نتنياهو اتخذ مخاطرة محسوبة ضد هدف مشروع في موقع إشكالي للغاية
يحب العالم الفائز، لكن الفشل يتيم. إن النجاح في استهداف قادة حماس داخل قطر لم يكن ليثبت بالضرورة صحة المقولة الأولى. أما الفشل في اغتيالهم فسيؤكد حتمًا المقولة الثانية

كان الافتراض، مع ورود أنباء استهداف إسرائيل لقيادة حماس في قطر عصر الثلاثاء، أن الهجوم كان بتنسيق وثيق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان هذا الافتراض مفهوما. فمن جهة، نظرا لأن الولايات المتحدة تحتفظ بأكبر قاعدة عسكرية لها في المنطقة في قطر، من بين أصول أخرى ذات صلة، لم يكن من الممكن أن تنفذ إسرائيل الضربة دون أن تدركها الولايات المتحدة، بل وربما تسارع لمنعها.
ومن جهة أخرى، وجه ترامب إنذارًا نهائيًا لحماس يوم الأحد: “الجميع يريد عودة الرهائن إلى ديارهم. الجميع يريد نهاية هذه الحرب!” حسبما كتب على موقع “تروث سوشيال”. “حان الوقت لحماس لقبول [شروطي] أيضًا. لقد حذرتها من عواقب عدم قبولها. هذا تحذيري الأخير. لن يكون هناك تحذير آخر”.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
ومع ذلك، كان هناك مجال للشك. لم يدخل ترامب حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوما على إيران إلا بعد 11 يومًا، ثم أوقفها بسرعة. وهذه كانت قطر، حليفة الولايات المتحدة، وليست إيران، عدوها. دولة تتوسط في محادثات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس، إلى جانب الولايات المتحدة ومصر، في محاولة لتسهيل مطلب ترامب المتكرر بالإفراج عن جميع الرهائن وإنهاء الحرب في غزة. (عندما سأله “تايمز أوف إسرائيل”، أثناء استضافته رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي في فبراير/شباط، عما إذا كانت قطر، التي وصفها سابقًا بأنها ممول للإرهاب، أصبحت الآن جزءا من المشكلة أم من الحل، كان الرئيس واضحا: “قطر تسعى جاهدةً للمساعدة. أعرفهم جيدا، وهم يبذلون كل ما في وسعهم”).
وبسرعة كبيرة، جاء أول تلميح ملموس إلى أن هذه الضربة الإسرائيلية ربما لم تكن بموافقة ترامب، مع بيان صادر باللغة الإنجليزية عن مكتب رئيس الوزراء: “إن عملية اليوم ضد كبار قادة حماس الإرهابيين كانت عملية إسرائيلية مستقلة تمامًا”، كما قال مكتب نتنياهو. “إسرائيل هي من بادرت إليها، ونفذتها، وهي تتحمل المسؤولية الكاملة”.
هل كانت هذه حالةً من تسرّع إسرائيل، على غير عادتها، في ادعاء مسؤوليتها الكاملة عن هجومٍ كانت متأكدةً من نجاحه، بدلاً من الانتظار (كما حدث، على سبيل المثال، مع اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله) للتأكد من النتيجة بشكلٍ قاطع؟ أم أن نتنياهو كان يتحرك على عجلٍ لإبعاد ترامب صراحة عن هجومٍ على حليفٍ للولايات المتحدة انتهكت إسرائيل سيادته، كنوعٍ من المجاملة لرئيسٍ كا قد فاجأه؟
مع مرور الساعات، وبينما زعمت بعض التقارير الإعلامية العبرية أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة، وإن كان ذلك متأخرًا للغاية، أصرت الإدارة الأمريكية على أن الأمر ليس كذلك. ثم صرّح ترامب نفسه بأنه علم بالضربة من الجيش الأمريكي، وأشار إلى أنه سعى لإحباطها. وقال إنه كلف المبعوث الخاص ستيف ويتكوف بنقل خبر الضربة الوشيكة إلى القطريين – ”وهو ما فعله، لكن للأسف بعد فوات الأوان لوقف الهجوم“.
حتى كتابة هذه السطور، هناك أسئلة أكثر بكثير من الإجابات فيما يتعلق بالأحداث كما تم تقديمها على أنها تتكشف، بما في ذلك: هل من المعقول أنه لم يكن هناك تنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن الهجوم؟ هل اتصل ترامب بنتنياهو، أو حاول وفشل في القيام بذلك، من أجل حثه على إلغاء الضربة – كما فعل بشكل لا يُنسى عندما دخل وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران حيز التنفيذ في 24 يونيو؟ إذا لم يحاول الوصول إلى نتنياهو، فلماذا لا؟ إذا كان حريصًا على تحذير أصدقائه القطريين على وجه السرعة من التهديد الوشيك لسيادتهم، ألم يكن قلقًا من أنهم سيحذرون حماس، وأعدائه وأعداء إسرائيل على الفور؟ هل تسربت أنباء الضربة، مما مكّن آخرين من إبلاغ قطر؟ هل أبلغت قطر حماس؟
والأهم من ذلك، حتى كتابة هذه السطور، لم تتضح نتائج الضربة، التي استهدفت معظم قادة حماس الرئيسيين “في المنفى”. أعربت مصادر عسكرية عن تفاؤلها في الساعات الأولى بعد أن أطلقت إسرائيل ذخائر دقيقة على جزء محدد من المبنى في الدوحة، حيث ذكرت تقارير أن قيادة حماس كانت تجتمع. وبحلول صباح الأربعاء، ساد جو من التشاؤم، حيث أكد من يُزعم أنهم مطلعون على الأمر أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل على مقتل الأهداف الرئيسية.
صرح السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر لقناة “فوكس نيوز” الليلة الماضية، فيما قد يُفسر على أنه اعتراف بأن الأمور لم تسر كما هو متوقع: “إذا لم نصل إليهم هذه المرة، فسنصل إليهم في المرة القادمة”.
***
وكما أكد مسؤولون إسرائيليون، استغرق التخطيط للهجوم أشهرًا. كما صرّح نتنياهو، فقد حُدّدت “الفرصة العملياتية” ظهر يوم الثلاثاء، وأُعطي الضوء الأخضر – بعد يوم من مقتل ستة إسرائيليين على يد مسلحين في هجوم بالقدس أعلنت حماس مسؤوليتها عنه لاحقًا.
وقال نتنياهو في بيان مشترك مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس: “اعتقد رئيس الوزراء ووزير الدفاع أن العملية مبررة تمامًا، نظرًا لأن قيادة حماس هي التي بادرت ونظمت مذبحة 7 أكتوبر، وواصلت منذ ذلك الحين تنفيذ هجمات قاتلة ضد إسرائيل ومواطنيها، بما في ذلك تبنّي مسؤولية قتل مدنيينا في هجوم أمس في القدس”.
وفي تصريحات ألقاها في حدث بالسفارة الأمريكية مساء الثلاثاء، أوضح نتنياهو أن “الأيام التي كان يتمتع فيها قادة الإرهاب بالحصانة في مكان معين قد ولّت”.
كما أكد أن الضربة قد “تفتح الباب أمام نهاية الحرب في غزة”، وقال إن إسرائيل قبلت ما وصفه بمقترح ترامب لإنهاء الحرب، “بدءًا بالإفراج الفوري عن جميع مختطفينا”، وإنه إذا فعل آخرون لم يُسمّهم الشيء نفسه، “فيمكن أن تنتهي الحرب فورًا” و”يمكننا أن نبدأ من جديد السعي لتوسيع نطاق السلام في منطقتنا بما يعود بالنفع على الجميع”.
قد تكون فاعلية لذلك – لو تم القضاء على الأهداف بالفعل، وإضعاف حماس أو ردعها بشكل كبير. في هذه الحالة، قد توفر الضربة لنتنياهو لحظة نصر محتملة – نقطة تحول لتبرير تحدي شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف، وإعطاء الأولوية لإطلاق سراح الرهائن على مواصلة الحرب، ورفع شعبيته بين الجمهور الإسرائيلي إلى مستوى أعلى مما حققه منذ 7 أكتوبر.
ولكن إذا نجت الأهداف من الهجوم أو غادرت المبنى – ربما بعلمها في ذلك اليوم، أو كما يُقال، مسبقا بعلم من مصر أو تركيا أو مصدر آخر – فإن جميع الحسابات تتغير.
Hearing the developments from #Doha, concerned about its repercussions especially for the hostages, but reminded of this video from October 7, that Hamas proudly distributed on that terrible day from #Qatar. pic.twitter.com/FLpJ07NoaW
— Lt. Col. (R) Peter Lerner (@LTCPeterLerner) September 9, 2025
إن الرجال الذين خططت إسرائيل لقتلهم – بمن فيهم خليل الحية، قائد عمليات حماس في غزة والوجه العلني لقيادتها؛ خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي السابق لحماس؛ وزاهر جبارين، منسق العمليات في الضفة الغربية – هم بالفعل، كما صرّح نتنياهو، من بين من خططوا واحتفلوا بمذبحة الإسرائيليين في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهم مصممون بالفعل على تدمير إسرائيل. انهم أهداف مشروعة بكل المقاييس.
لكن استهدافهم “في المرة القادمة” سيكون مهمة أكثر تعقيدًا بكثير – ليس لأنهم سيدركون فجأة أنهم في مرمى نيران إسرائيل؛ فهم لم يكونوا ليشكوا في ذلك قط – ولكن لأنهم في المستقبل المنظور سيتمتعون “بحصانة في مكان معين”: قطر.
يُعرب ترامب علنًا عن “استيائه الشديد” من إسرائيل – مُؤيدًا القضاء على حماس باعتباره “هدفًا جديرًا” ولكنه غاضب من “موقع الهجوم”.
قطر، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، كما قال ترامب مساء الثلاثاء، كانت “تعمل بجدّ وشجاعة وتخاطر معنا من أجل السلام”. وعليه، فإن الهجوم هناك “لا يخدم أهداف إسرائيل أو أمريكا”. ولذلك، أكد لقادة قطر “أن مثل هذا الأمر لن يتكرر على أراضيهم”.
بقدر ما نفهمه حتى الآن، إذن، أخفى نتنياهو عن ترامب أمر هجوم داخل الأراضي السيادية لدولة إقليمية فاعلة تُثير إشكاليات عميقة. تُعتبر قطر، التي يُنظر إليها على نطاق واسع في إسرائيل على أنها عميلة لحماس وتقوم بالتحريض على التطرف في العالم العربي وخارجه عبر قناة “الجزيرة”، حليفًا رئيسيًا لترامب، لدرجة أنه زارها في مايو/أيار في أول رحلة له إلى الشرق الأوسط منذ عودته إلى الرئاسة، لكنه لم يزر إسرائيل.
ربما لم ينجح الهجوم. فقد تم التعهد لأهدافه أساسًا بحماية رئاسية أمريكية في قطر. ولذلك، سيضطر نتنياهو إلى تحدي حليف إسرائيل الأهم والوحيد تقريبًا، تحديًا قاطعًا، لمهاجمتهم مرة أخرى.
***
الحقيقة البديهية هي أن العالم كله يُحب الفائز. وفي هذه الحالة، ينطبق هذا القول حتى على عدد كبير من الدول العربية – بما في ذلك مصر، الأردن، الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية – التي سارعت إلى إدانة إسرائيل بعد الهجوم بوقت قصير. فلدى هذه الدول، ولغيرها في المنطقة، أسباب مباشرة لرغبتهم في سحق حماس.
لكن المقولة المعتادة هي أن الفشل هو يتيم. وبالنسبة لإسرائيل، المكروهة عالميًا على نطاق واسع في عهد نتنياهو، فإن أي فشل أو أي ضعف مُتصوَّر يحمل عواقب وخيمة محتملة.
“لا نصر أعظم من هذا”، هكذا هتف الجنرال المتقاعد يسرائيل زيف، أحد أبطال 7 أكتوبر ومن أشد منتقدي نتنياهو، في الساعات الأولى الحماسية التي تلت الغارة، عندما ساد الاعتقاد على نطاق واسع بأنه تم القضاء على قيادة حماس.
وكم هي عظيمة الهزيمة إذا اتضح أنه لم يُقضى عليهم؟ وما هي تداعياتها – على العلاقات مع الولايات المتحدة، وعلى إسرائيل عالميًا وإقليميًا، وعلى الحرب ضد حماس المُتعنتة أيديولوجيًا، وأخيرًا وليس آخرًا، على الرهائن الذين تحتجزهم حماس في غزة؟