بحث
تحليل

نتنياهو يفشل في إقناع ترامب، الذي يصر على اتباع نهج “الاجتماع وجها لوجه” مع إيران وحماس

خلال لقائهما في واشنطن، يبدو أن رئيس الوزراء لم يحرز تقدما يُذكر في إقناع الجانب الأمريكي بحجته القائلة بأن المحادثات مع الحركة وطهران عقيمة، وأن هناك حاجة لمزيد من القوة العسكرية لتحقيق الأهداف

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يمين الصورة) يغادران قاعة مآدب الدولة في البيت الأبيض، عقب مؤتمر صحفي عُقد في واشنطن بتاريخ 29 سبتمبر 2025، والذي عرض فيه ترامب خطة لإنهاء الحرب في غزة. (Win McNamee / Getty Images via AFP)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يمين الصورة) يغادران قاعة مآدب الدولة في البيت الأبيض، عقب مؤتمر صحفي عُقد في واشنطن بتاريخ 29 سبتمبر 2025، والذي عرض فيه ترامب خطة لإنهاء الحرب في غزة. (Win McNamee / Getty Images via AFP)

واشنطن العاصمة – من المعروف أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعتبر وينستون تشرشل نموذجا له في القيادة في أوقات الحرب.

يستقر تمثال نصفي لرئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية في مكتب نتنياهو، مراقبا المكان بنظراته الصارمة، بينما يحرص رئيس الوزراء الإسرائيلي على استحضار اسم تشرشل بانتظام في خطاباته التاريخية، لا سيما أمام الكونغرس الأمريكي. (يُذكر أن نتنياهو قد تجاوز تشرشل كأكثر زعيم دولي يلقي خطابات أمام الكونغرس، بعد أن ألقى خطابه الرابع في عام 2024).

ومع ذلك، فبينما يصور نتنياهو تشرشل في خطاباته كصوت شجاع ووحيد يصر على ضرورة الحرب ضد الشر بدلا من الدبلوماسية الساذجة، فإن الحقيقة تختلف؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، دعا رئيس الوزراء البريطاني إلى دبلوماسية رفيعة المستوى خلال الحرب الباردة لتجنب الصراع العسكري. وقال تشرشل خلال مأدبة غداء في واشنطن عام 1954: “الاجتماع وجها لوجه أفضل من الحرب”.

وعلى الرغم من أن نتنياهو قد يحاول تقليد أسلوب “بولدوغ وقت الحرب”، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبدى تفضيلا واضحا لنهج تشرشل ما بعد الحرب.

من المؤكد أن ترامب لديه الاستعداد لإصدار أوامر باستخدام القوة العسكرية الأمريكية بشكل مستهدف – كما رأينا في اليمن وإيران وسوريا وفنزويلا والصومال ونيجيريا – لكنه يؤمن بضرورة منح المحادثات المباشرة والقمم الدولية فرصة.

في قمة شرم الشيخ التي عُقدت في أكتوبر الماضي وشهدت نهاية ظاهرية للقتال في غزة، وقف قادة العالم في حيرة خلف ترامب وهو يناديهم واحدا تلو الآخر ليشكرهم.

وينستون تشرشل في داونينغ ستريت وهو يرفع إشار النصر الشهيرة، 1943. (photo credit: Imperial War Museums/public domain)

“قال ترامب مبتسما: “معا، حققنا ما قال الجميع إنه مستحيل. وأخيرا، ساد السلام في الشرق الأوسط. بعد سنوات من المعاناة وإراقة الدماء، انتهت الحرب في غزة”.

فيما يتعلق بإيران أيضا، يخلق ترامب مساحة للدبلوماسية.

وقد أصدر سلسلة من التهديدات الصريحة ضد الجمهورية الإسلامية إذا قتلت المتظاهرين. وقال في أوائل يناير: ”لقد أبلغتهم أنه إذا بدأوا في قتل الناس، وهو ما يميلون إلى فعله خلال أعمال الشغب… فسوف نضربهم ضربة قوية“.

ثم مضت إيران قدما وقتلت آلاف المتظاهرين، وفي حين أمر ترامب بإرسال قوة نارية أمريكية كبيرة إلى المنطقة، وافق على إجراء محادثات رفيعة المستوى مع النظام.

حان وقت الحرب

جاء نتنياهو إلى البيت الأبيض يوم الأربعاء لمناقشة ما يجب فعله عندما يتوقف اللقاء المباشر مع الأعداء عن كونه خيارا قابلا للتطبيق.

عندما أعلن عن رحلته في اللحظة الأخيرة، قال نتنياهو إنه سيصر على أن ”أي مفاوضات يجب أن تتضمن قيودا على الصواريخ الباليستية ووقف الدعم للمحور الإيراني“.

تقول إيران إنها لن تتحدث عن أي شيء يتجاوز برنامجها النووي، وحتى في هذا الصدد، من غير المرجح أن تكون طهران على استعداد للتنازل بما يكفي لتلبية الحد الأدنى من مطالب الولايات المتحدة.

في هذه الصورة التي نشرتها وزارة الخارجية الإيرانية، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في الوسط، يتوجه إلى مكان انعقاد المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، في العاصمة العمانية مسقط، 6 فبراير 2026. (Iranian Foreign Ministry via AP)

يبدو أن حاجة نتنياهو إلى التوجه بشكل عاجل إلى البيت الأبيض بعد جولة واحدة فقط من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران تظهر مدى قلقه من احتمال أن يقرر ترامب التخلي عن المطالب المتعلقة بصواريخ إيران ووكلائها، والاندفاع نحو التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي وحده.

وفي حال انهيار المحادثات، وهو الاحتمال الأرجح، فإن نتنياهو يريد التأكد من وجود تنسيق كامل بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الخطوات التالية، وتحديد طبيعة الدور الذي ستلعبه إسرائيل في أي عمل عسكري محتمل، إن وُجد.

وبالنسبة لغزة أيضا، يبدو نتنياهو أقل اهتماما بمناقشة الحلول الدبلوماسية، وبدلا من ذلك، يركز جُلَّ اهتمامه على التنسيق بشأن كيفية التعامل مع الفشل في تحقيق هدف تجريد القطاع من السلاح.

وقال مصدر إسرائيلي مطلع على التفاصيل لـ ”تايمز أوف إسرائيل“ قبل وقت قصير من مغادرة رئيس الوزراء إسرائيل إن نتنياهو يعتزم إخبار ترامب أن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة ”لا تحقق تقدما“.

ضباط شرطة مسلحون تابعون لحركة حماس يقومون بدورية في مدينة غزة، 11 أكتوبر 2025. ((Ali Hassan/Flash90)

تنص خطة وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الولايات المتحدة في أكتوبر على نزع السلاح من غزة ونزع سلاح حماس، فضلا عن انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع. لكن حماس لم توافق على تسليم أسلحتها، وهي مسألة تعتبرها كل من إسرائيل والولايات المتحدة غير قابلة للتفاوض، على الرغم من وجود مؤشرات على أن الطرفين قد لا يتفقان على التفاصيل الدقيقة لنزع السلاح.

وقال المصدر إن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة أن عملية عسكرية إسرائيلية أخرى ضرورية لتجريد حماس من قوتها النارية.

وقد علم “تايمز أوف إسرائيل” أن الجيش الإسرائيلي قد بدأ بالفعل في وضع خطط لهجوم متجدد يهدف لتحقيق ذلك الهدف، وأنه لا ينتظر سوى الضوء الأخضر من القيادة السياسية.

سيكون أي هجوم جديد محتمل للجيش الإسرائيلي أسرع وأكثر فاعلية من العمليات السابقة في غزة، نظرا لعدم وجود رهائن يجب تجنبهم في العمليات العسكرية، على الرغم من أن مسؤولا عسكريا رفيع المستوى أقر الأسبوع الماضي بأن نزع سلاح الجماعة بالكامل سيستغرق عدة سنوات.

جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي يعملون في شمال قطاع غزة، في صورة وزعها الجيش في 17 يناير 2026. (Israel Defense Forces)

في الوقت الحالي، يبقي ترامب الدبابات الإسرائيلية في حالة تأهب دون حراك، بينما يمضي قدما في خطته الدبلوماسية الدولية بشأن غزة. أما في العلن، فلا يملك نتنياهو خيارا يُذكر سوى مسايرة هذا النهج.

خلال اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تفاخر رئيس الوزراء بتوقيع وثيقة الانضمام رسميا إلى “مجلس السلام”. لكن هذه القشرة الخارجية لم تنجح في إخفاء افتقاره للحماس تجاه المسار الدبلوماسي، في وقت يرى فيه أن المعركة هي السبيل الوحيد للمضي قدما.

المفاوضات ستستمر، في الوقت الحالي

حتى مع توافد قادة العالم إلى واشنطن الأسبوع المقبل لمناقشة مستقبل غزة، وفي ظل رفض حماس العلني والمتحدي لنزع سلاحها، تبدو العملية العسكرية الإسرائيلية أكثر فأكثر وكأنها السبيل الوحيد للوصول إلى مستقبل ما بعد حماس في القطاع.

وقد استبعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الأحد أن تتخلى طهران عن تخصيب اليورانيوم، وهو موقف يعني أن المحادثات مع الولايات المتحدة محكوم عليها بالفشل وأن ترامب لن يكون لديه أي أعذار أخرى لتأجيل شن ضربة عسكرية.

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (الثالث من اليسار)، ورئيسة كوسوفو فيوسا عثماني (وسط اليمين)، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي (يمين)، يصفقون بينما يحمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الوسط) الميثاق التأسيسي الذي وقع عليه في اجتماع “مجلس السلام”، وذلك خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 22 يناير 2026. (Fabrice Coffrini/AFP)

لكن نتنياهو لم يقنع ترامب بعد بأن هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به قبل أن يحين وقت اتخاذ خطوات دبلوماسية.

وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي بعد اجتماعه مع نتنياهو في البيت الأبيض الذي استمر ثلاث ساعات: “لم يتم التوصل إلى أي شيء نهائي سوى أنني أصررت على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان يمكن إبرام اتفاق أم لا”.

وأضاف بشكل غامض: ”إذا كان ذلك ممكنا، فقد أبلغت رئيس الوزراء أن ذلك سيكون الخيار المفضل. أما إذا لم يكن ممكنا، فعلينا حينها أن ننتظر لنرى ما ستؤول إليه الأمور“.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، 11 فبراير 2026. (Avi Ohayon/ GPO)

حتى بعد انتصار الحلفاء الكامل في الحرب العالمية الثانية، أدرك تشرشل الحاجة إلى إنشاء مؤسسات تهدف إلى تجنب النزاعات المستقبلية، لضمان أن ”ما تم تحقيقه بتضحيات ومعاناة كبيرة سيتم الحفاظ عليه من أجل مجد البشرية وأمنها في المستقبل“.

وأعلن تشرشل، داعيا إلى إنشاء الأمم المتحدة المدعومة من الولايات المتحدة، ”إن الفرصة سانحة أمامنا الآن، جليّة وبراقة لبلدينا على حد سواء. إن رفضها، أو تجاهلها، أو تبديدها، سيجلب علينا جميعا لوم وعتاب الأجيال القادمة لزمن طويل”.

في إيران وغزة، لم يكن هناك استسلام على المستوى الذي حققه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

صبية يقفون على منصة إطلاق صاروخ إيراني الصنع خلال المسيرة السنوية لإحياء ذكرى الثورة الإسلامية عام 1979 في ساحة “آزادي” (الحرية) بالعامة الإيرانية طهران، 11 فبراير 2026. (Israel Defense Forces)

قد لا تكون الظروف مواتية بعد للخطوات الدبلوماسية الكبرى التي يدفع بها ترامب، ومن وجهة نظر نتنياهو، يبدو أن المزيد من العمليات العسكرية قد يكون السبيل الوحيد لإجبار حماس ورعاتها في طهران على الاستسلام لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومع ذلك، ففي لحظة ما، وكما فعل قدوته في الحرب العالمية الثانية، سيكون نتنياهو مضطرا للإقرار بضرورة التوقف عن خوض الحرب، والقبول بدلا من ذلك بمسارات دبلوماسية مكملة تهدف إلى تثبيت المكاسب التي تحققت في ميدان المعركة.

اقرأ المزيد عن