مُلقيا باللوم على الآخرين، نتنياهو ينشر ردوده على تحقيق مراقب الدولة بشأن 7 أكتوبر
رئيس الوزراء ينشر اقتباسات مختارة تصوّر قادة الأمن والخصوم السياسيين على أنهم معارضون لإسقاط حماس، على الرغم من أنه كتب قبل هجوم 2023 أنه عارض "احتلال" غزة عندما ضغط بينيت للقيام بذلك في عام 2014

أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، الوثيقة الكاملة المكونة من 55 صفحة والتي تتضمن إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة، وذلك في إطار تحقيق أمين المظالم في الفظائع التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد ألقى نتنياهو باللوم في عدم منع الهجوم على خصومه السياسيين وقادة الأمن، بينما صور نفسه في ضوء إيجابي مقللا من مسؤوليته عن الهجوم.
في وقت سابق من اليوم، قدّم نتنياهو للمشرعين مواد كان قد سلمها سابقا لمراقب الدولة، تعود إلى السنوات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، الذي يُعدّ الأكثر تدميرا في تاريخ إسرائيل، والأكثر دموية بالنسبة لليهود منذ المحرقة النازية.
في إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة متانياهو إنغلمان، سعى نتنياهو إلى تعزيز موقفه عبر اقتباسات مختارة بعناية، زاعما أنه ضغط مرارا وتكرارا من أجل اغتيال قادة حماس، لكن رؤساء الأجهزة الأمنية عارضوا الفكرة باستمرار. وقد أثار نشره للوثيقة استنكارات حادة من شخصيات معارضة، أشارت إلى تحذيرات كانت قد أصدرتها في الأسابيع التي سبقت 7 أكتوبر من احتمال نشوب صراع متعدد الجبهات، مؤكدة أن حماس لم تكن مردوعة.
ولم ينشر إنغلمان نتائج تحقيقه، الذي أمرت المحكمة العليا بتجميده في ديسمبر/كانون الأول. وكان تحقيق المراقب مثيرا للجدل منذ البداية، إذ وُجهت إليه اتهامات بأنه معيب بشدة، وسيؤثر على الأدلة وعملية التحقيق، وأن لجنة تحقيق رسمية هي الجهة الوحيدة القادرة على التحقيق في الكارثة بشكل سليم.
وفي بيانٍ مصور نُشر بالتزامن مع الوثيقة، كرر نتنياهو ادعاءه بأنه يشك في أن المحكمة أوقفت تحقيق مراقب الدولة بعد ستة أيام فقط من اجتماعهما في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025.
وقال نتنياهو: “على مدى عامين تقريبا، عمل مراقب الدولة بحرية كاملة، دون أي تدخل من النظام القضائي أو من أي جهة أخرى”.
وتابع قائلا: “ولكن بعد ستة أيام فقط من تقديمي هذا الرد، قررت المحكمة العليا قبول طلب المستشارة القضائية للحكومة بوقف عمل مراقب الدولة فورا، وهو العمل الذي كان يهدف إلى كشف الحقيقة”، مطالبا المحكمة بإلغاء أمرها والسماح لإنغلمان بمواصلة التحقيق.
“هل هذه مصادفة؟ أنا أقول شيئا واحدا بسيطا: احكموا بأنفسكم”.
كرر نتنياهو دعوته لتشكيل لجنة تحقيق “ديمقراطية ومتوازنة” في أحداث 7 أكتوبر، على أن يُختار نصف أعضائها من قبل الحكومة والنصف الآخر من قبل المعارضة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار تأييد أغلبية واضحة من الإسرائيليين لتشكيل لجنة تحقيق رسمية، وهي أعلى سلطة تحقيق في إسرائيل، والتي يعارضها نتنياهو لأن القضاء هو من يقوم بتعيينها، مجادلا بأنها ستكون منحازة نظرا لأن حكومته تسعى للحد من صلاحيات المحاكم.
اجتياح غزة
في إجاباته التي نُشرت يوم الخميس، قال نتنياهو لإنغلمان إنه درس إمكانية احتلال قطاع غزة مرات عديدة في السنوات التي سبقت اجتياح حماس في 7 أكتوبر لجنوب إسرائيل، لكن المؤسسة الأمنية رفضت الفكرة مرارا وتكرارا، بحجة أن الأمر سيتطلب حربا طويلة ومكلفة دون شرعية داخلية أو دولية، وأنه لا يوجد بديل جاهز لحماس للحكم.
نتنياهو، الذي لم يعترف قط بمسؤوليته المباشرة عن الإخفاقات التي أحاطت بأحداث 7 أكتوبر، صرّح بأنه ضغط مرارا وتكرارا لاغتيال قادة حماس، لكن قادة الأمن عارضوا الفكرة باستمرار.
مع ذلك، أفادت تقارير عديدة، بل وصرح بعض كبار المسؤولين الأمنيين أنفسهم، علنا بأن نتنياهو وحكومته رفضوا مرارا وتكرارا خطط اغتيال قادة حماس البارزين. وفي الوقت نفسه، قال المراسل العسكري للقناة 13 أمام لجنة تحقيق مدنية مستقلة في مجازر عام 2023 بأن رئيس الوزراء “أكد في مناسبات عديدة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول أنه لا يؤمن بأي شكل من الأشكال بإمكانية اللجوء إلى عمل عسكري للإطاحة بنظام حماس”.
كما ضمّن نتنياهو في رده على إنغلمان اجتماعا للكابينت عُقد في يوليو/تموز 2014، خلال عملية “الجرف الصامد” في غزة. حيث أثار حينها مسألة احتلال غزة، وردّ وزير الاقتصاد آنذاك، نفتالي بينيت، الذي نُقل عنه قوله: “لم أتحدث قط عن ‘احتلال غزة'”. ووفقا للبروتوكولات، رد نتنياهو بأن السبيل الوحيد لنزع سلاح غزة هو احتلالها عسكريا.
ويُعدّ بينيت المنافس الأبرز لنتنياهو في انتخابات هذا العام، ولدى رئيس الوزراء حافز سياسي واضح لتصوير بينيت على أنه معارض لاستهداف حماس.
كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من النقاش نفسه لشخصيات أخرى تُعتبر اليوم من أشد منتقديه، بمن فيهم نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، غادي آيزنكوت، ورئيس الأركان بيني غانتس، ووزير الدفاع موشيه يعالون، حيث عارضوا جميعا في ذلك الوقت فكرة السيطرة على قطاع غزة.
ووفقا للسجلات، وصف غانتس الفكرة بأنها “خطأ استراتيجي”، بينما قال آيزنكوت إنها ستكون “خطأ فادحا”. أما وزير الخارجية آنذاك، أفيغدور ليبرمان، الذي يرأس الآن حزبا معارضا، فقد صرّح قائلا: “أنا لا أوصي بالاحتلال أو الاجتياح البري”.
ويتناقض ادعاء معارضة بينيت وليبرمان لاحتلال غزة مع مذكرات نتنياهو التي نُشرت قبل عام من هجوم 7 أكتوبر، حيث ذكر فيها أن كلا منهما أراد الإطاحة بحماس، مؤكدا أن بينيت على وجه الخصوص حثّ على “اجتياح بري واسع النطاق لاحتلال غزة”.
وكتب نتنياهو في مذكراته “بيبي: قصتي”: “لا يمكن تحقيق ذلك إلا بتدمير غزة تدميرا شاملا، مع سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين”، مضيفا “بعد تدمير نظام حماس، سيتعين على إسرائيل حكم مليوني شخص في غزة لفترة غير محددة. لم تكن لدي أي نية للقيام بذلك، خاصة وأنني كنت أركز على إيران، التي تشكل تهديدا أكبر بكثير”.
إلى جانب الاقتباسات من اجتماعات عام 2014، شارك نتنياهو مقتطفات مختارة من نقاشات لاحقة تُظهر كبار المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم رئيس جهاز الشاباك، وهم يقولون إن القدرة الوحيدة لحماس على مفاجأة إسرائيل تكمن في الأنفاق العابرة للحدود.
واختار نتنياهو نقاشا جرى عام 2016 قال فيه رئيس الشاباك آنذاك نداف أرغمان لنتنياهو إن اغتيال قادة حماس يحيى السنوار ومحمد الضيف لن يؤدي إلى انهيار حماس، في حين واصل رئيس الوزراء الدفع باتجاه اغتيالهما. وفي مقابلة أُجريت عام 2024، قال أرغمان إنه هو من ضغط لسنوات لتصفية قادة حماس، لكن حكومات نتنياهو هي من عرقلت ذلك.
وفي النقاش نفسه عام 2016، نُقل عن رئيس الأركان آنذاك غادي آيزنكوت قوله إنه يعارض إسقاط حكم حماس، كما استبعد فكرة أن الاستخبارات الإسرائيلية قد تعجز عن رصد هجوم محتمل من قبل حماس.
كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من نقاش جرى عام 2021 بعد عملية “حارس الأسوار” ضد حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، عاد خلالها للضغط من أجل اغتيال السنوار والضيف، بينما عارض رئيس الأركان حينها أفيف كوخافي هذه السياسة بشدة. وشارك نتنياهو أيضا وثيقة صادرة عن الشاباك عام 2022 اقترحت تخفيف الضغط الاقتصادي على حماس بدلا من هزيمتها، إلى جانب سلسلة اجتماعات في عام 2023 طرح خلالها مسألة اغتيال قيادة حماس، لكنه واجه معارضة من الجيش والشاباك.
التركيز على غالانت وبار
وجاءت اقتباسات جزئية أخرى من مداولات جرت في الشهر الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، من بينها اجتماع للحكومة في 12 سبتمبر/أيلول 2023، نُقل فيه عن وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت قوله إن الوضع الأمني في غزة “مستقر”، وإن على إسرائيل “كبح قواتها” في مواجهة حماس.
كما قدّم نتنياهو ملخصا لتقييم أمني عُقد في 21 سبتمبر/أيلول 2023 برئاسة رئيس الأركان آنذاك هرتسي هليفي، جاء فيه أن “رئيس الأركان يعتقد أنه من الممكن خلق مسار إيجابي مع حماس” عبر حوافز اقتصادية.
وفي اجتماع مع نتنياهو عُقد قبل عشرة أيام من اجتياح حماس لإسرائيل، قال ممثل عن شعبة الاستخبارات العسكرية إن حماس “تريد بالفعل الوصول إلى تصعيد”، بينما قال رئيس الشاباك آنذاك رونين بار إنهم “يريدون بشدة تجنب جولة قتال”.
وطرح غالانت، الذي أقاله نتنياهو لاحقا خلال الحرب، تقييما مشابها بشأن نوايا حماس، ودفع باتجاه ترتيب طويل الأمد مع الحركة لضمان الهدوء.
ومن خلال النقاشات المختارة التي نشرها، سعى نتنياهو إلى إظهار أن كبار الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية كانوا يدفعون باستمرار نحو إيجاد طرق لشراء هدوء طويل الأمد من حماس، في حين كان هو يجادل بضرورة التحضير لعمليات اغتيال قادة الحركة.
وركّز بشكل خاص على رونين بار، الذي أقاله هو الآخر خلال الحرب، ونشر اقتباسات من اليوم الذي سبق الهجوم، يقول فيها قائد الشاباك إن الهدوء عاد إلى حدود غزة، وإنه يمكن التوصل إلى “ترتيب أعمق” مع حماس.
في يوم الهجوم نفسه، عرض نتنياهو تسلسلا زمنيا للأحداث.
في الساعة 6:29 صباحا، أبلغه سكرتيره العسكري اللواء آفي غيل بأن هجوما قد بدأ.
وفي الساعة 6:44 صباحا، سأل نتنياهو ما إذا كان بإمكان إسرائيل تصفية قادة حماس، وما إذا كان من الضروري استدعاء قوات الاحتياط.
وتوجه إلى مقر قيادة الجيش الإسرائيلي “الكرياه” في تل أبيب عند الساعة 8:00 صباحا. وخلال اجتماع عُقد في الساعة 9:55 صباحا، أمر بإغلاق حدود غزة بشكل محكم لمنع استمرار التسللات واختطاف رهائن ونقلهم إلى غزة، وذلك وفقا لإجابات نتنياهو المنتقاة التي قدمها إلى إنغلمان. كما قال إنه أمر باستدعاء كامل لقوات الاحتياط والاستعداد لهجمات محتملة من الشمال أيضا.
وأضاف نتنياهو أنه أمر كذلك بإعداد خطط لاجتياح بري لقطاع غزة.
وبحسب نتنياهو، تلقى غيل بالتوازي ملخصا لتقييم الوضع الذي أجراه جهاز الشاباك، والذي اختُتم في الساعة 5:15 صباحا، أي قبل وقت قصير من هجوم حماس.
وفي الاقتباسات المجتزأة التي شاركها نتنياهو، جاء في ملخص اجتماع الشاباك أن فرص اندلاع مواجهة واسعة مع حماس منخفضة، ولذلك ينبغي أن تركز الإجراءات الإسرائيلية على وقف أي هجمات، وليس على خطوات قد تؤدي إلى سوء تقدير وإلى حرب مع حماس.
وأشار نتنياهو إلى أنه لا يوجد في الملخص أي توجيه بتحديث سكرتيره العسكري، في محاولة لتعزيز ادعائه بأن معلومات جوهرية حُجبت عنه قبل الهجوم.
وقال غالانت يوم الخميس عقب نشر الوثيقة: “حتى اليوم لا يفوت نتنياهو فرصة للكذب والتحريض، وكذلك الإضرار بجيش الدفاع وبجهاز الشاباك”، وأضاف أن “قرار تجنيد كامل منظومة الاحتياط اتخذته أنا في الساعة 9:00 صباحا يوم 7 أكتوبر، ونتنياهو كرر أمري في وقت لاحق”.
وأضاف غالانت: “ليس من المستغرب أن يعارض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية، إذ إنها ستكشف أكاذيبه بالتأكيد”.
أما ليبرمان، فقد رد على الوثيقة بإعادة نشر مقطع فيديو من 28 سبتمبر/أيلول 2023 يظهر فيه وهو يتجول على طول حدود غزة وينتقد طريقة التعامل مع أعمال العنف الأخيرة على طول الحدود.
وقال ليبرمان في الفيديو آنذاك: “رئيس الوزراء تعهد بألا يعود أحد إلى سياسة الاغتيالات المستهدفة. هذا ما يبدو عليه الاستسلام للإرهاب”.
من جهته، قال زعيم المعارضة يئير لبيد إن “خلافا لادعاءاته، تم تحذير نتنياهو مرارا وتكرارا قبل 7 أكتوبر، بما في ذلك من قبلي، لكنه تجاهل جميع التحذيرات”. وأرفق لبيد مقطع فيديو لتصريحات أدلى بها في 20 سبتمبر/أيلول 2023، حذّر فيها الإسرائيليين من أننا “نقترب بشكل خطير من صراع عنيف متعدد الجبهات”، وأن “جميع رؤساء الأجهزة الأمنية… يحذرون الحكومة والكابينت من مواجهة عنيفة”.