“خاب امل” مؤسسة الدفاع الروسية من رد الجيش الإسرائيلي على اسقاط طائرة الاستطلاع الروسية في شهر سبتمبر، قال السفير الروسي لدى اسرائيل، مناديا إسرائيل للتنسيق بشكل افضل مع الكرملين حول نشاطاتها في سوريا.

قال السفير اناتولي فيكتوروف أيضا أن مطالب اسرائيل بعدم تواجد جنود إيرانيين في جميع انحاء سوريا “غير واقعية” وغير ضرورية، لأن طهران لا تخطط لمهاجمة اسرائيل. وقال انه لم يقتل اي اسرائيلي بنيران إيرانية في السنوات الأخيرة، بينما قُتل عشرات الإيرانيين نتيجة غارات جوية اسرائيلية في سوريا.

وفي مقابلة واسعة النطاق في السفارة الروسية في تل ابيب، تباحث فيكتوروف أيضا موقف موسكو حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، قائلا انه يفهم تماما سبب رفض رام الله التفكير حتى باقتراح ادارة ترامب المنتظر للسلام، وقال ان مظاهرات الأشهر الأخيرة عند حدود غزة “ناتجة مباشرة” عن نقل السفارة الامريكية الى القدس.

وبالإضافة الى تأكيده على رفض روسيا اعتبار حماس حركة ارهابية، اضاف أن وصف الحركة الفلسطينية بهذا الشكل “يقوض” عملية السلام. على اسرائيل التفكير بالتعامل مع حماس، ووصفها بأنها “قوة سياسية شرعية”.

وفي 17 سبتمبر، اسقط صاروخ بر-جو سوري من طراز اس-200 طائرة إيل-20 الروسية خلال التصدي لهجوم اسرائيلي في منطقة اللاذقية، ما ادى الى مقتل 15 العسكريين الروس على متنها.

وبينما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بداية الأمر ان الحادث ناتج عن “سلسلة من الظروف العرضية المأساوية”، لامت موسكو لاحقا اسرائيل على الحادث، وادعت ان الطائرات الحربية الإسرائيلية استغلت طائرات التجسس الروسية كغطاء. وترفض اسرائيل الاتهام، وتؤكد ان طائراتها كانت قد عادت الى المجال الجوي الإسرائيلي عند اصابة الطائرة الروسية.

وقال فيكتوروف لتايمز أوف اسرائيل خلال المقابلة، متحدثا باللغة الانجليزية: “الضروري بحسب وجهة نظرنا هو الاقرار بما حدث وتذويته من اجل تجنب حوادث مماثلة في المستقبل. ولكن من اجل تجنبه علينا الاتفاق حول ما تسبب به”.

وفي الوقت الحالي، يختلف الجيش الروسي والإسرائيلي حول سبب الحادث، قال السفير. مضيفا: “بالتأكيد خاب أمل جيشنا جدا من تقييم اسرائيل للحادث”.

محاكاة كمبيوتر نشرتها وزارة الدفاع الروسية يوم الأحد، 23 سبتمبر، 2018، تزعم أنه تظهر الطائرات الإسرائيلية بالقرب من طائرة الاستطلاع الروسية، باللون الأحمر، قبالة السواحل السورية قبل إسقاطها عن طريق الخطأ بنيران الدفاعات الجوية السورية المضادة. (Russian Defense Ministry Press Service via AP)

وأثار الحادث ازمة سياسية خطيرة بين إسرائيل وروسيا لا زالت جارية. واعتبرت وزارة الدفاع الروسية مناورة إسرائيل “عملا غير وديا”، وفي الشهر الماضي، ردا على الحادث، سلمت نظام الدفاع الصاروخي المتقدم S-300 إلى سوريا.

وقد تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمواصلة مهاجمة الأهداف الإيرانية في سوريا، ولكنه سعى أيضا إلى عقد اجتماع مع بوتين لمناقشة مستقبل ما يسمى بآلية “تفادي التضارب” التي تهدف إلى منع تصادم القوتين الجويتين فوق الأجواء السورية. لكن حتى الآن، لم يوافق بوتين على عقد اجتماع، رغم عدة طلبات إسرائيلية. (قبل سقوط الطائرة الروسية، التقى الزعيمان ثلاث مرات في عام 2018).

الخطأ أسوأ من الجريمة؟

رفض فيكتوروف مناقشة إسقاط الطائرة بأي تفاصيل، قائلا إنه ليس خبيرا عسكريا. لكنه رفض الحجة الإسرائيلية بأن إسرائيل ليس لديها أي ذنب في ذلك.

“كانت هناك بعض المناورات من قبل الطائرات الإسرائيلية، والتي [على الأقل] ساهمت في هذا الوضع، ووفقا لتقييم وزارة الدفاع لدينا لم يكن السلوك وديا، لأقولها بكلمات لطيفة”، في حين اعترف أن بوتين قد دعا إنها “سلسلة مأساوية من الحوادث”.

وردا على سؤال حول ما إذا كانت موسكو تعتقد أن إسرائيل تصرفت عمدا لإلحاق الضرر بالطائرة الروسية أو إذا كانت حادثا، أجاب: “هناك تعبير [روسي] مشهور: ماذا يعتبر أسوأ من الجريمة؟ إنه الخطأ”.

السفير الروسس أناتولي فيكتوروف وزوجته يستضيفان رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وزوجته ساره في حفل استقبال بمناسبة ’يوم روسيا’ في القدس، 14 يونيو، 2018. (Amos Ben-Gershom/GPO)

كمسألة مبدأ، تعترف روسيا بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية، ولذلك طلبت من إيران أن تبعد قواتها في سوريا على بعد 100 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية، وهو مطلب وافقت عليه طهران، حسبما قال فيكتوروف.

وفي الوقت نفسه، رفض موقف إسرائيل الرسمي بعدم قبول أي وجود عسكري إيراني في أي مكان في سوريا.

“إنه طلب غير واقعي”، قال. “لأن وجود القوات الإيرانية، والروسية على أراضي سوريا مشروع. انها هناك بناء على طلب من الحكومة السورية الشرعية. ولا تستطيع إسرائيل أن تطلب من السلطات الروسية نقل الإيرانيين من الأراضي السورية”.

مركز القيادة المتنقل الذي تقول إسرائيل إن المشغل الإيراني أطلق منه طائرة بدون طيار من سوريا إلى المجال الجوي الإسرائيلي في 10 فبراير عام 2018. (الجيش الإسرائيلي)

إن طهران وموسكو شريكتان مع دمشق “في محاربة الإرهابيين في سوريا”، تابع. مؤكدا أن روسيا طلبت من إيران أن تقصر أنشطتها العسكرية هناك على هذا الهدف بالتحديد. “على حد علمنا، لا تخطط الحكومة الإيرانية لمهاجمة إسرائيل أولا”.

تدعي إسرائيل أن إيران قد هاجمت إسرائيل، مشيرة إلى أن الجمهورية الإسلامية أطلقت طائرة بدون طيار محملة بالمتفجرات من سوريا تجاه إسرائيل في 10 فبراير. وقد أسقطت طائرة هليكوبتر إسرائيلية من طراز أباتشي الطائرة بدون طيار بعد 30 ثانية من عبورها المجال الجوي الإسرائيلي.

لم يعجب فيكتوروف بهذه الحجة.

“هل لي أن أطرح عليك سؤالا كذلك: كم من الإسرائيليين قتلوا على يد الإيرانيين في السنوات الثلاث الأخيرة؟ وكم من الإيرانيين قتلوا خلال الهجمات التي شنتها إسرائيل على أراضي سوريا هذا العام؟”

وردا على سؤال حول وجهة نظره، أجاب: “الأمر لا يحتاج إلى تفسير”.

بقايا طائرة إيرانية بدون طيار أسقطتها القوات الجوية الإسرائيلية بعد أن اخترقت المجال الجوي الإسرائيلي في 10 فبراير عام 2018. (الجيش الإسرائيلي)

في الوقت الذي ترى فيه إسرائيل ترسيخ إيران العسكري في سوريا كجزء من التهديد الوجودي المحتمل الذي تشكله إيران، لم يتم قتل أي إسرائيليين كنتيجة مباشرة لوجود إيران في سوريا. بل قُتل عشرات من الجنود الإيرانيين المتمركزين في سوريا من جراء الغارات الجوية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة.

وعندما سئل عن تهديدات القادة الإيرانيين المستمرة بإبادة إسرائيل، قال فيكتوروف: “إن مثل هذا الموقف غير مقبول بالنسبة لنا، ونحن نوضح موقفنا للإيرانيين”.

وقال فيكتوروف ان تسليم صواريخ إس- 300 الى سوريا يجب الا ينظر اليه على انه “اجراء عقابي من جانب واحد” ضد اسرائيل. بدلاً من ذلك، فعلت روسيا ذلك “لأن علينا الدفاع عن حياة رجالنا العسكريين في سوريا”.

وكان الجيش السوري قد أشار يوم الخميس إلى أن امتلاكه لجهاز إس -300 قد قلل من الهجمات الإسرائيلية على أراضيه. لكن مسؤولاً إسرائيلياً رفيع المستوى قال الأسبوع الماضي إن القوات الجوية الإسرائيلية تواصل مهاجمة أهداف في سوريا.

صور أقمار اصطناعية نشرتها شركة ImageSat International في 24 أكتوبر، 2018 تقول إنها تظهر موقعا بالقرب من مدينة مصياف في شمال غرب سوريا حيث تم نشر أنظمة دفاع جوية من طراز ’اس-300’ روسية الصنع. (ImageSat International)

على استعداد للاستماع

دعا فيكتوروف، الذي يعمل سفيرا لروسيا لدى إسرائيل منذ يوليو، إلى تنسيق أفضل وتبادل المعلومات الاستخبارية مع الدولة اليهودية فيما يتعلق بسوريا.

قائلا: “في بعض الأحيان نحصل على الشعور بأن إسرائيل تعتقد أنها الدولة الوحيدة التي لديها خدمة سرية. لدينا أيضا خدمة سرية تقوم بالمراقبة، شأننا شأن الدول الأخرى. دعنا نتبادل المعلومات”.

زعم أن إسرائيل تهاجم بشكل روتيني أهدافا إيرانية قريبة من القوات الروسية في سوريا، لكنها تعطي موسكو تحذيرا قبل دقيقة واحدة فقط. وحث إسرائيل على منح روسيا مزيدا من الوقت للنظر في مثل هذه الادعاءات. (قال مسؤولون عسكريون إسرائيليون إن إسرائيل منحت روسيا 12 دقيقة من التحذير قبل غارة 17 سبتمبر).

عندما طُرح أمامه أن إسرائيل قد لا ترغب في تنبيه روسيا قبل الكثير من الوقت، خشية أن تحذر موسكو حلفائها الإيرانيين من هجوم وشيك، أجاب: “نحن لا نقول للسوريين أو الإيرانيين أن يخفوا أي شيء من إسرائيل. هذه ليست سياستنا. إذا كانت هناك مخاوف من الجانب الإسرائيلي، فنحن مستعدون للاستماع. وإذا كانت هناك أسباب لهذه المخاوف، فيمكننا اتخاذ تدابير في اتصالاتنا مع شركائنا الإيرانيين والسوريين”.

السفير الروسي في إسرائيل أناتولي فيكتوروف، إلى اليمين، يجلس بجوار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حفل استقبال بمناسبة يوم روسيا في ساحة سيرغي، القدس، 14 يونيو 2018 .(Amos Ben-Gershom/GPO)

قرار خاطئ بشأن القدس

في أبريل عام 2017، اعترفت روسيا بشكل مفاجئ بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، مشددة على أن الجزء الشرقي من المدينة يجب أن يصبح عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية.

لكن فيكتوروف انتقد بشدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر 2017 ولنقل السفارة الأمريكية هناك في مايو من هذا العام.

“اعتقدنا أن هذا القرار لن يساهم في تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي طال أمده، لكنه قد يزيد من التوترات. لسوء الحظ، حدث ذلك”، قال.

منذ شهر مارس، قُتل أكثر من 160 فلسطينيا خلال الاضطرابات العنيفة على حدود غزة وإسرائيل، التي ألقي فيكتوروف باللوم فيها على تغيير سياسة إدارة ترامب على القدس.

“هذه الاحتجاجات نتجت مباشرة عن القرار الذي اتخذته واشنطن”، قال، مؤكدا على الفكرة القائلة بأن مظاهرات “مسيرة العودة”، التي أثارها قادة حماس، تهدف بشكل أساسي إلى كسر الحصار الإسرائيلي على غزة.

آلاف الفلسطينيين يتظاهرون على طول حدود غزة مع إسرائيل في تظاهرة “مسيرة العودة” السادسة في 4 مايو 2018. (الجيش الإسرائيلي)

ونظرا لإعلان ترامب عن القدس، فإن السلطة الفلسطينية على حق في رفضها الولايات المتحدة كوسيط في عملية السلام، قال فيكتوروف.

وأضاف أن الاجراءات الأحادية الجانب نادرا ما تؤدى الى النتيجة المتوقعة، وما يحتاجه الآن هو جهد منسق من مختلف الجهات الدولية لدفع عملية السلام على اساس القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة السابقة.

هل يريد أن يحث الفلسطينيين على النظر على الأقل إلى خطة السلام التي طال انتظارها من قبل الإدارة الأميركية بدلا من الرفض الكامل لها؟ “لماذا يجب علينا فعل ذلك؟” سأل فيكتوروف ردا على ذلك.

وقال إنه بمجرد أن نقلت الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس، فإن الفلسطينيين لديهم ما يبرر الاعتقاد بأن الخطة الأمريكية لن تقدم لهم أي فائدة.

حماس: جزء من المجتمع الفلسطيني

كما تحدث فيكتوروف، الذي كان حتى وقت سابق من هذا العام مدير إدارة التعاون الإنساني وحقوق الإنسان في وزارة الخارجية الروسية، لصالح حركة حماس، وهي منظمة عازمة على تدمير إسرائيل.

“نحن لا نعتبر حماس منظمة إرهابية”، صرح، “لأن حماس هي جزء من المجتمع الفلسطيني، سواء أحببت ذلك أم لا”.

عناصر من الجناح العسكري لحركة “حماس” يشاركون في جنازة ستة مقاتلين في مقبرة في مخيم دير البلح في وسط قطاع غزة، 6 مايو، 2018. (Rahim Khatib/Flash90)

في عام 2005، سمح لحماس خوض الانتخابات الفلسطينية بناء على طلب من الولايات المتحدة، التي رفضت بعد ذلك الاعتراف بنتائج الانتخابات، على حد تعبيره.

“لكن الحقيقة هي أن حماس جزء من المجتمع الفلسطيني، ومع أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، فإننا نجري اتصالات مع حماس، ونناقش معهم احتمالات تسوية إسرائيلية فلسطينية، ومسألة توحيد القيادة الفلسطينية، والقضايا الإنسانية فيما يتعلق بالوضع في غزة”، قال.

في التسعينات، كانت روسيا تحارب الإرهابيين على أراضيها، الذين وصفتهم بعض الدول بـ”المقاتلين من أجل الحرية”، على حد قوله. “لا أتذكر إذا كانت إسرائيل من بين الذين أطلقوا عليهم إرهابيين. يجب أن أتحقق من ذلك”.

عندما سئل عن قيام حماس بأعمال عنف ضد اليهود في الضفة الغربية وداخل إسرائيل، أجاب: “نحن ندين أي أعمال عنف. في اتصالاتنا مع ممثلي حماس، نؤكد عادة أنها غير مقبولة”.

“في الوقت نفسه، لا يمكننا القول بأن كل هؤلاء الفلسطينيين الـ 200 الذين قُتلوا في الأشهر الأخيرة هم إرهابيون. هذا ليس صحيحا؛ ليس عادلا. إنهم ليسوا إرهابيين”.

وقال إن روسيا تتفهم معاناة المدنيين الإسرائيليين الذين يتعرضون للهجوم بواسطة الصواريخ أو بالونات حارقة من غزة. لكن كان من المهم “معالجة جذور هذا الوضع بشكل عاجل. وهذه هي القضايا الإسرائيلية الفلسطينية غير المستقرة”.

إن وصف مجموعات مثل حماس بالإرهابية “يقوض العملية السياسية المستقبلية”، قال فيكتوروف. “يجب أن تشارك المجموعة في حل سياسي محتمل”. وقال إنه بدون وجود حماس كشريك، فإن أي جهد في صنع السلام سيصل قريبا إلى “طريق مسدود”، مضيفًا أنه ينبغي على إسرائيل أيضًا التعامل مع حماس.

وعندما سُئل كيف يمكن أن يتوقع من إسرائيل أن تتفاوض مع منظمة مكرسة لتدميرها، أجاب: “نحن لا نقول أن إسرائيل يجب أن تدخل في مفاوضات عاجلة مع حماس حول مجموعة كاملة من القضايا المتعلقة بالتسوية السياسية”.

“لكن ما نقوله هو أن حماس هي قوة سياسية شرعية في فلسطين، وأنه على الفلسطينيين توحيد تمثيلهم السياسي في المفاوضات المستقبلية مع إسرائيل”.