مناهضة تاكر كارلسون للصهيونية تظهر اقتراب دائرة نظرية “حذوة الحصان” من الاكتمال
المعلق الأمريكي المحافظ يستعير طروحات اليسار، مما يسلط الضوء على كيفية إيجاد الخطاب المناهض للصهيونية موطئ قدم له لدى طرفي الطيف السياسي

في ديسمبر، استضافت الشخصية الإعلامية اليمينية الأمريكية تاكر كارلسون المقررة الخاصة للأمم المتحدة للفلسطينيين فرانشيسكا ألبانيز، المحسوبة على أقصى اليسار، في برنامجه.
ووجد هذان الشخصان المثيران للجدل، والقادمان من طرفي نقيض في الطيف السياسي، نفسيهما في حالة توافق؛ حيث ترك كارلسون لألبانيز زمام تفسير الصراع.
وقال كارلسون في مقدمة المقابلة: “قضى الكثير منا وقتًا طويلًا في بذل قصارى جهدنا لتجاهل ما يحدث في غزة. إن فكرة أنهم قتلوا عشرات الآلاف من النساء والأطفال، من غير المقاتلين، عن طريق الخطأ هي كذبة. لا، لقد قتلوهم عمدًا”.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
في الأسبوع الماضي، أجرى كارلسون مقابلة مع سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وهو مسيحي إنجيلي وعضو في الحزب الجمهوري عيّنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكان يُفترض أنه الأقرب إلى معسكر كارلسون. وعلى عكس حديثه مع ألبانيز، كان كارلسون صداميًا، حيث شكك في مبررات هاكابي لوجود إسرائيل، مستخدمًا حججًا مألوفة لدى اليسار، مثل التشكيك في كون اليهود سكانًا أصليين في إسرائيل.
وقال كارلسون: “أسلاف رئيس الوزراء الحالي لم يكونوا من هنا. نتنياهو… عائلته من بولندا. إنهم من أوروبا الشرقية”.
أبرز تبني كارلسون لحجج اليسار المناهضة للصهيونية ما يُعرف بنظرية “حدوة الحصان” في السياسة، والتي تفترض أن الطيف السياسي ليس خطًا مستقيمًا، بل إن طرفيه يتقاربان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل واليهود.
ومع بروز نزعة كارلسون اليمينية المناهضة للصهيونية، تقترب حدوة الحصان أكثر فأكثر من الانغلاق لتشكل دائرة كاملة.
نقطة التقاء
وصفت ديبورا ليبستادت، المبعوثة الأمريكية السابقة لمكافحة معاداة السامية، نظرية حدوة الحصان بأنها تعني أن أقصى اليسار وأقصى اليمين “أقرب إلى بعضهما البعض في قضية معاداة السامية، مما هما عليه تجاه الوسط السياسي”.
وقالت ليبستادت في عام 2024: “بدلًا من ثنائية اليمين واليسار، فإن المؤشر الأكثر دقة للتنبؤ بتبني رؤى معادية للسامية هو التمسك بنظريات المؤامرة، والعدائية تجاه الهياكل الهرمية، والميل نحو السلطوية. وهذا بالطبع يمكن أن ينطبق على أي شخص عند طرفي الطيف السياسي. وقد يساعدنا هذا في فهم كيف يتقارب أصحاب الآراء المتضاربة حول العديد من القضايا، إن لم يكن جميعها، في معاداة السامية”.
لطالما تبنى الجانبان وجهات نظر متضاربة. فقد صوّر كارل ماركس اليهود كرأسماليين متأصلين، بينما نظر اليمين الأمريكي إليهم كشيوعيين. واليوم، يُنظر إلى اليهود في أوساط اليمين المتطرف على أنهم من غير البيض الذين يسهلون الهجرة إلى الولايات المتحدة، في حين يُعاملهم اليسار المتطرف كغزاة بيض في الشرق الأوسط.
أدت حرب غزة إلى موجة جديدة من التمييز ضد اليهود، إذ تغلغلت مناهضة الصهيونية في العديد من المؤسسات الأمريكية. ويرى نخبة من الباحثين اليهود أن معاداة الصهيونية تمثل المرحلة الثالثة من التمييز ضد اليهود في المجتمع الغربي. أولا كانت معاداة اليهودية التي ركزت على الدين، ثم معاداة السامية وهي كراهية قائمة على أساس عرقي. ويؤكد الباحثون أن مناهضة الصهيونية تستهدف الشعب اليهودي وإسرائيل، مستخدمةً مجموعة من الصور النمطية والافتراءات والتكتيكات الخاصة بها. ويبدو أن كارلسون ينتقل إلى المرحلة الثالثة، مستخدمًا بعضًا من تلك الصور النمطية، ولكن بنبرة يمينية.
من الناحية النظرية، يمكن لمناهضة الصهيونية أن تظل مجرد موقف سياسي بحت، إلا أن هذه الأيديولوجيا تؤدي في الواقع إلى التمييز ضد اليهود والعنف تجاههم. فالمجتمعات التي تبنت مناهضة الصهيونية، مثل الاتحاد السوفيتي وإيران، أصبحت بيئات طاردة للحياة الجماعية لليهود.
يشكل اليمين المتطرف واليسار المتطرف والجماعات المؤيدة للفلسطينيين الركائز الثلاث للحركة الأمريكية المناهضة لإسرائيل. وتطمس هذه الجماعات الثلاث الحدود الفاصلة بين الخطاب السياسي المشروع والتمييز؛ إذ لا يوجد اتفاق واضح حول معنى الصهيونية نفسها. ويتجاهل اليسار المتطرف والجماعات المؤيدة للفلسطينيين خلافاتهم ليتحدوا على أساس عدائهم المشترك للغرب الذي تقوده الولايات المتحدة، وللرأسمالية، ولـ”الصهاينة”. ولا يوجد الكثير من القواسم المشتركة مع اليمين الرأسمالي الذي يتبنى شعار “أمريكا أولًا”، باستثناء نقطة تقاطع وحيدة، وهي إسرائيل.
لقد جسدت المقابلة الصدامية مع هاكابي قطيعة كارلسون مع الحرس الجمهوري القديم المؤيد لإسرائيل، في حين تؤكد حواراته الودية الأخيرة مع شخصيات مناهضة لإسرائيل من اليمين واليسار مكانته كـ “نقطة التقاء” لكلا الجانبين.
خلال العام الماضي، ناقش كارلسون، إلى جانب ألبانيز، قضية إسرائيل مع بن كوهين من شركة “بن آند جيري”، والمعلق سينك أويغور، والصحفي غلين غرينوالد، وذلك من منظور يساري. في المقابل، تحدث مع داريل كوبر، منكر المحرقة، ونيك فوينتيس، الداعي لتفوق العرق الأبيض، وإيان كارول، صاحب نظريات المؤامرة. ورغم أن كارلسون يمنح هؤلاء مساحةً إعلامية، وقد انحاز في الماضي إلى معاداة السامية الكلاسيكية والقومية البيضاء، إلا أن تصريحاته الأخيرة تبدو أقرب إلى معاداة الصهيونية اليسارية.
وقال آدم لويس كلاين، أحد أبرز منتقدي “مناهضة الصهيونية”: “إن خطاب كارلسون أكثر نقاءً وأقل ابتذالًا من خطاب كانديس أوينز أو نيك فوينتيس؛ فهو يحتوي على قدر أقل من المضامين التقليدية المعادية للسامية أو المعادية للتلمود”، وأضاف: “يبدو الأمر وكأنه مناهضة صهيونية نقية بدأ كارلسون في تطويرها الآن من منظور يميني”.
صور نمطية مشتركة
على سبيل المثال، يتهم كل من كارلسون واليسار إسرائيل بالعقاب الجماعي (يستخدم كارلسون مصطلح “ذنب الدم”)؛ كما يتهمانها باستهداف الصحفيين في غزة؛ ويشككان في وجود صلة بين يهود التوراة والإسرائيليين اليهود اليوم؛ ويهاجمان فكرة الحقوق التاريخية في “إسرائيل الكبرى”؛ بالإضافة إلى هوسهما المشترك بمنظمة “أيباك”، ورابطة مكافحة التشهير، والمساعدات الأمريكية لإسرائيل.
إن إصرار كارلسون في مقابلته مع هاكابي على خضوع الإسرائيليين اليهود لاختبارات جينية لإثبات صلتهم بالأرض، يعيد صدى “فرضية الخزر” المناهضة للصهيونية. كما استشهد بتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول “عماليق” عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، كدليل على نية الإبادة الجماعية، ليبدو في طرحه كأنه أكاديمي تقدمي.
يبدي كلا الجانبين تعاطفًا مع الأعداء التقليديين للغرب؛ ويتجلى ذلك في تحسّر حسن بيكر، صانع المحتوى اليساري، على خسارة الاتحاد السوفيتي للحرب الباردة، وفي انبهار كارلسون بمتاجر البقالة الروسية، وفي تصريح فوينتيس لكارلسون بأنه “مُعجب” بجوزيف ستالين. كما أن دفاع كارلسون عن قطر في ديسمبر الماضي جاء صدى لنقاط طرحتها منظمة “كود بينك” اليسارية المتطرفة.
كان الخطاب المناهض لإسرائيل المحيط بملفات إبستين متشابهًا لدى أقصى اليسار وأقصى اليمين على حد سواء، بما في ذلك ما طُرح في برنامج كارلسون؛ حيث ناقش نظريات مؤامرة تربط إسرائيل بإبستين مع كل من كارول وأويغور.
يُصوّر كلا الجانبين إسرائيل على أنها تُسيطر على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسياسة الخارجية الأمريكية – وهو نمط، كغيره من الأنماط، يظهر في معاداة السامية التقليدية. قال كارلسون إن نتنياهو “يجوب العالم مُتباهيًا بأن ترامب تحت سيطرته”، بينما قام نشطاء مناهضون لإسرائيل بالاستعانة بممثل يرتدي قناع نتنياهو وهو يقود قادة أمريكيين مُقيدين بسلاسل كلاب.
قال كارلسون في ديسمبر: “لقد قتلت إسرائيل عشرات الآلاف من الأطفال عمدًا، ثم أغلقت أبواب غزة، وأطلقت النار على العشرات والعشرات من الصحفيين حتى لا يتمكن أحد من تصوير ما يحدث، وقامت بتسوية المكان بالأرض حتى تتمكن من إخراج الناس والاستيلاء عليه”، وهو وصف للحرب كان من الممكن أن يصدر عن اليسار.
يميل كلا الطرفين إلى رفض اتهامات معاداة السامية، واعتبارها مجرد حيل خبيثة ومناورات ملتوية تهدف لحماية إسرائيل؛ فهم يرون أن هذه الاتهامات تسيء إلى الطرف الذي يطلقها أكثر مما تسيء إلى المتهم بها.
قال عضو الكونغرس الأمريكي السابق مات غايتس في برنامج كارلسون: “كانت معاداة السامية تعني في السابق شخصًا لا يُحب اليهود. أما الآن، فهي تعني ببساطة شخصًا لا يُحبه اليهود”.
وعلى كلا الجانبين، أصبح الخطاب الذي كان يومًا ما خارج الحدود المسموح بها يتحول إلى أمر طبيعي، مع تزايد تغلغل هذه الحركات المتباينة داخل أحزابها السياسية. إذ يتمتع كارلسون بعلاقة ودية مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، كما كان متواجدًا في البيت الأبيض يوم الاثنين الماضي.
حظيت مقابلة كارلسون مع هاكابي بإشادة من شخصيات إعلامية يسارية مثل مهدي حسن، ومراسلين من صحيفتي “نيويورك تايمز” و”الغارديان”، والذين لم يتطرقوا إلى ذكر افتراءاته وأكاذيبه. كما قام نشطاء إسلاميون مناهضون للصهيونية بمشاركة مقاطع من المقابلة بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد تبنى معلقون يمينيون آخرون مثل أوينز بعض المفردات الأكثر شيوعًا في اليسار، مثل اتهام إسرائيل بارتكاب “هولوكوست” في غزة، ووصفها بأنها “دولة إرهابية“، ومهاجمة “الصهاينة“. يأتي ذلك جنبًا إلى جنب مع معاداة السامية التقليدية القائمة على العرق والدين، وهي النزعة التي تعد أقل انتشارًا في أوساط اليسار.
إطار عمل سائد
لطالما كان النقد المشترك بين الديمقراطيين والجمهوريين هو أن خصومهم لا يدركون التمييز ضد اليهود إلا في معسكر الطرف الآخر؛ ولكن إذا اتفق الجانبان على “مناهضة الصهيونية”، فلن يتبقى لدى أي طرف مشاكل ليشير إليها لدى الآخر. فغالبًا لا تُعامل مناهضة الصهيونية كفعل تمييزي، بل كفعل سياسي، مما يشكل خط صدع رئيسي في الخطاب والسياسة والمحاكم الأمريكية.
ومع ذلك، فهي ليست دائرة مكتملة؛ إذ لا تزال هناك فجوات بين مواقف مناهضة الصهيونية في كلا الجانبين. فكارلسون لن يُطلق على أمريكا الشمالية اسم “جزيرة السلحفاة”، وهو يُدين حماس بشدة، ولن يستولي أنصاره على الجامعات، وفي المقابل، لن يقوم اليساريون بتوجيه اللوم لإسرائيل بسبب توفيرها عمليات الإجهاض لمواطنيها، ولن يدعموا حججهم بنصوص العهد القديم، وبالتأكيد لن يدعموا ترامب.
في بعض الأحيان، يهاجم الجانبان نفس الأهداف ولكن من زوايا مختلفة؛ فبينما يسخر كارلسون من تل أبيب باعتبارها “العاصمة العالمية لعروض قصص الدراغ كوينز للأطفال”، يتهم اليساريون إسرائيل بـ “الغسيل الوردي”. كما أن اتهام كارلسون لإسرائيل باضطهاد المسيحيين في كنيسة القيامة يعكس اتهامات الحركة المؤيدة لفلسطين لإسرائيل باضطهاد المسلمين في المسجد الأقصى. وبالمثل، تلتقي الانعزالية اليمينية مع المناهضة للامبريالية لدى اليسار في معارضتهما المشتركة لتوجيه ضربات عسكرية ضد إيران.
ليست هذه المرة الأولى التي يتقارب فيها هذان المعسكران حول معاداة الصهيونية. فقد تحالف أدولف هتلر مع مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، على سبيل المثال، إلا أن مناهضة الصهيونية التي يتبناها كارلسون تمثل نسخة أكثر حداثة وتطورًا.
وأشار لويس كلاين إلى أن كارلسون لا يدعو صراحة إلى تدمير إسرائيل، وهو ما يُعتبر التعريف الحرفي لمناهضة الصهيونية، لكن ترويجه “لكل الافتراءات المعادية للصهيونية”، مثل تصويره للإسرائيليين على أنهم مستعمرون أوروبيون، يضع تصريحاته في هذا السياق.
وقال لويس كلاين: “إنه يعمل على تجريد الهوية الإسرائيلية من شرعيتها بقوله إن الإسرائيليين ليسوا في الحقيقة من هناك. لذا، حتى لو لم يقل حرفيًا ’أنهوا وجود إسرائيل’، فإنها نفس المنظومة الفكرية التي تُصور إسرائيل باعتبارها كيانًا شريرًا وغير شرعي بطبيعته”.
لقد حدث في السابق تداخل في المرجعيات لبعض الصور النمطية بين المعسكرات المختلفة، مثل تأييد المتظاهرين المناهضين لإسرائيل لفرية دم من العصور الوسطى أو اتهامات قتل الإله الموجهة لليهود. ومع ذلك، تبرز الدائرة المناهضة للصهيونية المحيطة بكارلسون كمؤشر على مدى تغلغل هذا الإطار – من شوارع نيويورك وعالم المنظمات غير الحكومية، إلى فضاء إعلامي يميني متاخم لقيادة الحزب الجمهوري.
سأل كارلسون هاكابي قائلًا: “هل يمكنك الشعور بهذا الاستياء؟ لأنه استياء حقيقي”.