكن عندما ذهب جميع العلماء إلى مصر، بقي في ميونخ. وثم اختفى. كان قد تلقى زيارة من ضابط في الإستخبارات المصرية قال ان الجنرال المسؤول عن المشروع اراد ان يراه في فندق في ميونخ. كانت هذه آخر مرة شوهد فيها. لم يعرف أحد ما حدث له. الكتاب يحل هذه الحالة. لأول مرة، تحكي قصة ما حدث لهانز كروغ.

أود أن أقول إن القادة الإسرائيليين اعتقدوا منذ بداية الدولة أن العمليات السرية والاغتيالات التي تتجاوز حدود العدو كانت أداة مفيدة لتغيير التاريخ أو القيام بشيء ما إلى واقع دون اللجوء إلى الحرب. وكان لديهم هذا التصور قبل وقت طويل من أن تمون للمخابرات الإسرائيلية القدرة على تنفيذ هذه العمليات. كانت قضية لافون (عملية فاشلة سرية في مصر في عام 1954) محاولة هواة لتغيير التاريخ باستخدام العمليات الخاصة والتخريب والإرهاب. لم يكن لديهم القدرة ولكن كانت لديهم هذه العقلية.

ترافقت هذه العقلية مع صنع القرار الإسرائيلي منذ ذلك الحين: يجب أن يكون لدينا مجتمع استخبارات قوي جدا، حتى لا نحتاج إلى أن يكون الجيش بأكمله، والاحتياطيات، منتشرة بالكامل على طول الحدود كل وقت، ولإعطاء التنبيه قبل الحرب.

أسس ديفيد بن غوريون مؤسسة الإستخبارات الإسرائيلية في يونيو 1948، بعد ثلاثة أسابيع فقط من قيام إسرائيل وفي خضم الحرب. كان واثقا جدا من أن اليهود سوف يفوزون، عندما قال الجميع، بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية، أن ذلك مستحيلا لأن العرب سيذبحوكم. لكنه كان يعلم، وفهم أنه بعد تلك الحرب، هناك حاجة الى أقوى مؤسسة استخبارات من أجل الحفاظ على البلاد، وإعادة جميع جنود الإحتياط إلى ديارهم، وإعادة بناء الجيش استعدادا للصراع المقبل.

وبالمناسبة، بن غوريون غيّر وجهات نظره بشأن الاغتيال والقتل المستهدف بعد المحرقة. تبين الأدلة أنه حتى معرفة حقيقة المحرقة، فقد عارض استخدام سلاح (الاغتيال) الذي استخدمته الجماعات المسلحة شبه العسكرية إرغون وليهي إلى حد أكبر. قال انه يعتقد انها ليست سلاحا فعالا. لكن ذلك تغير بعد الحرب العالمية الثانية. كان هناك اغتيال فرسان الهيكل، ولكن كانت هناك أيضا خطة شاملة، أنه بمجرد اندلاع أعمال الشغب، وبمجرد أن تبدأ الحروب الأهلية، عندما يتم تأسيس إسرائيل، فإن الدفاع سيذهب ويغتيال ويقتل القادة العرب. كان ذلك جزءا من استراتيجيته.

أرى أن الاغتيالات المستهدفة هي جزء من سياسة عامة (إسرائيلية) للعمليات السرية المستخدمة في محاولة لتوسيع الفجوة بين الحروب: لو أقتبست رئيس الموساد 2002-2011 مئير داجان، فيجب خوض حرب “عندما يكون السيف على عنقنا فقط”. والقدرة على ضرب أهداف محددة، سواء كانت منشأة أو شخص، (تعتبر أيضا جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية) لمواجهة التهديدات الأمنية الوطنية أو حتى تغيير التاريخ.

هذا بالنسبة لك هو حقا الإكتشاف الرئيسي للكتاب، مركزية هذه السياسة؟

نعم، هذا هو أحد الاكتشافات الرئيسية. يتعلق الآخر بإنشاء مجموعتين من النظم القانونية. القتل محظور وفقا للقانون الإسرائيلي. وحتى عام 2006، عندما حكمت المحكمة العليا بأنه مسموح لها بالمشاركة في عمليات القتل المستهدف، لم يكن هناك أي شخص في السلطة القانونية يسمح بذلك فعلا. لذلك، أنشأت المؤسسة مجموعتين من القوانين: واحدة للمواطنين العاديين، أي جميعنا، حيث أن القتل هو أشد الجرائم الممكنة؛ والأخرى، غير المكتوبة عادة ولكنها فعالة جدا، بالنسبة لمجتمع الاستخبارات والمؤسسة الأمنية، التي تسمح باستخدام تدابير عدوانية لحماية البلد. التعذيب، انتهاك أسوأ أنواع الخصوصية، والاغتيالات المستهدفة. وهذا، مع غمزة وعقدة ولكن في معظم الحالات مع معرفة القيادة السياسية، سمح للمؤسسة الاستخباراتية بالقيام بالكثير من الأشياء، وفي كثير من الحالات هناك شخص واحد فقط يأذن بذلك: رئيس الوزراء.

عودة إلى الاكتشافات. إن قضية العالم الألماني مثيرة للاهتمام ليس فقط بسبب العملية، ليس فقط لأنها تحل قضية رجل مفقود منذ عقود من الزمن لشرطة ميونخ، ولكن أيضا لأنها تضع الأمور في السياق: أن نفهم أن الموساد لا يعمل في عالم منفصل. الموساد هو جزء من الشعب.

وبالتالي عندما هزت الهستيريا البلاد، ورأت إسرائيل أن العلماء الألمان الذين كانوا يعملون لحساب هتلر يعملون الآن من أجل هتلر الجديد، عبد الناصر في مصر، اضطروا للرد. كان رد فعلهم قوي جدا، دون التخطيط السليم، وهذا لم يوقف المشروع. فشلت محاولة لقتل العلماء برسالة مفخخة. تؤكد هذه القضية أيضا السياق السياسي: غولدا مئير ومناحم بيغن وإيسر هاريل استخدموا حقيقة أن العلماء الألمان كانوا يعملون في مصر لإثبات وجهة نظرهم أنه لم يكن هناك ألمانيا جديدة، أن الماضي قد ترك وصمة عار التي لا يمكن أن تختفي. كان هذا أيضا جزءا من معركتهم ضد الجيل الجديد، شمعون بيريس وموشي دايان: كانوا يخافون من أن بن غوريون سيعطي العرش لهؤلاء الشباب.

وهكذا أصبحت مسألة الإستخبارات المحدودة كارثة سياسية للبلاد. التهديد، كما جاء في تقرير الموساد لعام 1981، مبالغ فيه. كان العلماء الألمان قد باعوا ناصر خدعة. كان لصاروخهم فرصة ضئيلة جدا للاقلاع وضرب اسرائيل.

لكن إسرائيل كانت تحت تأثير المحرقة، وتذكّر أن إسرائيل عام 1962 كانت مليئة بالناجين من المحرقة: رأوا أن هؤلاء الناس الذين كانوا يعملون لحساب هتلر يعملون الآن لصالح عبد الناصر. كان ذلك قبل حرب الأيام الستة ودرجة الثقة التي أعطتها. قبل أن يزعم أن إسرائيل تمتلك سلاحا نوويا. الجميع بالغ في الرد. أدى ذلك إلى سقوط هاريل، ومن ثم بن غوريون نفسه.

اغتيال السياسي المغربي المهدي بن بركة

ثم هناك قضية بن بركة، وتورط إسرائيل في اغتيال السياسي المغربي في أكتوبر 1965. لقد علمت، لسوء حظي الشخصي، أن شخصا أحببت كثيرا وقضيت ساعات طويلة معه، مئير عميت (رئيس الموساد في الفترة من 1963 إلى 1968) لم يخبرني الحقيقة كاملة. الآن، بما أن لدي الوثائق – [يشرح برغمان العملية الاستثنائية التي تمكن من خلالها الوصول إلى آلاف الوثائق حول القضية، ويظهر لي عدة نسخ لبعضها فقط] – نرى أن مئير عميت لم يقدم تقريرا كاملا إلى رئيس الوزراء ليفي إشكول على ما حدث. ورّط الموساد في عملية اغتيال سياسي. الموساد لم يفعل ذلك، لكنهم ساعدوا السلطات المغربية.

مهدي بن بركة. (Dutch national archives)

لماذا أرادوا مساعدة المغاربة؟ لأنه في أيلول/سبتمبر انذاك، عقدت في الدار البيضاء قمة للجامعة العربية.

لقد سمح لنا المغاربة بوضع أجهزة سمع والاصغاء لكل ما يقولونه لبعضهم البعض. وكانت تلك التسجيلات أساس ثقة إسرائيل بأنها ستفوز في حرب الأيام الستة، لأنه يمكن سماعهم يتجادلون. ذهب عميت إلى إشكول وقال: أنظر، يمكنك سماع عبد الناصر وحسين يصيحان على بعضهما البعض.

وبعد شهر فقط، جاء المغاربة إلى الإسرائيليين وقالوا: لقد حان الوقت لكي تدفعوا على ما لديكم، نعم؟

ما حدث حقا بعد ميونخ؟

هناك كل ما حدث بعد ميونخ. ونحن نعتقد أننا نعرف كل شيء عن ذلك. غيّر الهجوم الإرهابي في ميونيخ الأولمبية كثيرا، ولكن ليس ما نعتقد. ليس الأمر أن غولدا مئير أعطت الأوامر، دعونا نجد كل هؤلاء الأشخاص الذين نفذوا هجوم ميونخ (وهو هجوم قتل فيه 11 رياضيا إسرائيليا). الناس الذين قتلوا لم يكن لديهم صلة بميونخ على الإطلاق. هناك اقتباس في الكتاب لشخص يقول شيئا مثل أن الصلة الوحيدة لواحد منهم بميونخ هي أن الإرهابيين طاروا فوقه في طريقهم إلى ميونخ. ما تغير مع غولدا، هو أنه حتى ميونخ لم تسمح للموساد بقتل الناس في أوروبا. بعد ميونيخ، سمحت لهم بذلك. هذا هو التغيير.

لذا فإن الفكرة القائلة بأن إسرائيل وجدت جميع الأشخاص المسؤولين عن أحداث ميونخ هي أسطورة؟

مجرد أسطورة. وهي نفس الأسطورة كما لو كانت إسرائيل تتعقب مجرمي الحرب النازية. هذه أيضا أسطورة.

دعنا نناقش ذلك بعد قليل. هل المسؤولون عن هجوم ميونيخ، كثير منهم توفوا بشكل طبيعي؟

نعم، توفي معظمهم وفاة طبيعية: أمين الهندي، محمد عودة، عدنان الغاشي، وكثيرون آخرون.

الاحدى عشر ضحية الاسرائيليين في اولمبياد ميونخ.

و”الأسطورة” الثانية التي ذكرتها، الفكرة القائلة بأن إسرائيل والموساد، بحثا عن مجرمي حرب نازيين، هل هي كاذبة؟

نعم. هذا شيء، يجب أن أقول، أنني فوجئت حتى أنه كان مكتوبا. في 23 يوليو 1962، قام ناشطو الموساد رافي إيتان وتسفي أهروني بمراقبة طبيب أوشفيتز جوزيف منغيل مغادرا مزرعته في ساو باولو بالبرازيل مع بعض الحراس الشخصيين. توقعوا اختطافه وإعادته إلى إسرائيل للمحاكمة، على غرار أيخمان. لكن رؤيته تزامنت مع قيام الرئيس المصري عبد الناصر بتجريب الصواريخ التي كان يطوّرها سرا، وعادوا الى الشرق الاوسط، وأغلق كل شيء من أجل التعامل مع العلماء الألمان.

جوزيف منغيل. (Wikimedia Commons)

لكن كان هناك استثناء واحد وهو هربرتس كوكورس، مجرم حرب من لاتفيا الذي قتل في باراغواي: لكن هذا كان استثناء لبعض الأسباب الشخصية: أنه قتل أفراد أسرة (رئيس المخابرات العسكرية للجيش الإسرائيلي) أهرون يريف، و (خليفة هاريل) مئير عميت كان صديقا مقربا ليريف. كانوا يجلسون في غرفة، وكان شخص ما يقرأ أسماء مجرمي الحرب النازية التي يبحثون عنها، تمت قراءة اسم كوكورس وكانت هناك ضجة: كان يايف قد أغمي عليه وسقط إلى الوراء على سماع الاسم. لقد أحرق كوكرس العديد من أفراد عائلته، لذلك كان هذا نوعا ما، أنت تعرف، كفعل مصحلة من أجل صديق.

وما عدا ذلك، جعلوا مطاردة مجرمي الحرب النازية أقل أولوية ممكنة، وقد كتب ذلك في العديد من أوامر الموساد. عدم التعامل معهم.

هيربرتس كوكورس. (Wikipedia / WP:NFCC#4)

لم يتغير ذلك إلا في عام 1977، عندما أصبح مناحيم بيغن رئيسا للوزراء ورأى أن الموساد كان مترددا للغاية في التعامل معها. وقد أملى قرارا سريا لمجلس الوزراء الأمني، بأن الموساد سوف يصطاد على الأقل مارتن بورمان (الذي كان ميتا منذ عام 1945) ومينغيل، لكنه كان متأخرا بالفعل. وبحلول الوقت الذي أعادوا تجميعه وبدأوا في النظر في ذلك، كان مينغيل بالفعل ميتا. كانوا يطاردون شبحه لمدة 10 سنوات أخرى.

كل هذا تغير فقط في عام 1977، عندما أصبح مناحم بيغن رئيسا للوزراء ورأى أن الموساد كان مترددا للغاية في التعامل معهم. بيغن امر بقرار سري لمجلس الامن ان الموساد سيطارد على الاقل (مارتن) بورمان (الذي توفي منذ عام 1945) ومنغيل، لكنه كان متأخرا جدا. بحلول الوقت الذي اجتمعوا وبدأوا في النظر في ذلك، كان منغيل قد مات. طاردوا شبحه لمدة 10 سنوات أخرى.

لكن في الستينيات، انت تقول أنه كان من الممكن أن تكرر إسرائيل ما فعلته مع ايخمان للتعامل مع منغيل؟

نعم، كانوا قريبين جدا منه. مرتين على الأقل كانوا حوله، واختاروا تركه.

“اختاروا تركه”. حسنا، هذا مذهل جدا.

ليس فقط لأنهم لم يرغبوا في التصرف. لقد أرادوا القيام ذلك، لكن مئير عميت أخبرني صراحة: أفضل التعامل مع تهديدات الحاضر من أشباح الماضي. وكان من الواضح أن هؤلاء النازيين لم يشكلوا أي تهديد.

ومع ذلك، قال لي مايك هراري، رئيس عمليات الموساد لفترة طويلة: في وقت لاحق، أعتقدت أنني كنت أحمق. كنت يمكن أن اخذ الكثيرين منهم. كان الأمن في أمريكا الجنوبية خفيفا جدا. كان يتحدث على وجه الخصوص عن كلاوس باربي؛ ألغى عملية لقتل باربي لأنه لم يكن راضيا عن خطة المهرب. بصفة عامة، فإن المخابرات الإسرائيلية لم تتعقب مجرمي الحرب النازية.

دعونا نمضي قدما في مذبحة الطريق الساحلي (التي قتل فيها 38 إسرائيليا في هجوم إرهابي قام به حزب فتح بالقرب من تل أبيب في عام 1978). عمق وتفاصيل الاستخبارات التي كانت لدى إسرائيل عن هؤلاء الإرهابيين؛ كانوا يعرفون أنهم كانوا يخططون لهجوم. أرسلوا وحدة شايطيت 13 (وحدة القوات الخاصة البحرية) لقتلهم، لكنهم لم يقتلوهم جميعا. أرادوا إرسالهم مرة أخرى، ولكن (وزير الدفاع عازر) فايتسمان كان في زيارة للولايات المتحدة، ولم يريدوا تدمير زيارته. وبعد ذلك جاءت أخبار هذا الحدث الرهيب.

بعد أن قلت كل ذلك، فإن انجاز الاغتيالات بعد ميونخ هو أن (رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر) عرفات وغيره من الجهاديين قرروا مغادرة أوروبا في الوقت الحاضر، وإعادة بناء قواتهم في الشرق الأوسط.

أصف بتفاصيل كثيرة قضية ليلهامر، النرويج، حيث قتل الموساد عن طريق الخطأ نادل مغربي وعامل نظافة بركة سباحة أبرياء الذين اعتقدوا أنهم علي حسن سلامة، رئيس العمليات في منظمة أيلول الأسود الفلسطينية.

الآن أفهم ما حدث هناك، وأعتقد ان أكثر الجوانب الغريبة في الأمر هي أن الموساد عرف أن شخصا ما قد كتب لوحة الترخيص لواحدة من السيارات التي استخدمها القتلة. لذلك كان على الوكيل دان اربيل أن يتخلص من السيارة، واتخاذ القطار إلى أوسلو، ويطير من هناك. لكن هذا الوكيل اشترى الصنابير وغيرها من الأشياء لمنزله الجديد في إسرائيل، ولم يريد نقلها في القطار لأنها كانت ثقيلة. نعم، تتم مناقشة كل هذه التفاصيل. قرر أخذ السيارة إلى أوسلو، وتسليمها إلى شركة تأجير السيارات (هناك) ومن ثم الطيران. ما الفرق؟

صنع ذلك كل الفرق، لأن الشرطة كانت تنتظر في شركة تأجير السيارات. اعتقلوه. كان خائفا، تحدث في التحقيق، وأسقط الشبكة بالكامل. لذلك كانت هناك فوضى محرجة اثنين: أولا، قتلوا الشخص الخطأ، وهو ما يعتبر أيضا قصة إشكالية، وثانيا، الهروب الفاشل.

وهذا يقودني إلى شيء يجب أن أقوله عن مايك هراري. بنى مايك قسم عمليات الموساد في كيساريا مرة أخرى بعد سلسلة من الكوارث (بما في ذلك) بن بركة، (كشف) إيلي كوهين (في سوريا) وولفغانغ لوتز (في مصر). الطريقة التي أعاد بها بناؤه، والأشياء التي أكد عليها، تؤكد أن العالم الحقيقي لعمليات الاستخبارات ليست أكثر أو أقل إثارة للاهتمام من أفلام جيمس بوند، بل هي مجرد مختلفة تماما.

القفز من الأسقف واطلاق النار هو أقل أهمية. ما هو أكثر أهمية هو قصة الغلاف. لقد قاموا ببناء عالم من شركات القش. هناك البنية التحتية لقصة تغطية بنيت من قبل هراري في الستينات التي لا تزال تخدم الموساد اليوم. قال مايك نحن بحاجة إلى صفر أخطاء. لأن كل خطأ مثل ايلي كوهين هو كارثة للبلد كله.

مئير دغان قال لي ذلك بشكل مختلف. قال: لو قتل جنديا في جنين، فإنها كارثة فظيعة لأسرته، إنه نهاية حياتهم، لكن ذلك ليس بالكارثة الكبيرة لدولة إسرائيل. لو تم القبض على وكلاء الموساد في أراضي العدو، فانها كارثة كبيرة، وتقع مباشرة على رئيس الوزراء.

هناك قصة – لا أستطيع أن أقول لك متى وأين؛ هناك أشياء لا أستطيع مشاركتها – كان هناك عميل موساد، في بلد معادي جدا، الذي تورّط في حادث سيارة، تماما عن طريق الخطأ، ودهس الشخص وقتله. يحدث ذلك – ليست مؤامرة. حققت الشرطة المحلية، وألقت القبض على هذا الرجل. لا يمكنك أن تتخيل ما الذي كان يحدث في إسرائيل – رئيس الوزراء تحدث عدة مرات في اليوم مع مدير الموساد لمعرفة ما يحدث، حتى انتهى الأمر.

هذا هو السبب في أن دبي – اغتيال مشتري الأسلحة لحماس محمود المبحوح عام 2010 – كان من الممكن أن ينتهي أكثر سوءا. فكر بما كان سيحدث لو قامت شرطة دبي بتحليل الصور (من الاستعدادات للاغتيال والاغتيال نفسه) في الوقت الحقيقي. كان كل شيء في التحقيق في وقت لاحق، بعد أن غادر نشطاء الموساد بفترة طويلة. ولكن تخيل إذا كان شخص ما قد رأى لهم الجلوس مع مضارب التنس في مدخل الفندق لمدة أربع ساعات، ولا يفعلون شيئا، وسأل: ماذا يحدث هنا؟ ماذا يفعل هؤلاء الناس؟

صور صادرة من دبي في عام 2010 للمشتبه بهم من الموساد بمقتل محمود المبحوح. (Youtube screenshot)

كان ممكن رؤية شخص ما يذهب إلى الحمام أصلع ويخرج مع شعر مستعار (بسبب تراخي الطريقة التي عمل بها الوكلاء) وكان ممكن أن يغلقوا الفندق واعتقال الجميع. لو ألقي القبض عليهم وأزلت أظافرهم، كان على إسرائيل أن تغلق كيساريا والموساد بأكمله لمدة عشر سنوات.

اغتيال رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وديع حداد (الذي توفي في ألمانيا الشرقية عام 1978) حدث بواسطة معجون أسنان. هنا أيضا أستطيع أن أعيد فقط جزء من القصة: كان الموساد قادرا على الاقتراب جدا جدا جدا من حداد، وتسميم معجون الأسنان الخاص به، ثم لم يفعل الكثير لإنكار أن الموساد كان وراء ذلك، لخلق التخويف. انتشرت قصص صرخاته في المستشفى الذي يسيطر عليه شتازي في برلين في كل مكان.

وديع حداد

أرسلت ستاسي تقارير إلى المخابرات العراقية، تقول لهم، يجب أن ننظر إلى علمائك ومعجون أسنانهم، لأنهم يشتبهون في أن معجون الأسنان قد تسمم. ومن تلك النقطة، أمرت المخابرات العراقية العلماء العراقيين الذين عملوا على قنبلةهم، كلما خرجوا من العراق، لنقل معجون أسنانهم وفرشاة أسنانهم في كيس معهم. كانوا يحملون معجون أسنانهم في كل مكان، وما زال اثنان منهم مسممين.

أرسل شتازي تقارير إلى المخابرات العراقية، قائلا لهم، عليكم النظر إلى علمائكم ومعجون أسنانهم، لأنهم اشتبهوا في أن معجون الأسنان قد تسمم. من تلك النقطة، أمرت المخابرات العراقية العلماء العراقيين الذين عملوا على قنبلتهم، كلما خرجوا من العراق، لنقل معجون أسنانهم وفرشاة أسنانهم في كيس معهم. كانوا يحملون معجون أسنانهم في كل مكان، وما زال اثنان منهم قد تسمموا.

اصابة في العين

دعنا ننتقل إلى موضوع الإشتباك مع أبو حسن سلامة (الذي قتل في عام 1979) في بيروت. كانت عملية الموساد هذه عملا انتقاميا، نفذت لثلاثة أسباب. الأول، لأنهم يعتقدون حقا أنه كان له علاقة بهجوم ميونخ. أنا فعلا لا أعتقد أنهم كانوا على حق. قال أبو داود (قائد أيلول الأسود محمد عودة) إن سلامة لم يكن متصلا بها. أبو داود فعل ذلك. يقول أبو داود نفسه إنه فعل ذلك. السبب الثاني هو أنهم لم ينجحوا في الحصول عليه في ليلهامر، وهو ما كان محرجا. وثالثا، وفي رأيي الأهم، أنه كان القناة الخلفية الرئيسية بين ياسر عرفات ووكالة المخابرات المركزية.

كان ذلك مثل الإصابة بالعين من الأمريكيين. تخيل حالة فيها نحن، إسرائيل، بعد أحداث 11 سبتمبر، على اتصال مع أسامة بن لادن، وندعوه في رحلة إلى إسرائيل. انه ليس مصدرنا، وكيلنا، مجرد شخص، اتصال. هذا ما حدث مع سلامة، هم دعوه إلى لانغلي. أخذوه مع زوجته اللبنانية جورجينا رزق، ملكة جمال الكون السابقة، في رحلة إلى ديزني لاند. أمّا غدر. وقتله الموساد.

الأوقات الحالكة

ثم نأتي إلى تدخّل مشاركة إسرائيل في لبنان. الفترة من عام 1977، ولكن في الأغلب من وقت رافول (إيتان) كرئيس هيئة الأركان في عام 1978، وحتى بداية عمل لجنة كاهان في صبرا وشاتيلا (في أواخر 1982)، تشكل أكبر كسوف أخلاقي في تاريخ إسرائيل.

فقدت إسرائيل أخلاقها؟

بعضنا فقدنا أخلاقنا. كان ذلك أيضا وقت قام فيه ضباط بأعمال شجاعة جدا – ليس في ساحة المعركة، لكن في الوقوف من أجل من نحن وما نحن عليه، كيهود وإسرائيليين. لأن هوس (ارييل) شارون ورافول لاغتيال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عرفات كان أن إسرائيل وصلت إلى أماكن إشكالية للغاية.

هذا شيء الذي كنت أنا، كصحفي، مسرور جدا أن أكشف عنه، وحزين جدا لمعرفته كإنسان. كانت هناك أوقات عندما كنت أكتب هذه الفصول والدموع في عيني، لأنها ببساطة كانت رهيبة. الأعمال الوحشية التي قاموا بها في لبنان قبل الحرب.

توجه يهوشع ساغي رئيس المخابرات العسكرية الى موردخاي تسيبوري نائب وزير الدفاع وقال أن هذا لا يمكن أن يستمر – قتل عدد غير معروف من الابرياء. أنا لا أعرف كم من الجيل الجديد سوف يفهمون هذا، لكن ارييل شارون في ذلك الوقت كان أقوى شخص في إسرائيل. كلما غرق مناحم بيغن في اكتئابه، كلما ارتكب شارون جرائم اعتبرها ثورة ضد دولة إسرائيل. لقد استولى في الواقع على السلطة التنفيذية.

هناك شيء مدهش إضافي قد اكتشفته. كان وضع بيغن (المكتئب) معروفا لعدد قليل من الناس و فعلوا كل ما في وسعهم لإخفائه. أخبرني عزريئل نيفو، سكرتيره العسكري، أن بيغن لم ير أحدا. أغلق على نفسه في منزله، وقال (نيفو) كان علي أن أخفي ذلك بطريقة أو بأخرى. واصل الطاقم كتابة جدوله اليومي، وكان فارغا. (نيفو قال) أعطيت أمرا من الآن فصاعدا، فإن الجدول الزمني لرئيس الوزراء سيكون سري للغاية. لا أحد سوف نرى ذلك. الصفحة فارغة.

أخبرني ناحوم أدموني، رئيس الموساد آنذاك، أنه سيذهب إلى بيغن للحصول على موافقته على العمليات وأن (بيغن) كان يغفو. كان تحت تأثير الدواء أو شيء ما.

من متى إلى متى؟

فهم بيغن أن شارون كذب عليه (حول أهداف ونطاق حرب لبنان) في أغسطس 1982 تقريبا. قال لي ناحوم أدموني أنهم كانوا يجلسون في اجتماعات مجلس الوزراء، وبيغن لم يكن يقل شيئا، وينتهي الاجتماع. ثم شارون يستدعي رافول وأدموني ويقول، حسنا، هذا ما قيل. الآن سوف اقول لكم ما الذي يجب القيام به. كان من المستحيل أن تتجادل معه.

تسيبوري، الذى كان بطلا، كان الوحيد فى الحكومة الذي يعارض شارون. قال: أنت تكذب!

قال لي يانوش بن غال، الذي كان قائد القيادة الشمالية، إنهم قاموا بجميع أنواع الأعمال المحظورة تماما في لبنان والتي لم تأذن بها الحكومة، والجيش لم يأذن بها، وبيغن لم يأذن بها. قال لي: رافول وأنا قررنا بشان الصفقات، فقط نحن الاثنين لتخطط الإجراءات، وقال انه يقول لي: طالما ان لا شيء مكتوب.

تسأل نفسك، كيف يمكن أن تحدث الأمور بهذا الشكل؟، أن لديك أشخاصا شجعان جدا ولكن أيضا نشطين مثل يانوش ورافول ثم تحصل على نتيجة من هذا القبيل.

واستمر هذا في الحرب.

قال لي عوديد شمير، السكرتير العسكري لشارون، إن هناك هدفين في هذه الحرب: تدمير قواعد منظمة التحرير الفلسطينية وقتل عرفات.

هذا ليس في الكتاب، لكن إيهود باراك أخبرني أنه عندما عين شارون وزيرا للدفاع في أيلول 1981، جمع الأركان العامة وقال لرافول: أخبرني كيف ممكن أن عرفات ما زال حيا؟

أجاب رافول، لم يكن هناك أي أمر من المستوى السياسي.

لذا، قال شارون بلغته المضحكة ولكن قاسية: كما تعلم، رافول، عندما كنت قائدك، تذكر، في القوات المظلية، لم ننتظر للمستوى السياسي ليقول لنا ما الذي يجب القيام به. لقد قدمنا ​​خططا لما كنا نظن أنه يلتزم القيام به للدفاع عن دولة إسرائيل، ونفذنا خططنا.

رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، بالكفيّة، صوّره قناص إسرائيلي حين ترك بيروت في عام 1982. (courtesy Oded Shamir)

ثم تدخل إيهود باراك، الذي كان آنذاك رئيسا لقسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي، وقال: “أنا قد قدمت خطة لكيفية قتل عرفات قبل 10 سنوات. لم تتم الموافقة عليها. قيل لي إنه شخصية سياسية ولا يمكن القيام بها”.

قال شارون: “حسنا، من الآن فصاعدا، سأغير الترتيب واعيد عرفات الى قمة قائمة الاشخاص الذين سيتم اغتيالهم”.

ثم تم تشكيل قوة تسمى “مخلل السمك” وحاولت أولا قتل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية خلال حصار بيروت. لم يكن لديهم الوسائل لدخول بيروت لإغتياله، لأنه كان برفقة حراس. كانت الفكرة تحديد أهداف للقوات الجوية.

عوزي دايان، وهو ضابط آخر، والقائد السابق لوحدة استطلاع هيئة الأركان العامة ماتكال (وحدة القوات الخاصة) وكبير الضباط الاستراتيجيين في “مخلل السمك”: فجأة فهمت أننا قد نعرض حياة العديد من المواطنين للخطر بخططنا هذه. قلت لرافول، لا يمكننا تفجير المبنى.

رافول أجاب: استمع، لا يمكنك أن تقرر عنّي، أنا أقرر، هذه مسؤوليتي. وبدأوا يتجادلون. قال رافول، أنت لن تعلمني عن الأخلاق العسكرية.

وقال لي دايان: لم أعرف ماذا أفعل، لذلك ببساطة قلت لنفسي، حسنا، ماذا الذي يمكنني أن أتخذ قرارا بشانه، كقائد للقوات؟ الامر متروك لي لتحديد ما إذا كان لدينا ما يكفي من المؤشرات والاستخبارات، من المسيحيين الخ، (لتكون قادرة على الإضراب). من وجهة نظر الاستخبارات، كنا نعرف أن رأس السمكة (عرفات) في مكان معين. كلما رأينا المدنيين، أعلنا أن الهدف لم يكن قابلا للتطبيق من وجهة نظر الاستخبارات، (وبالتالي تخريب القصف المخطط).

رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، بالكفيّة، صوّره قناص إسرائيلي حين ترك بيروت في عام 1982. (courtesy Oded Shamir)

في وقت لاحق، في المرحلة التالية، عندما تم إجلاء عرفات من بيروت، كانت هناك لحظة مثيرة جدا. هناك صورتان لم يتم نشرهما من قبل. واحدة لعرفات يصعد السفينة، والقناص الإسرائيلي هو الذي يصوره. وقد أعطيت هذه الصور للمبعوث الأمريكي فيليب حبيب لإظهار أن بيغن بقي على وعده بعدم قتل عرفات. لكنه لم يعد بأنه لن يفعل ذلك في وقت لاحق.

ثم تأتي القصة: قرروا، أو بالأحرى قام أريك شارون، بإعطاء أمر اسقاط طائرة. في بعض الاحيان طار في رحلات خاصة وفي بعض الاحيان في رحلات عامة. أنه أمر جنوني. كانت هناك حتى خطة لتنفيذ مثل هذا الهجوم فوق البحر المتوسط، لكي لا يستطيع أحد انقاذ الحطام، أو يتمكنوا من العثور على الصندوق الاسود.

كنت جالسا في مقهى ليس بعيدا عن هنا عندما روى لي شخص ما هذه القصة. قال لي، يمكنك اقتباسي والكتابة عن ذلك.

بالطبع كنت مندهشا جدا لسماع ذلك وبالطبع أردت نشرها.

لكنه أضاف، فقط إذا ذهبت إلى شخص آخر، وهو وافق أيضا على أن يخبرك اياها.

فكرت، فيما يتعلق بهذا الشخص الآخر، أنه لا توجد وسيلة في العالم لأتمكن من اقناعه في الحديث عن ذلك. لا يمكن. لقد رتبت لمقابلته، وتجنبت المسألة في البداية. عندما وصلت إلى النقطة، فجأة تغير ونظر الي مباشرة وقال: هل تعلم، لقد كنت في انتظار 30 سنة لشخص ما ليأتي ويسألني عن هذا.

قام، وسار إلى الجانب الآخر من الغرفة، وأخرج الخزنة والملف فيها. مع الأرقام، والمواد ذات الصلة.

الرحلات التي تم استهدافها؟

مع واحدة من الرحلات التي تم استهدافها.

فهل أراد منك أن تبلغ عن الأمر. كان يحمل كل هذا معه. لكنه لم يحدث.

لا، لم يحدث ذلك. في النهاية، لم يحدث ذلك، مرة أخرى لأن هناك مجموعة من الضباط البطوليين الذين قالوا: “لن ندع هذا يحدث”. ديفيد إيفري، أفيم سيلع، عاموس غلبوع، الذي قال، لن ندع ذلك يحدث، فلذلك عطلوا النظم لكي لا يحدث شيء.

أعرف الطيار (الذي كان من المفروض أن ينفذ الهجوم). قال انه لن يسمح لي بذكر اسمه. الطيار هو الآن شخصية بارزة جدا، جدا، جدا. انذاك، كان يعتبر الطيار المتميز للقوات الجوية الاسرائيلية.

على من كانت مهمة إسقاط الطائرة.

بعد ذلك، في الدورات التدريبية للطيارين التي علمها، قال انه يعلم عن هذه الحالة، ويقول للطلاب الطيارين، أنه يأمل أن لا يحدث لهم ذلك، وأنه يأمل لو كان بامكانه الفصح عن نفسه وانه لم يكون يطيع أوامر.

إذن، خلاصة القول، عدة مرات، للمرة الخامسة، هي أن شارون كان مستعدا لاسقاط الرحلات الجوية المدنية لو كان يعتقد أن عرفات كان على متنها؟

أود أن أقول إنهم نظروا إلى الرحلات المدنية والخاصة، وأن شارون، من وجهة نظر شارون – بقدر ما قيل لنا، وهناك أيضا استثناء واحد – لم يكن يهمه ما إذا كانت خاصة أو مدنية. يجب ان نقول ان عوديد شمير، السكرتير العسكري لشارون، اصر على ان جميع الطائرات (التى يحتمل ان تكون مستهدفة) تكون خاصة.

لدينا ثلاثة أشخاص آخرين يقولون إن (التخطيط) شمل رحلات مدنية. مرة أخرى، حتى لو كانت طائرة خاصة، هذا يعني ليس فقط قتل عرفات، ولكن أيضا العديد من الناس الآخرين على متن الطائرة. لكن في أي حال لم يحدث ذلك، لأن هناك أبطال الذين منعوا ذلك.

ابتزاز الشين بيت

عدة سنوات لاحقا: قضية الحافلة 300 (عام 1984، التي قتل فيها أعضاء الشين بيت خاطفين فلسطينيين على متن حافلة بعد القبض عليهم). لقد كتب الكثير عن ذلك، ولكن في رأيي فأن أهم شيء لم يكتب: لماذا بذل رؤساء الوزراء شمير وبيريس ورابين مثل هذا الجهد الضخم، والذهاب إلى الرئيس هرتسوغ، وإقناعه بالعفو عن رؤساء الشين بيت الذين حاولوا اخفاء ما حدث؟ كان من الواضح أن هذا من شأنه أن يسبب احتجاجا عاما، فلماذا يفعلون ذلك؟ أنا لم أفهم ذلك أبدا، ولكن الآن أعرف لماذا.

أدرك هؤلاء في الشين بيت أن لا شيء يعمل بالنسبة لهم. حاولوا إلقاء اللوم على اسحاق شمير، موشيه آرنز، إيتسيك مردخاي، لكنه لم ينجح. كان النائب العام قد أمر بإجراء تحقيقات في الشرطة ضدهم. ماذا فعلوا؟

اجتمعوا في فندق غراند بيتش. جلسوا وكتبوا “ملف الجمجمة”، موضحا بالتفصيل جميع الاجراءات “السوداء” التي قام بها الشين بيت منذ السبعينيات، وتمت الموافقة على بعضها من قبل رؤساء الوزراء. ثم سلموه الملف وقالوا، مهلا، إذا وضعتنا في المحاكمة، لن يكون لدينا خيار الا أن ….

قال لي أحد كبار الوزراء في تلك الفترة إنهم قالوا إنهم سيجلبون الملف الى محاكمتهم، وأنه فهم: كانوا يبتززوننا.

ما فعله الشين بيت في قضية الحافلة 300 لا يقل عن إعلان ثورة. اتخذوا أساليب التلاعب والتضليل والتهديد والابتزاز وغيرها، وبدلا من استخدامها ضد العدو، استخدموا هذه التكتيكات ضد جانبهم.

وقد قال لي أحد الذين تم التحقيق معهم في هذه القضية، وشهد في لجنة التحقيق، إنه خشي أن يقتلوه للإدلاء بشهادته.

الآن أنا لا أعتقد أنهم كانوا سيقتلوه، لكنه يعتقد أن ذلك ممكن، أن هذه المنظمة كانت قادرة على القيام بهذه الأمور.

وعلى النقيض من ذلك، قام الشين بيت اليوم بنشر الصور التي التقطها أليكس ليفاك، والتي تسببت في تفجير القضية بأكملها، إلى موقعه على الإنترنت. لذلك، الآن، الشين بيت يعتبر هذه المسألة بمثابة الأمر الذي طهّر العفن.

ايقاف صدام

الآن نحن بحاجة إلى الحديث عن جميع الأنشطة ضد المشروع النووي العراقي.

كانت هناك كل هذه العمليات السرية (في محاولة لوقف صدام من الحصول على القنبلة في أواخر السبعينات)، والتي تنطوي على التخريب، واغتيالات العلماء، بما في ذلك قتل وحشي جدا.

صدام حسين خلال الحرب الإيرانية العراقية في سنوات الثمانين. (Public domain, Wikimedia Commons)

كلما هوجم صدام أكثر، كلما كان أكثر إصرارا. لدي شهادة عالم نووي عراقي قال إن صدام قال أنه سيوسع الميزانية بعشرة أضعاف في أي وقت يحدث فيه شيء ما. إذا قتلوا عالما، أعطي جميع العلماء الآخرين سياراتهم الخاصة كهدية، وصدام تأكد من أن الجميع يعرف أنه سيهتم بأسرة ذلك العالم طوال حياتهم.

في مرحلة معينة، اسحاق حوفي، رئيس الموساد في هذه الفترة، يأتي إلى بيغن – أنا أقول لك هذا بناء على شهادة حوفي – ويقول: أنا آسف أن أقول لك، لقد فعلنا كل شيء بإمكاننا فعله، ولكن لم يعد بإمكاننا ايقاف (البرنامج النووي). الآن الأمر متروك لك – إذا كنت تريد الشروع في عملية عسكرية، أو ترك الأمر، لكن صدام عازم على الحصول على الأسلحة النووية.

مفاعل تموز العراقي النووي قبل القصف الإسرائيلي عام 1981. (photo credit: Wikipedia)

صحيفة واحدة (كبرى الصحف الأمريكية) فقط عبرت عن تأييدها لإسرائيل (قصف مفاعل تموز النووي التابع لصدام في عام 1981): صحيفة “وول ستريت جورنال”. كانوا على حق. كان بيغن على حق في أنه كان يجب القيام بشيء ما، لأن صدام كان حقا مجنون، ومن المحتمل أن يستخدم الأسلحة النووية.

ما حدث بعد ذلك ليس أقل إثارة للاهتمام. بعد تدمير إسرائيل للمفاعل، اعتقدت أن المشكلة قد تم حلها، ووضع العراق في أسفل قائمة أولوياتها. لم تقيّم بشكل صحيح تصميم صدام. لكن من 1981-1990، بنى صدام برنامج أسلحة نووية، ولو لم يكن قد ارتكب خطأ غبيا، من جانبه، في غزو الكويت، لكنا قد وجدنا بحلول منتصف التسعينات أدلة تبيّن أن العراق لديها الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية، والقدرة على إطلاق صواريخها على إسرائيل والمملكة العربية السعودية. كان هذا إخفاقا فظيعا في الاستخبارات، أدت خطورته إلى توصية إيهود باراك أن تكون هنام عملية لاغتيال صدام حسين.

لم يقتلوا صدام، لأنه وقع حادث في قاعدة (تسيئليم) للتدريب العسكري. ينشر الكتاب بعض الوثائق المتعلقة بذلك للمرة الأولى.

عباس الموسوي. (Wikipedia)

وهو يثير مسألة ما إذا كان صحيحا قتل القادة. فإن ذلك يغيّر التاريخ، ولكن ليس دائما في الاتجاه المتوقع. لقد قتلنا (رئيس حزب الله عباس) الموسوي، وحصلنا على حسن نصر الله، وتغيير كامل في أولويات حزب الله، للتركيز على إسرائيل. قتلنا الزعيم الروحي لحماس الشيخ أحمد ياسين لنجد حماس تتحالف مع إيران. دعنا نعود إلى ذلك.

لكن دعونا أولا نعود إلى الترتيب الزمني. دعنا نتحدث عن منتصف التسعينات – أصعب فترة لإسرائيل.

الأجهزة الأمنية والإستخباراتية الاسرائيلية لم تكن مستعدة لما وصفوه بالمخابرات العسكرية “الجبهة الراديكالية” – سوريا وايران وحماس وحزب الله والجهاد الإسلامي الفلسطيني والإنتحاريين.

أفي دختر، رئيس الشين بيت من 2000-2005، اعترف بأنهم لم يتمكنوا من تزويد السكان الإسرائيليين بالحماية التي يستحقونها. قال هذا عن نفسه، الإسرائيليين عادة لا يتحدثون هكذا عن أنفسهم.

رئيس الشين بيت السابق عامي ايالون. (Olivier Fitoussi/Flash90)

الفضل في التغيير، أود أن أعطيه لعامي أيالون. من 1996-2000 كرئيس الشين بيت، أصلح المنظمة، غيّر أساليب عملها، وأدخل نهجا تكنولوجيا. السبب الرئيسي الذي يجعلنا نعيش هدوء نسبي الآن هو نتيجة لما فعله عامي أيالون آنذاك.

هو من أعد الشين بيت لأصعب تحد له.

الإنتفاضة الثانية

بقدر ما انتقد بشدة ارييل شارون في حرب لبنان الاولى، اعتقد انه كان الشخص المناسب في الوقت المناسب وفي المكان المناسب كرئيس للوزراء. اتخذ سلسلة من القرارات الهامة جدا، ولم يكن أي منها شائعا أو بدا مبررا في ذلك الوقت.

أحداها كان أمر مؤسسة الإستخبارات الإسرائيلية بأكملها بالتركيز على قضية واحدة – معالجة الهجمات الإنتحارية.

وهي ماتسمى بانتفاضة الأقصى، ولكن ما تسبب في وقوع أكبر قدر من الضرر هو الإنتحاريون.

أتذكر أنني كنت في شارع شينكين في تل أبيب في مارس 2002 – في ذروة العمليات الإنتحارية ، بما في ذلك تفجير ليلة عيد الفصح في فندق بارك في نتانيا. كنت مع جنرال إسرائيلي. لم يكن هناك أحد في الشوارع. كانت تل أبيب مدينة أشباح. قلت له: عليك أن تفعل شيئا. لم تكن مجرد مسألة الضحايا، الموت، الحزن، والدم. شلت البلاد تماما. كانت الدولة على حد الإفلاس. وما أنقذ إسرائيل كانت قرارات أرييل شارون، وسياسة مؤسسة الإستخبارات الإسرائيلية، التي كانت تقوم في المقام الأول على عمليات القتل المستهدف.

فندق ’بارك’ في ليلة 27 مارس، 2002، بعد أن أودى تفجير إنتحاري بحياة 30 إسرائيليا. (Flash 90)

من نقتل؟ ليس الإنتحاريين. تفاخرت حماس بأن لديها من المتطوعين أكثر من الأحزمة الانتحارية. كانت السياسة هي قتل الأشخاص الموجودين فوق المفجرين (في التسلسل الهرمي للجماعات الإرهابية). بات واضحا أنه في كل المنظمات مجتمعة – حماس وفتح والتنظيم وما إلى ذلك – كان هناك ما مجموعه 700 شخص. هذا عدد كبير، ولكن ليس كبيرا جدا. توصلوا إلى استنتاج مفاده أنه لا حاجة إلى قتل الجميع في هذا المستوى؛ كان يكفي قتل أو ضرر 25% منهم لشل المنظمة.

إسحاق بن إسرائيل، الجنرال الذي قاد تطوير أسلحة الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت، أوضح لي بشكل جيد جدا: تخيل أن هناك سيارة وأنها تتحرك نحوك، وتريد وقفها ولديك بندقية. إذا قمت بطخ السائق، لقد انتهيت من المهمة. لو أصبت عجلة، قال انه سيخرج ويغيرها. إذا أصبت عجلة ثانية، لن تكون لديه عجلة ثانية لتغييرها الثانية. الفكرة هي: أنت لا تحتاج إلى تفجير السيارة بأكملها.

وافق شارون على توصية الشين بيت ببدء القتل. تذكر أين كنا: كان هذا قبل أن تبدأ الولايات المتحدة باستخدام القتل المستهدف بعد 11 سبتمبر. كانت تعتبر جريمة حرب. لم يفعل أحد ذلك. كانت هناك كل الأهمية الدولية والقضائية والأخلاقية.

آفي دختر (Channel 2 screenshot)

قال آفي دختر أن شارون أرسله إلى واشنطن لشرح هذه السياسة لأن الأمريكيين كانوا غاضبين جدا. التغير الكبير مع شارون، منذ أن كان وزير الدفاع إلى الوقت الذي أصبح فيه رئيسا للوزراء، هو في موقفه من الأمريكيين. قال لي مرة أن أفضل نصيحة أعطاه اياها أطفاله من أي وقت مضى هي: لا تتجادل مع الأميركيين اطلاقا.

أخبرني دختر أن شارون أخبره بالسفر إلى الولايات المتحدة ليشرح للرؤساء المخابرات الأمريكية لماذا نقوم بتنفيذ عمليات القتل المستهدف – وهو مصطلح اخترعه دختر. لذلك قال دختر: أتكلم العربية بشكل ممتاز، العبرية على ما يرام، لكن لغتي الإنجليزية أقل. كان علي أن أعطي محاضرة لجميع رؤساء المخابرات الأمريكية. أخذت الملف الذي كنت قد أعددته للحكومة الإسرائيلية وفيه قائمة بجميع الذين اغتيلوا، وطلبت من مكتب الشين بيت ترجمته وإضافة عناوين باللغة الإنجليزية.

جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية يشاهد من مركز العمليات الطارئة في البيت الأبيض، حيث كان الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش يخاطب الأمة في 11 سبتمبر 2001. (US National Archives)

كيف ترجموا سيكول ميموكاد؟ (عمليات القتل المستهدف)، مع انجليزيتهم الممتازة؟ كما “الوقاية المركزة”، الذي يبدو وكأنه الواقي الذكري. وصلت إلى المحاضرة وقلت: هذا هو الوقاية المركزة رقم 1، الوقاية المركزة 2، وهلم جرا، وكان بامكاني أن أرى أن ليس لديهم فكرة عما كنت أتحدث عنه. ثم (قائد وكالة المخابرات المركزية) جورج تينيت قال، آه، أعتقد أنني فهمت ك دختر، أنت تعني عمليات القتل المستهدف.

شارون والرئيس جورج دبليو بوش تمكنا من التوصل إلى تفاهم سري بأنه سيسمح لإسرائيل بمواصلة سياستها العدوانية الفائقة ضد الإرهاب طالما أن شارون وفى بوعده بتجميد المستوطنات. هذا ما حدث.

ساعدت جميع التدابير على وقف الانتفاضة الثانية، بما في ذلك إرسال قوات إلى المناطق المدنية في الضفة الغربية في إطار عملية الدرع الواقي. لكن العامل الرئيسي كان عمليات القتل المستهدف التي هزمت شيئا اعتبره الجميع غير قابل للهزيمة: كيف يمكن ايقاف شخص الذي يريد أن يموت ويحمل حزام انتحاري، من أن يفجر نفسه في مركز تجاري أو روضة أطفال؟

لا يمكنك. (لكن عمليات القتل المستهدف) أوقفت التفجيرات الانتحارية. في ذروتها، قتلوا الشيخ ياسين (في مارس/آذار 2004) وبعدها (بثلاثة) أسابيع (خليفته عبد العزيز) الرنتيسي. توصلت حماس إلى استنتاج مفاده أنها ببساطة غير قادرة على الاستمرار، ومن خلال المصريين توسلوا لوقف إطلاق النار.

لا تزال حماس تشكل تهديدا كبيرا لإسرائيل. لكن ما حدث بعد ذلك يبرهن على انه حتى تنظيم جهادي ارهابي الذي يبدو ان ليس له حدود يمكن اخضاعه عندما تكلّفه قادته.

وإذا كان هناك يعتبر انتصار، فهذا هو الانتصار. وكان أيضا انتصار شارون.

هناك ثلاثة أمور أريد إضافتها.

أولا، فيما يتعلق بالشيخ ياسين (القائد الروحي لتفجيرات حماس): كما قلت من قبل، عندما تقتل أحد القادة، لا تعرف ما الذي سيؤدي اليه ذلك. موته أضرّ حماس بشكل رهيب. لم يصدق معظمهم في المخابرات الاسرائيلية انه سيبدأ حربا مقدسة ضد اسرائيل. وحقيقة أنهم قتلوا رجلا عجوزا مشلولا، والذي كان يعتبر قائدا دينيا، في الواقع، لم يدفع أي ردود فعل تقريبا. هذا ما أثار غضب حماس. كان إنجازا كبيرا جدا على المدى القصير بالنسبة لإسرائيل.

لكن من ناحية أخرى، بإخراجه، أزالوا الحاجز الأخير بين حماس والنفوذ الإيراني المباشر. لم يكن ياسين يريد (علاقة مع) الإيرانيين. ما رأيناه بعد ذلك هو الدخول الإيراني إلى غزة – الصواريخ، استيلاء حمس على غزة بتشجيع إيران في عام 2007 – مما أدى الى أن تشكل حماس الآن تحديا أكبر بكثير مما كانت عليه في ظل ياسين. لدينا الآن شيء أسوأ.

عرفات مرة أخرى

ثانيا، شارون لم يغير رأيه حول عرفات أبدا. قال شارون لمساعديه انه يريد وضع فيديو قال ان اسرائيل قامت بتصويره على يد المخابرات الرومانية حيث يتم رؤية عرفات وهو يمارس الجنس مع حراسه على الانترنت من اجل احراجه. تخلى عن هذه الفكرة التي ليست أقل من فكرة رائعة، لأن عرفات وجد نفسه في مشاكل من خلال الكذب على الرئيس بوش في قضية كارين أ (شحنة الأسلحة). قد أثبتت إسرائيل لبوش أن عرفات كاذب، وأن بوش لن يصدقه بعد الآن. أعلن بوش ان الفلسطينيين سيتعين عليهم اختيار زعيم جديد لهم.

لكن شارون لم ينته من عرفات. كان من المهم جدا له أن يعرف العالم من هو عرفات حقا. في عام 2002، خلال عملية الدرع الواقي، دخلت قواتنا المقاطعة، وهي مقر عرفات، واستولت على جميع الوثائق. بعد ذلك بوقت قصير، سألت توفيق الطيراوي، الذي يرأس المخابرات الفلسطينية في الضفة الغربية، لماذا لم يحرقوا المواد. كانوا يعرفون أن الإسرائيليين قادمون، وكان لديهم الوقت الكافي للقيام بذلك. قال الطيراوي ان “الضابط الاحمق” الذي كان المفروض ان يحرق الاوراق قد هرب.

لقد أخذ الإسرائيليون الكثير من الوثائق التي أثبتت مدى عمق مشاركة عرفات في تمويل الإرهاب. هذا هو عرفات. لم يتخل عرفات أبدا عن عقلية حرب العصابات.

أعطيت حق حصري لقراءة معظم المواد، وكتبت كتابا عن الإرهاب، كتابي الأول. عملت على قاعدة استخباراتية ليست بعيدة عن هنا، في غليلوت. كانت هناك صناديق ضخمة من المواد، قرأت جميع ما فيها. تلقيت مساعدة في الترجمة لأن لغتي العربية ليست جيدة بما فيه الكفاية. كان الكتاب من الأكثر مبيعا بالعبرية.

ثم تلقيت مكالمة هاتفية من أحد أقرب المقربين من شارون، الذي قال إنه يتحدث نيابة عنه: نريد أن نقول لكم أن كتابك رائع. أريك نفسه يريد منك أن تعرف أن الكتاب عظيم. أيمكن أن نلتقي؟

التقينا في مقهى أركافي في مركز رمات أفيف. قال إنه من المهم جدا أن تصل محتويات الكتاب إلى جمهور أوسع، أي في الخارج. ما هي فرص نشرها باللغة الإنجليزية؟ أجبت أن هذا هو أول كتاب لي. انا شاب. لا أحد يعرفني. أنا لا أعرف ما هي الفرص.

سئلت عما ستكلف ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية. فكرت بمبلغ 20،000-30،000 دولار. قال مساعد شارون ان الاموال ليست مشكلة. كان من المهم جدا أن يعرف العالم من هو هذا الكلب حقا.

من الصعب جدا رفض مثل هذا العرض. أنا حقا لم يكن لدي المال.

لكنك قبلت.

بالتأكيد.

الآن (الشيء الثالث الذي أريد أن أبرزه هنا): كان هناك بعض الناس الذين اعتقدوا أن عرفات يجب أن يقتل.

ووصلت الكلمة إلى البيت الأبيض. في نيسان/أبريل 2004، التقى جورج بوش بأريك شارون في البيت الأبيض، وطلب منه أن يعد بأنه لن يقتل عرفات.

أجاب شارون: سيدي الرئيس، أرى وجهة نظركم.

بوش: حسنا، أريدك أن تعدني بأنك لن تقتله.

شارون: سيدي الرئيس، أفهم حقا ما تقوله.

وفي النهاية وعد بوش.

ولكن بعد ذلك بوقت قصير حصل عرفات على هذا المرض الغامض، ونقل جوا إلى باريس حيث توفي.

في الكتاب، لا تذكر ما حدث بالضبط.

انا لا أستطيع. ولكنني أقتبس بعض الأشخاص. ذهبت وسألت عما حدث:

(رئيس الأركان آنذاك موشيه) يعلون، في لغته المزهرة، أجاب بأن عرفات مات من الحزن.

شمعون بيريس: لم أكن أعتقد أنه يجب أن يقتل.

(رئيس الأركان السابق) دان حالوتس، تردد لحظة وقال: آه، الآن هذه هي اللحظة التي تفحص فيها لغة جسدي؟

رئيس الموساد مئير داغان يقول شيئا متماشيا مع الفكرة أنه لو قتل اليهود و شارون عرف من فعل ذلك، فأنه لا يمكن أن يسمح بغض النظر عن الأمر.

قال اوري دان (كاتب سيرة شارون الذاتية) الذي كان قريبا جدا منه ان شارون سينزل في التاريخ باعتباره الشخص الذي قام بمسح عرفات دون قتله فعلا.

فيمكننا أن نستخلص الاستنتاجات الخاصة بنا من الكتاب.

إيران و “الانشقاق الأبيض”

دعنا ننتقل إلى تعيين مئير دغان رئيسا للموساد من قبل شارون. شارون يريد شيئا آخر للموساد. لذلك استبدل إفرايم هاليفي بدغان. أخبره شارون: دغان، أريدك أن تفعل في الموساد ما فعلته في غزة في السبعينيات. أريد الموساد مع خنجر بين الأسنان.

التقيت شارون في ذلك الوقت، وقلت أن مئير دغان كانت لديه سمعة لكونه الزناد، وضابط المارقة. إنه أمر مختلف أن تقود وحدة من القتلة في غزة، لكن الموساد منظمة تضم آلاف الموظفين.

قال شارون، رونين، أعتقد أن دغان هو الشخص لاستعادة الموساد لمجده السابق.

سألت لماذا، ومن المتوقع أن يجيب بنكتة مروعة، كما كان يحب أن يفعل. رد شارون قائلا: إن خبرة مئير الخاصة هي فصل الإرهابي عن رأسه.

كثير من الناس، بما فيهم أنا، انتقدوا دغان كثيرا في تلك الفترة، لكنه فعلا غيّر الموساد.

مئير دغان (يسار) يتولى منصب رئيس الموساد من إفرايم هاليفي، ورئيس الوزراء أرييل شارون يشاهد في 12 ديسمبر 2002. (Flash90)

وخفض قائمة الأهداف الأساسية إلى أدنى حد ممكن. قال إن الموساد سوف يتعامل مع أمرين فقط – (مكافحة) مشاريع أسلحة الدمار الشامل في البلدان المعادية، وخاصة إيران وسوريا، ودعم هذين البلدين للحركات الإرهابية الجهادية. هذا كل شيء.

عندما تركز فقط على هدفين، تحصل على النتائج.

دغان شارك شخصيا في العمليات، سافر في جميع أنحاء العالم. في الحديث معي – ولقد نشرت فقط جزء من محادثاتنا – انتقد بشدة ما حدث في الموساد قبل وقته. لدي 400 صفحة من النصوص، ومعظمها لا يمكنني نشرها.

وبشكل حاسم، ركز على التعاون الإقليمي. اليوم، بيبي يتحدث عن هذا كثيرا، لكنه لم يكن بديهيا. اعتقد دغان أن هناك بعض الدول التي تدين إسرائيل في المجال العام، وتصوت ضدها في الأمم المتحدة، وتقول أشياء فظيعة عنها، ولكنها لديها نفس المصالح تقريبا.

دافيد ميدان، رئيس قسم العلاقات الدولية في الموساد (تيفيل)، الذي ولد في مصر، عمل مع دغان في هذا الشأن. كانوا يسافرون في جميع أنحاء الشرق الأوسط في طائرات خاصة، ويجتمعون مع القادة العرب ورؤساء المنظمات، ويتعاونون معهم. كثير من النجاحات المنسوبة إلى الموساد هي نتيجة لهذا التعاون.

على المستوى الشخصي، كانت هناك علاقة خاصة بين دغان و (رئيس وكالة المخابرات المركزية) مايكل هايدن. العلاقة بين تينيت والإسرائيليين لم تكن واضحة هكذا. كانت ودية، ولكن تينيت يشتبه دائما بأن الإسرائيليين يتلاعبون به.

مايكل هايدن خلال فترة رئاسته لوكالة المخابرات المركزية. (CC BY-CIA/Wikipedia)

بين هايدن ودغان، كان الامر مختلفا. هايدن نفسه قال لي: جلست في اجتماعات مجلس الأمن القومي و (في بعض الأحيان) كنت أتصل بمئير مباشرة من الاجتماع وأسأله ما رأيه حول القضايا التي ظهرت. كان هذا الأمر غير مسبوق.

هذا التعاون تجلى في سلسلة من الإجراءات ضد إيران.

دغان ونائبه (وخليفه تامر) باردو قال: علينا أن نوقف (الإيرانيين). عقدوا اجتماع رئيسي في عام 2004 في مقر الموساد، حيث حضر جميع قادة المخابرات، وعرض باردو الخطة ضد إيران.

(كان التفكير :) إذا كانت إيران تريد حقا انجاز الأسلحة النووية، سوف تصل الى هناك في النهاية. ماذا يمكننا أن نفعل (لتغيير ذلك)؟ يمكننا أن نحاول إحداث تغيير في النظام الإيراني، أو أن نقنع القادة أنه لا يسوى أن يستمروا لأنهم سيغرقون في أزمة اقتصادية عميقة – العقوبات والضغوط السياسية وما إلى ذلك. وفي هذه الأثناء، يمكننا أن نتسبب في ابطاء كبير في البرنامج النووي حتى لا يصلوا إلى مرحلة امتلاك أسلحة نووية.

قام دغان ببناء برنامج ذا خمس أو ست نقاط: الضغط السياسي؛ الجزاءات؛ منع صادرات المعدات ذات الاستخدام المزدوج (إلى إيران)؛ تشجيع المعارضة (للنظام)؛ والتدابير السرية الأخرى بما في ذلك تدابير التخريب مثل ستوكسنت والألعاب الأوليمبية والتعاون مع الأمريكيين، وكل المسألة المنسوبة إلى الموساد لاغتيال العلماء النوويين الإيرانيين.

سألت هايدن: من بين جميع الأدوات والأسلحة المختلفة التي تم تفعيلها في جميع أنحاء العالم ضد المشروع النووي الإيراني، أيها كان الأكثر فعالية؟

أجاب دون تردد: الشيء الوحيد الذي كان الأكثر فعالية هو أن شخصا ما بدأ في قتل العلماء. لم يكن ذلك الشخص نحن. ان ذلك غير قانونيا وفقا للقانون الأمريكي، وأنا لا أعرف من فعل ذلك.

طبعا أنا ابتسمت.

لا، لا تخطئ فهمي، هو أصر. الإسرائيليون لم يقولوا لنا أي شيء عن ذلك.

لأنه غير قانوني. انها ليست قتل مستهدف. يرسم الأمريكيون تمييزا قانونيا صارما بين عمليات القتل المستهدف والاغتيالات. عمليات القتل المستهدف هي قتل المقاتلين في منطقة حرب، و قتل العلماء الإيرانيين ليست مثل هذه الحالة.

ولكن أكثر ما أدى الى تأخير في البرنامج النووي الإيراني هو قتل العلماء.

هايدن أخبرني عن إحدى اللقاءات الأولى التي عقدها مع الرئيس أوباما، في مجلس الأمن القومي، حيث سأل أوباما هايدن عن كمية اليورانيوم المخصب الموجود في ناتنز. أجاب هايدن: السيد الرئيس، أنا فعلا أعرف الإجابة على هذا السؤال، ولكن أولا يجب أن أقول لك أنه لا يهم، لأنه لن تكون هناك قنبلة واحدة خارجة من ناتنز. ما يفعلونه في ناتنز هو بناء المعرفة، وهناك طريقة واحدة لتدمير المعرفة.

ما قامت به عمليات اغتيال علماء نوويون، أولا، هو إخراج الأشخاص الرئيسيين ذوي الخبرة والمعرفة. وثانيا، أجبر النظام الإيراني بأكمله على بذل جهد كبير في محاولة لتحديد اثار الموساد، وفحص جميع معداتهم بحثا عن الفيروسات، ووضع الحراس الشخصيين وحراس الشرطة على بقية العلماء. هذا في حد ذاته، دون أن يفعل الموساد أي شيء، أدى الى تأخيرهم سنوات. والثالث، ربما الأكثر أهمية، كان ما وصفه دغان بالانشقاق الأبيض.

الانشقاق الأبيض ليس مثل انشقاقات الحرب الباردة القديمة، عندما كان كان يمكن نقل الشخص إلى الاتحاد السوفياتي ووضعه في منزل آمن في لانغلي. الانشقاق الأبيض هو لعالم نووي، هو ليس جنديا مدربا، الذي يحب العمل في ذلك المرفق، ويحصل على الكثير من المال، ويشكل جزءا من مشروع وطني، ولكنه يرى أن زميله في الغرفة الأخرى فقد ساقه، و قتل الزميل في الغرفة التالية. لذلك يقول: إن الامر لا يستحق ذلك، ويختار أن يتنحى جانبا ويستقيل، ويعود إلى ما فعله من قبل، مثلا، التدريس في جامعة الحسين في طهران. لقد تسبب ذلك في أضرار جسيمة.

لكن دغان أخطأ في جانب حاسم مهم. أعطى السياسيين الرسالة أنه تمكن من وقف المشروع بأكمله. لم يكن هذا صحيحا.

على النقيض من صورته كمتنمر نوعا ما، كان سياسيا فعالا – ليس بمعنى اليسار أو اليمين، ولكن في قدرته على التلاعب بالناس. وقال لي كيف كان يتلاعب بنتنياهو. قال ان نتانياهو جبان. من الواضح أن لم يعجب دغان. قال لي كيف كان يتعامل مع نتنياهو (عندما أراد من رئيس الوزراء أن يأذن بعملية): كنت أحضر معي جميع النشطاء وضباط المخابرات الذين يمكن أن يشرحوا العملية. كنت أعرف أن نتنياهو يريد (تجنب الوضع) حيث يعرف 15 شخصا أنه لم يأذن بعملية ويظهر على أنه جبان.

بالمناسبة، (رئيس الوزراء إيهود) أولمرت أعطى دغان الموافقة لتنفيذ عمليات صعبة بشجاعة. بعض منها حدث فعلا. البعض لم يحدث لأن هناك أشخاص الذين وقفوا في الطريق. كان من الممكن أن تسبب هذه العمليات أضرارا جسيمة لدولة إسرائيل. أصاب بالقشعريرة لمجرد التفكير في ذلك. كان لداغان أفكاره: كان مبدعا جدا وأيضا متوحش. أولمرت أعطاه انتقائية.

ولإغلاق هذ الموضوع، أدى ذلك إلى تصعيد (المواجهة) بين دغان ونتنياهو، وهو ما أصفه في مقدمة الكتاب حيث أمر نتنياهو دغان بتعليق العمليات مؤقتا بعد مقتل المبحوح، ويؤكد دغان أن الاغتيالات وغيرها من “التدابير الدقيقة “كان من الممكن أن توقف البرنامج النووي الإيراني، وتنتهي ولاية دغان في منصب رئيس الموساد.

دغان (الذي توفي في عام 2016) قال إن نتنياهو سوف يفعل شيئا غير قانوني من خلال مهاجمة إيران وأنه منعه من القيام بذلك. لا يرى نتنياهو الأمر بهذا الشكل. يقول كل من نتنياهو وباراك إن ما يريدان القيام به قانوني تماما؛ أن كونهم يعتزمون مهاجمة إيران ليس أمرا غير قانونيا. قال دغان انهم حاولوا التلاعب بالقنوات الصحيحة للترخيص، ولم يعتزموا التشاور مع الحكومة.

لقطات من شرطة دبي بخصوص اغتيال مبحوح. (Screenshot via YouTube)

انتقد نتنياهو لاحقا دغان على ما حدث مع مبحوح. الخطأ الذي حدث في موضوع مبحوح كان نتيجة الغطرسة. لا أستطيع أن أكتب كل شيء عن ذلك. خلاصة القول هي أن دغان كان واثقا من نفسه – كان لديهم طريقة جديدة للعمل – وقال: دعونا نعثر على هدف ونحاول هذه الطريقة.

لم تكن ناجحة وكان ينبغي القيام بها بشكل مختلف. لكن حتى لو نجحت بنسبة 100٪ فأن وضع 27 عنصرا في خطر من أجل هذا الهدف، لم يبرر ذلك. كما قال لي أحد عمال الموساد، الّا لو كان هناك رأس حربي نووي تحت سريره في غرفته الفندقية في دبي، لم يبرر ذلك وضعهم في مثل هذا الخطر.

دعنا نعود إلى إيران، أريد أن أفهم. هل تقول أن نتنياهو وبارك كانا سيهاجمان إيران، في حين أنهم في سبتمبر 2010، كما تكتب، وضعوا الجيش الإسرائيلي والموساد على “0 زائد 30” – بمعنى 30 يوما من هجوم شامل على إيران؟

وفيما يتعلق بأمر “0 زائد 30” على وجه التحديد، رئيس الجيش الإسرائيلي غابي أشكنازي قال، نحن لسنا على استعداد. عموما، ذلك يعتمد على من تسأل. سألت وزير الدفاع آنذاك باراك. في يناير / كانون الثاني 2012، نشرت مقالا على الصفحة الأولى في صحيفة نيويورك تايمز يوضح بالتفصيل خطط الهجوم، ولأول مرة، اقتبست باراك الذي قال إننا سنهاجم.

نتيجة لذلك، دعت السيناتور ديان فينشتاين اجتماع لجنة المخابرات الفرعية، وسألت من رؤساء أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن رأيهم. قرأت لهم مقتطفات من ما كتبته في صحيفة نيويورك تايمز وسألتهم ماذا يعتقدون، وقالوا انهم تلقوا الافتراض بأن إسرائيل ستهاجم في عام 2012.

تسبب هذا في هزع حقيقي في البيت الأبيض، لأنهم أعتقدوا أن مقالتي زرعت عمدا في الصحيفة على يد نتنياهو وبارك – وهذا غير صحيح! – من أجل الضغط عليهم للعمل بمفردهم.

لكن ما حدث هو العكس تماما. في النهاية، لم تتصرف إسرائيل. ويقول باراك إنه اليوم، مفكرا بالماضي، يعتقد أن نتنياهو لم يكن ينوي أخذ خطوات. يقول باراك من جانبه إنه يعتقد أننا كنّا يجب أن نهاجم.

كان ممكن أن يهاجم باراك إيران؟

نعم.

لكن نتنياهو لم يوافق على ذلك، وفقا لباراك؟

وفقا لباراك. يقول انه لا يعتقد أن بيبي فعلا كانت لديه نيه الهجوم.

يقول باراك: أعتقد أن بيبي كان يهدف إلى الضغط على الأمريكيين بأن عليهم أن يفعلوا ذلك، حتى لا يعلقوا في عملية إسرائيلية

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع آنذاك إيهود باراك يحضران مؤتمرا صحفيا في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 21 نوفمبر / تشرين الثاني 2012. (Miriam Alster/FLASH90)

ما حدث فعلا، بالمناسبة، هو أن الأميركيين كانوا مذعورين جدا. بالطبع، أوباما لم يفكر في المهاجمة. ما حدث على ما يبدو يوضّح مت يلي: في مارس / آذار 2012، بعد شهرين من ظهور المقال، زار تمير باردو رئيس الموساد حينها واشنطن، وأخبر بأن ديان فينشتاين أرادت أن تلتقيه على وجه الاستعجال. أخذوه إلى مخبأ ما تحت الكونغرس، لمقابلتها. فينشتاين: سيدي رئيس الموساد، أخبرني ما هو تدريب الذي يقوم به الان اللواء 35 (المظليين)، أي تمارين؟

لم يكن لدى رئيس الموساد أي فكرة عما كان يفعله هذا اللواء ولم يهمه؛ ويفترض أنها تدريبات غير هامة. لكن الأقمار الصناعية أظهرتها. كان الأمريكيون على يقين من أن إسرائيل كانت تستعد لغزو إيران. هذه هي درجة الهستيريا الأمريكية.

باردو عاد إلى نتنياهو وقال: أنت لا تفهم ما يحدث هناك. عليك تهدئة الأمور، لأن الأمريكان سوف يتصرفون، وأنت لا تعرف الى أين سيؤدي هذا، ليس بالضرورة في الاتجاه الذي تريده.

(في كتابه، كتب بيرغمان: باردو “حذر نتنياهو من أن الضغط المتواصل على الولايات المتحدة سيؤدي إلى إجراء دراماتيكي، وليس على الأرجح الاجراء الذي كان يأمل به نتنياهو. باردو نفسه اعتقد أن عامين آخرين من الضغط الاقتصادي والسياسي ربما تجعل إيران تستسلم في ظل ظروف مواتية والتخلي عن مشروعها النووي بالكامل، لكن نتنياهو رفض الاستماع إليه، وأمر باردو بمواصلة الاغتيالات، والجيش الإسرائيلي بمواصلة الاستعدادات لهجوم. في ديسمبر / كانون الأول، كان الموساد مستعدا للقضاء على عالم آخر، ولكن قبل أن يمضي قدما، أوباما، خوفا من العمل الإسرائيلي، وافق على اقتراح إيراني لإجراء مفاوضات سرية … ومن المعقول أن نفترض أنه لو كانت المحادثات قد بدأت بعد عامين، فإن إيران كنت لتأتي إليهم في حالة أضعف بكثير … “)

في نهاية عام 2012، اكتشف الموساد أن الأمريكان، دون علم إسرائيل، قد بدأوا مفاوضات سرية مع إيران. بسبب ذلك، قبل نتنياهو توصية باردو بوقف كل نشاط عدواني ضد إيران. باردو، وبهذا المعنى قبل نتنياهو وجهة نظره، أن إسرائيل لا يمكن أن تتحرك بقوة ضد إيران، حتى سرا، في حين أن هناك خطاب سياسي يديره الأمريكيين.

خلاصة القول هي أن التهديدات التي وجهها نتنياهو بالهجوم تسببت في نتيجة عكسية. وبدلا من وصول الإيرانيين إلى المفاوضات مشلولين تماما في عام 2014، جاءوا إليها نصف مشلولين في عام 2012.

هذا واحد من أهم أقسام الكتاب. ما تقوله أساسا في الكتاب هو أن باردو يقول إن بيبي هدد بمهاجمة إيران، ولأن الأمريكيين كانوا قلقين جدا، تحركوا بسرعة أكبر في محاولة لتنفيذ صفقة؟ وبالتالي كانوا يتفاوضون مع إيران قبل أن تضعف بشكل كبير عن طريق العقوبات. في حين لو أن بيبي كان أكثر هدوءا، فإن العقوبات كانت ستستمر لفترة أطول، وكان النظام سيسقط؟

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (وسط) مع مدير الموساد المنتهية ولايته تامير باردو (يمين) والمدير الجديد يوسي كوهين، في حفل لرئيس الموساد المعين حديثا، في تل أبيب، في 6 يناير 2016. (Kobi Gideon/GPO)

أو على الأقل ستكون قد شلت أكثر بكثير. في نهاية عام 2012، عقدت لقاء مع رئيس تسيلتسال، وهي الوحدة في الموساد التي كانت مسؤولة من بين أمور أخرى عن شل الاقتصاد الإيراني. قال: إذا وافقت الخزنة الأمريكية على الخطوات التي نقترحها الآن، خطة عمل تفصيلية – استهداف هذا البنك، هذا الشخص، وإلحاق الضرر باقتصادهم، ووقف سويفت (المرفقات المصرفية)، وما إلى ذلك – إذا وافقوا عليها ، يمكننا يمكن إخماد الاقتصاد الإيراني بحلول منتصف عام 2013 وخلق فوضى في إيران. لكن كل هذا توقف لأن الولايات المتحدة دخلت في المفاوضات.

أنت لا تقتبس باردو مباشرة، لكنك تقول أن باردو يقول إن الأمريكيين بدأوا التفاوض لأنهم كانوا مذعورين تماما بأنه لاذا لم تبدأ المفاوضات فأن إسرائيل ستهاجم.

نعم تماما.

لذلك أنت تقول أن نتنياهو، الذي أمره الرئيسي هو أن نوقف إيران، عمليا أنقذ النظام في إيران من الضغط الاقتصادي الذي كان سيؤدي إلى انهياره.

وأدى إلى الاتفاق النووي – صفقة التي كانت على خلاف ذلك كانت ستكون أفضل بكثير من وجهة النظر الإسرائيلية.

لأن المفاوضات كانت ستبدأ في وقت لاحق.

نعم، الإيرانيون سيكونون في وضع أضعف. كانوا ضعفاء. لقد جاءوا إلى المفاوضات بسبب كل ما حدث في العقد السابق، ولكن كان يمكن أن يكون ضعفهم أفضل بكثير.

على الرغم من تعيين باردو على يد نتنياهو، إلا أنه لم ينهي مدة ولايته على أفضل الاحوال مع نتنياهو لأنه في الوقت الذي جرى فيه التفاوض على الاتفاق النووي، قال باردو إن إسرائيل يجب أن تكون جزءا من المفاوضات، وعدم الحديث علنا ​​ضد الولايات المتحدة، وينبغي على الأقل محاولة تحسينه. هذه النقطة لم يقبلها نتنياهو.

حل الدولتين

نقطة أخيرة حول دغان وشارون: في وقتهم، في الجزء الأخير من حياتهم، توصل كلاهما إلى استنتاج، كما فعل كثيرون آخرون، أنه لا توجد طريقة أخرى سوى تبني نوعا من التنازلات مع الفلسطينيين على أساس حل الدولتين، وأن أي نهج آخر سيجلب نهاية الحلم والرؤية الصهيونية.

أنا فعلا أصدق المستشار دوف فيسغلاس وجميع الناس الآخرين من حوله، بأن شارون كان سيخلي المستوطنات بمجرد لو أدرك أن الأمريكيين لن يسمحوا بها، وأن أيا كان الرئيس فأن المستوطنات ستكون عقبة في الطريق إلى السلام فيما يتعلق بالأمريكيين. بمجرد فهمه أن المستوطنات هي عقبة، لم يكن لديه مشكلة في تخييب امال المستوطنين، على الرغم من أنه كان واحدا من مؤسسيها. دغان كان لديه نفس الفهم في النهاية.

إخلاءها جميعا أو المستوطنات المعزولة فقط؟

قال شارون لفيسغلاس، فقط بطريقي، ربما، قد نستطيع أن نحافظ على القليل (من مشروع المستوطنات في الضفة الغربية) الى جانبنا، وخلاف ذلك سيكون علينا تدمير كل شيء. لم يعط خطة مفصلة، ​​لكنه في النهاية كان سيتوصل إلى حل الدولتين، مع بعض مقايضة الأراضي، والاحتفاظ ببعض الكتل. وفقا للأشخاص الذين كانوا على مقربة من شارون والذين تحدثت إليهم، خضع لتغيير جذري، وذلك أساسا بفضل زراعة الأميركيين. رأى أنه من الممكن الايمان بهم، والقيام بصفقات معهم – ساعدوه هزيمة ضرب الإرهاب، إنجازا كبيرا – طالما أنه وفى بوعده. كما مرّ دغان في تغيير ايضا.

كما توصل دغان إلى هذا الاستنتاج. سعى إلى الاستفادة من شعبية غير عادية كانت لديه مع الجمهور الإسرائيلي. وقف ضد نتنياهو في عدد من المناسبات. أولا وقبل كل شيء، هناك الاجتماع الذي أصفه معه، في آخر يوم له في العمل. في نهاية المطاف وقف الرقيب وقال: ما قيل هنا، هو سرّي. لذلك دغان الذي أدرك أنه لم يستطع الحصول على مواده بهذه الطريقة، قالها في محاضرة بعد ستة أشهر في جامعة تل أبيب حيث لا أحد يستطيع أن يمنعه، وكان يعرف أيضا أن أحدا لن يعاقبه. لأنه، بعد كل شيء، انه دغان.

رئيس حزب الموساد السابق مئير دغان يتحدث في تجمع انتخابي ضد نتنياهو في ساحة رابين، تل أبيب، 7 مارس 2015. (screen capture: Channel 10)

وبعد ذلك، في سلسلة من المناقشات، بما في ذلك معي، قال أشياء خطيرة جدا عن نتنياهو. بطبيعة الحال، تحدث ضد نتنياهو في المظاهرة الشهيرة، قبل انتخابات 2015، ولم ينجح. وكما كتبت في نهاية الكتاب، في حديثي الأخير معه، شعر بخيبة أمل كبيرة لأنه لم ينجح. هذا لا يعكس فقط خيبة أمل دغان. هذا يعكس تغييرا عميقا في الرأي العام الإسرائيلي. مكانة الجنرالات – أشخاص مثل شارون ودغان – ليست ما كانت عليه. الناس مبنيون بشكل مختلف الآن. الحقيقة هي أن المجتمعات الأمنية والاستخبارات، عموما، هم ليبراليين نسبيا، هم بالغين مسؤولين! انهم يحمون الديمقراطية.

انظر إلى قضية إليئور عزاريا. هذا جنون. دولة حيث رؤساء المخابرات، من الجيش، انهم هم الذين يحمون الديمقراطية – شيء ما حقا خارج النظام. نحن محظوظون بأن لدينا [رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي] إيزنكوت.

لأنه خلاف ذلك ماذا سوف يفعل نتنياهو؟

ان الأمر ليس “خلاف ذلك.” انه يفعل ذلك. إن رؤية نتنياهو وأعضاء اليمين مثل أييلت شاكيد هي دولة يهودية غير ديمقراطية. إنهم يريدون دولة ذات تمييز واضح ضد العرب. إنهم يريدون دولة تسيطر على الأراضي لكنها لن تمنح [الفلسطينيين] حقوقا متساوية. فهم يفهمون أن ما يريدونه يصطدم بعمق مع الديمقراطية. لذلك هم يدمرون الديمقراطية. انهم يدمرون المحاكم. هم يستهدفون وسائل الإعلام. هم يتصرفون ضد المنظمات غير الحكومية اليسارية. وهذا جزء من جدول أعمال واسع وخطير.

عندما يكون لديك أشخاص داخل التسلسل الهرمي الأمني والاستخباراتي يتحدثون عن ما تقوم به القيادة السياسية، كيف تتم ادارة الأمور، عدم التركيز، غياب الديمقراطية … عندما يقول مجتمع الاستخبارات والمؤسسة الأمنية أن الأمور ليست ديمقراطية، هناك شيء [خطأ] جدا جدا.

وبعد هذا الفحص لعدة عقود من الماضي، ما الذي يقلقك وأنت تنظر إلى المستقبل؟

من المحتمل أن تكون إسرائيل قادرة على مواجهة أي تهديد خارجي. عاجلا أو آجلا أنا واثق تماما من أننا سوف نكون قادرين على التعامل مع أي خارج …

ماذا سيحدث مع الاتفاق النووي الإيراني وحزب الله و …؟

نحن في أفضل وضع أمني مررنا به حتى الآن. فقط تذكر ماذا كان هنا قبل غزو الولايات المتحدة للعراق. سيناريو الكابوس الذي كان لدى رئيس الجيش الإسرائيلي هو أن الجيش السوري والجيش العراقي، الذي أعتقد أنهما معا يكونان 54 انقساما مسلحا، سيبدان في مسيرة نحو إسرائيل معا. عبر الأردن وعبر الحدود. حسنا، هذين الجيشين لم يعودا موجودين.

خوفي هو بالطبع من التهديدات الداخلية. الانشقاق في المجتمع الإسرائيلي، وانهيار القيم الديمقراطية، وعدم تقدير الجمهور لأهمية وسائل الإعلام. رأيت للتو فيلم “ذا بوست”. في النهاية، أيدت المحكمة العليا صحيفة نيويورك تايمز وواشنطن بوست. تخيل لو حدث ذلك هنا. هل كانت المحكمة لتنحاز مع الصحيفة؟ لست متأكد. انظر إلى قضية الحافلة 300. وأغلقوا صحيفة حداشوت. لدي الكثير من الأمثلة الأخرى. نحن غالبا ما نتوجه إلى المحاكم. لا شيء يأتي من ذلك.

تلقيت مكالمة هاتفية من شخص ما في المؤسسة الاستخباراتية بعد أن كتبت شيئا. قال لي: لا تكتب عن نتنياهو. تمسّك بأمور الاستخبارات والأمن. ان هذا (التكلم عن نتنياهو) ليست جيدا بالنسبة لك. كان هذا من شخص الذي كان يحاول أن يفيدني، وليس لحماية بيبي. بدأ الناس في التلقين، الجميع خائفون. هذا النوع من المعركة التي ​ شنت على حداشوت بشأن حافلة 300، لست متأكدا من الذي سوف يدافع عنهاالآن. وبالتالي، إذا كانت لدي مخاوف، فانها تتعلق بذلك.

هناك استنتاج مهم آخر من كتابي. مؤسسة الاستخبارات، على الرغم من كل المقاطع الناقدة في هذا الكتاب، هو حقا من بين الأفضل في العالم، وربما الأفضل. وعاجلا أم آجلا فإنها توفر حلا لكل تحد يوضع أمامها. أحيانا في وقت لاحق، وأحيانا يموت الناس. هناك حالات تفشل. لكن في نهاية المطاف انها قصة نجاح. ولكنها أيضا قصة كارثة.

أنت تكتب: الانتصارات التكتيكية والفشل الاستراتيجي.

نعم، لأن سلسلة نجاح الاستخبارات التكتيكية الرائعة والعمليات الخاصة أعطى القادة الشعور، كما لو كان لديهم هذه الأداة القوية في متناول أيديهم، وأنه يمكن تفعيلها فقط من خلال إعطاء أوامر، على بعد من خطوط العدو، وأنه مع هذه الأداة يمكنهم أن يوقفوا التاريخ. يمكنهم تحقيق أهدافهم بالاستخبارات والعمليات الخاصة وليس بالتوجه إلى الحنكة السياسية والخطاب السياسي. نجاح المخابرات الإسرائيلية، وهو فعلا نجاح، هو نجاح تكتيكي أدى إلى فشل استراتيجي.

لكن هؤلاء الناس من حولنا، كما يقول كتابك بشكل واضح، ليسوا الناس الذين كان من الممكن التوصل إلى اتفاقات وتحقيق النجاح الاستراتيجي معهم.

لا اعرف. لقد توصلنا الى السلام مع السادات. أعتقد في وقت عباس وسلام فياض، كانت هناك فرصة جيدة لتحقيق السلام. في هذا النزاع لا يعتبر أي جانب قديس أو مذنب. هناك لوم على كلا الجانبين. أنا غاضب جدا من الفلسطينيين لما يفعلونه. لكنني أعتقد أن هذا المشروع، مؤسسة الدفاع الإسرائيلية هذه، غيرت الطابع اليهودي. عندما كنا في الشتات، تمكّنا. ملف شخصي منخفض. التدبّر. عدم لفت الانتباه.

الآن لدينا مطرقة في أيدينا. هي الأقوى. أحيانا عندما يكون لديك مطرقة، تبحث عن المسمار. البحث عن المسمار يؤدي في بعض الأحيان إلى قرارات إشكالية. والعمليات، كما هو الحال مع (اغتيال الموسوي) عام 1992، على سبيل المثال، حيث بدأنا عملية انتهت بوقوف حزب الله مائة في المئة ضدنا. ان ذلك يعتبر مشكلة.

فاذا في تفكيرك في الماضي، بالمثل، لم تكن لتقتل الشيخ ياسين، لأن ذلد فتح الباب لإيران؟

انا لا اعرف. لقد طلب من الصحفي دان مرغليت، في سياق عملية صنع القرار، ما الذي سيفعله، وأعتقد أنه قال أنه كان مع قرار قتله. لكن التخطيط بشان ياسين كان تكتيكيا، وليس استراتيجيا. لم يسأل أحد عن التداعيات الاستراتيجية. لا يمكنك أن تعرف أين ستؤدي العمليات. لكن التخطيط كان، ماذا ستكون الاستجابة في العالم العربي على الاغتيال؟ لم يكن هناك تخطيط فيما يتعلق بأي من الأشياء التي نعرف أنها حدثت بعد الاغتيال.

هل مرّ الكتاب في رقابة شديدة؟

نعم.

أشياء هامة، التي من الفظيع أننا لا نعرف عنها، والتي تعتقد أنها خضعت للرقابة بشكل غير مقبول؟

نعم نعم. لا أحد يخالف أن كتابا من هذا القبيل لا ينبغي أن يكشف عن أسماء وكلائنا في دمشق أو كيف حللنا شفرة معينة. وينبغي ألا يعرض حياة الناس للخطر. ولكن هناك ثلاثة مجالات حيث تعتبر الرقابة غير مقبولة. أولا، الأشياء التي لم تتم كما يجب ومن ثم هي إحراج لإسرائيل. ثانيا – كل أنواع الأشياء التي تعتبر “جرائم حرب”. أنا أفهم أنها ليست ممتعة، ولكن كيف تغطي قيود الأمن القومي هذه؟ ثالثا هو أن الرقابة دائما تجعلنا نكتب “وفقا لتقارير أجنبية”. هذه المعاملة، أنه إذا كتبت أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، ولم أضيف “وفقا لتقارير أجنبية”، هي كما لو أن إسرائيل الرسمية قد اعترفت بان لديها اسلحة نووية. لماذا يعتبر ذلك إعلانا إسرائيليا رسميا؟ لماذا عندما يكتب رونين برغمان ذلك، ظاهريا يفسر على أنه إسرائيل الرسمية؟

نحن الدولة الوحيدة في العالم الغربي التي تخضع للرقابة العسكرية. يقول الناس، هذا لا يمكن أن يكون صحيحا. يجب أن تكون هناك دول آخرون. ليس هناك دول أخرى.

حساب أخلاقي

إذا كنا نتحدث عن الاغتيالات، هناك سؤالان يجب طرحهما. هل هي فعالة، وهل هي مبررة قانونيا وأخلاقيا؟ هذا كل ما في الأمر.

هل هي فعالة؟ اعتقد نعم. إذا كان ذلك جزءا من سياسة وليس مجرد مرة واحدة لإظهار أننا نفعل شيئا، لإرضاء الجمهور الإسرائيلي. كجزء من التدابير الأخرى المستخدمة، نعم. أجبرت منظمة التحرير الفلسطينية على أن تنسحب من أوروبا بعد ميونخ. أوقفت العمليات الانتحارية (في الانتفاضة الثانية). أبطأت البرنامج النووي الإيراني. لقد أحدثت فرقا.

هل هي مبررة أخلاقيا وقانونيا؟ يمكن للجميع أن يقرر ذلك. المشكلة هي منظمات التجسس سوف تفعل دائما أكثر مما تسمح لها. سوف يعبرون هذا الخط دائما. سمحت وكالة الأمن القومي بعد 9/11 للتجسس على الناس. رأينا هذا يحدث في وثائق سنودن. انبهر أعضاء الكونغرس، وقالوا أنهم لم يخبرونا كل ما كانوا يفعلونه. لأنهم يريدون النجاح.

الشين بيت هو المسؤول عن حماية الجميع. إن مسألة التكلفة الأخلاقية صعبة للغاية. ليس لدي حل. أنا لا أعرف ماذا أقول عن أحمد ياسين. أنا أعلم أنه لو كنت جزءا من عملية صنع القرار، وكان هذا رجل الذي أعطى أوامر لقتل اليهود، لقتل الإسرائيليين، على ما يبدو أني سأقول افعل ذلك. تريد حماية الإسرائيليين.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد يوسي كوهين خلال مراسم نخب السنة اليهودية الجديدة في 02 أكتوبر 2017. (Haim Zach/GPO)