مطار عطروت: من قصة نجاح أردنية إلى خطط بناء إسرائيلية
بتوسيع حدود بلدية القدس ودمج عطروت كجزء من عاصمتها السيادية، حاولت إسرائيل الحفاظ على الأداء الدولي للمطار - جزئيا، كما فعل الأردنيون، كدليل ظاهري على شرعية وجودها. لكنها لم تستطع تكرار نجاح الأردن

عطروت – في الطرف الشمالي لمدينة القدس، داخل الجدار الأمني مباشرة وبالقرب من المباني السكنية في حي كفر عقب، بدأ مطار القدس الذي كان كبيرا إلى حد ما يتحول تدريجيا إلى أنقاض منذ هجر قبل عشرين سنة.
كما يشير البحث الذي أجراه الأكاديمي والمرشد السياحي في القدس الدكتور إلداد برين والذي تم نشره في وقت سابق من هذا العام، فإن المطار – الذي أنشأته سلطات الانتداب البريطاني كمطار عسكري في العشرينات من القرن الماضي، والمعروف أيضا باسم مطار عطروت او مطار قلنديا او مطار القدس الدولي – كان مركزا متناميا للنشاط من عام 1949 إلى عام 1967، عندما كانت الأردن القوة المسيطرة.
في ذروته في منتصف الستينات، كان هناك حوالي 100,000 مسافر سنويا، مع رحلات تنقل النخبة العربية من وإلى حوالي 15 وجهة بعيدة مثل روما وبيروت وبغداد والكويت والدوحة وجدة والقاهرة. وتم بناء فنادق كبيرة في القدس الشرقية لاستيعاب المسافرين.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
سافر عبره بيتر أوتول وعمر الشريف ذهابا وإيابا أثناء تصوير مشاهد “لورنس العرب” في الصحراء الأردنية في أوائل الستينات. تشكلت الخطوط الجوية الملكية الأردنية التي نعرفها اليوم هنا، حيث تعامل مطار القدس مع ضعف عدد المسافرين مقارنة بالمطار الدولي الوحيد الآخر في الأردن، في عمان.
الملك حسين استفاد من خدماته، كما يظهر في الصور في معرض “بوابة إلى العالم”، الذي بحثه برين ويعرض حاليا في معهد أولبرايت في القدس.
استخدم وزير الخارجية الأمريكي جون إف دالاس المطار في رحلة رسمية في مايو 1953، وفقا لسجلات برين. ورد أيضا أن الشركة السابقة للخطوط الجوية البريطانية “بواك” قد فكرت في فتح طريق بين لندن والقدس.
كان البابا بولس السادس ينوي في البداية أن يهبط في المطار خلال زيارته إلى الأرض المقدسة عام 1964، لكن طائرته من طراز “البوينغ” كانت ضخمة للغاية بالنسبة للمدرج القصير الضيق.
ومع ذلك، فقد أدت زيارته إلى زيادة أعداد الحجاج المسيحيين، والتي بلغت ذروتها عند قيام شركة طيران إيطالية بإحضار عدد من الزوار في عيد الميلاد عام 1967 – عندما استولت إسرائيل بالطبع على المنطقة من الأردن في حرب الأيام الستة.
مطار في عزلة
بتوسيع حدود بلدية القدس ودمج عطروت كجزء من عاصمتها السيادية، حاولت إسرائيل الحفاظ على الأداء الدولي للمطار – جزئيا، كما فعل الأردنيون، كدليل ظاهري على شرعية وجودها. لكنها لم تستطع تكرار نجاح الأردن.
بينما لم تعترف الدول العربية بأغلبية ساحقة بفترة حكم الأردن عام 1948 وضم القدس الشرقية والضفة الغربية عام 1950، إلا أنها سمحت للعديد من شركات الطيران باستخدام مطار القدس (وتم تمثيل تسع شركات طيران غربية على الأقل من قبل وكالات السياحة في القدس الشرقية الأردنية)، وفقا لبحث برين. لم يكن هناك مثل هذا التسامح مع السيطرة الإسرائيلية.
توقفت جميع رحلات الطيران العربية حتما. ونظرت “بان آم” في فتح مسار، لكن حكومة الولايات المتحدة منعتها من القيام بذلك.
قال برين إن شركة “إل عال” الإسرائيلية حاولت جعل المطار يعمل للرحلات الدولية، حتى أنها حاولت جعل الوافدين يصلون لفترة وجيزة مطار اللد خارج تل أبيب قبل السفر إلى القدس برقم رحلة مختلف، قال برين. لكن من الواضح أن هذه كانت رحلات جوية دولية إلى القدس، وحتى الدول الحليفة عن كثب، التي كانت قلقة من منح أي شرعية متصورة لإسرائيل فيما يتعلق بمصير القدس الذي لم يُحسم أمره، رفضت أن تكون لها أي علاقة بهذه المسألة.
بدلا من ذلك، خدم المطار إسرائيليين محليين – برحلات جوية إلى حيفا ومحانايم في الشمال، وسيناء التي كانت تحت سيطرة إسرائيل آنذاك، وتل أبيب.
استخدم رئيس الوزراء مناحيم بيغن المطار بشكل لا يُنسى، عندما عاد إلى البلاد من محادثات السلام مع أنور السادات في مصر في عام 1978. وأقلعت رحلات البذر السحابي هنا. وعرضت أيضا شركات خاصة رحلات جوية رومانسية في سماء القدس.
ولكن عندما اندلعت الانتفاضة الثانية في عام 2000، أصبح استخدام المطار خطرا وتم إغلاقه تماما.
بلدة كفرعقب المجاورة للمطار، بلدة فلسطينية كانت إسرائيل قد دمجتها رسميا إلى القدس على وجه التحديد لأنها أرادت السيطرة على حي قريب جدا من المطار، كانت قد توسعت بشكل كبير، بما في ذلك المباني الشاهقة، وأصبحت خارجة عن القانون بشكل متزايد.
إن الأدلة على ماضي المطار وتأسيسة المفاجئ، واضحة تماما للأسف في الخراب المتبقي في الموقع اليوم – بما في ذلك أكياس الرمل ومواقع المدافع منذ 20 عاما في الطوابق العليا من مبنى المسافرين.
يستخدم الموقع الآن إلى حد كبير كمستودع للحافلات التي تسير على طريق القدس الشرقية – رام الله. تصل الحافلات على طول جزء قصير مما كان سابقا مدرجا للطائرات قبل وقوفها في صفوف مرتبة أمام أجزاء من المطار.
يرتفع مبنى المسافرين شاهقا، متحللا، نوافذه محطمة، وداخله تتناثر فيه الأنقاض.
المدخل الرئيسي الحجري للمطار بقي ذهبيا كما كان حاله عندما مر عن طريقه آخر المسافرين، لكن الحطام في كل مكان.
في الطابق الأرض، يمكن رؤية الأحزمة حيث تم نقل الأمتعة؛ ماكنة تشبه عداد تذاكر قديم؛ مكاتب؛ وبقايا من معرض عن ماضي المطار كان قد أقيم هنا في عام 1998.
في الطابق العلوي عبر درج حلزوني كان في يوم من الأيام أنيقا في قلب المبنى، يمكن الدخول إلى غرفة التحكم، مع بعض أوراق الجيش الإسرائيلي المتناثرة على الأرض.
تشمل المباني القريبة حظيرة طائرات وقذيفة تشبه محطة الإطفاء.
في الجوار أيضا، يرتفع من وسط المنطقة العشبية درج معدني لم يستخدم منذ عقود – الآن هو درج صدئ لا يؤدي إلى أي مكان.
بينما كنت أستطلع المشهد المؤسف قبل أيام قليلة، توقفت سيارة حرس الحدود وسأل ضابطان عما أفعله هنا. على الرغم من استخدام المنطقة الصناعية عطروت الواقعة إلى الجنوب على نطاق واسع، إلا أنه من المفترض أن يكون المطار السابق منطقة مغلقة – فهو يقع، بعد كل شيء، عبر الخط الأخضر قبل عام 1967، بجوار الحاجز مباشرة، وبجانب مباني كفرعقب الشاهقة.
الارتفاع من جديد
رغم أن موقعه غير واعد في ظل الواقع السياسي الحالي – المحصور بين كفر عقب شمالا وبلدة الرام شرقا والمنطقة الصناعية و”حي المطار” الذي شيدته الكويت والذي يضم منازل عربية فخمة إلى الجنوب – معركة مطار عطروت لم تنته بعد. على العكس تماما، لم نصل إلى العصر الخيالي الذي يرتفع فيه مطار جديد مجيد من تحت الأنقاض لخدمة جميع شعوب المنطقة الذين يسافرون بسلام.
لكن، في 6 كانون الأول (ديسمبر)، من المقرر أن تناقش اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء، تحت رعاية وزارة المالية، خطط لبناء حي يهودي يضم 9000 وحدة سكنية في ارض المطار – الخطط التي وضعت جانبا مرارا من قبل الحكومات الإسرائيلية السابقة بسبب تداعيات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وفقا لبنجامين شفران، خبير بشؤون القدس، ولديه شغف لعطروت، والداعم منذ فترة طويلة لمشروع البناء، فإن معظم المساكن مخصصة للسكان الأرثوذكس المتطرفين، لكن بعضها – “ربما 1000 وحدة؛ الرقم لم يتم البت فيه”، كما قال – مخصص للعرب. المنطقة في الغالب أراض حكومية، لكن بعضها مملوك للقطاع الخاص، من اليهود والعرب.
قبل جلسة الشهر المقبل، أعطت لجنة التخطيط والبناء في مجلس مدينة القدس يوم الأربعاء موافقتها على الحي المخطط له. وقالت نائبة رئيس البلدية فلور حسن ناحوم إن “القدس عاصمة حية ومتنامية لدولة إسرائيل. سيوفر مشروع الإسكان آلاف الوحدات السكنية التي تشتد الحاجة إليها”. وبالمثل، أشاد عوفر بيركوفيتش، رئيس المعارضة في المجلس، بموافقة البلدية على أنها “تصريح تاريخي للبناء في القدس”.
قوبل المشروع بمعارضة شديدة من قبل عضو حزب “ميرتس”، لورا وارتون، التي حثت على بناء حي فلسطيني. ويرى كل من “ميرتس” ومنظمة “سلام الآن” أن الحي يفصل الضفة الغربية عن القدس الشرقية وبالتالي يقضي على احتمالات قيام دولة فلسطينية محتملة.
يقول شفران إن الاقتراح يتصور أيضا منطقة تجارية يهودية عربية مشتركة، في جزء الموقع الأقرب للجدار الفاصل. الفكرة هي أنه إذا كان التطوير يوفر فرص عمل للفلسطينيين المحليين – حوالي 2300 منهم يعملون بالفعل في المنطقة الصناعية عطروت القريبة، مع آلاف التصاريح الإضافية التي سيتم إصدارها قريبا – بالإضافة إلى الإسكان العربي، فقد يخفف ذلك من بعض المخاطر الأمنية.
عملية الموافقة، بما في ذلك تقديم الاعتراضات، من المرجح أن تكون مطولة.
تم تحديد كفرعقب في خطة ترامب المسماة “السلام والازدهار” كإحدى المناطق التي سيتم تضمينها في “العاصمة السيادية لدولة فلسطين”. وقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن اعتراضه على الخطة في سياق معارضته الأوسع للإعلانات الأخيرة التي قام بها الإئتلاف في الكنسيت بشأن التوسع الاستيطاني. من المتوقع أن تدرس إدارة بايدن الأمر.
من المرجح أن تمر 2-3 سنوات قبل أن يبدأ العمل، حسب تقييم شفران، الذي يشيد بالتطور المحتمل باعتباره قضية “عدالة تاريخية”. أشار إلى أن اليهود عاشوا في هذه المنطقة بين عامي 1912 و 1948؛ من بين أوائل سكان موشاف عطروت، كان رئيس الوزراء المستقبلي ليفي إشكول. كان الموقع بؤرة قتال عنيفة خلال حرب الاستقلال، حيث قاوم الفيلق العربي الأردني حتى أمرت “الهاغاناه” بإخلاءه، وبعد ذلك نهبته القوات الأردنية وحرقته، ثم أعاد توجيهه ليصبح مطارا للهاشميين.
ويشير شفران إلى أن فكرة إسكان الأرثوذكس المتطرفين هنا تحظى بدعم واسع من قبل دعاة علمانيين، يأملون أن تخفف بعض الضغط في مناطق مركزية في القدس، ومن قبل معظم القادة الأرثوذكس المتطرفين، على الرغم من أن البعض يعارض الفكرة بسبب الموقع المحرج الذي قد يصبح غيتو محتمل.
الباحث برين، على النقيض من ذلك، يعتبر مشروع الإسكان “خطأ كبيرا”، كما قال لوكالة أسوشييتد برس يوم الأربعاء، داعيا إلى تحويل الموقع إلى مساحة مفتوحة ومركز ثقافي. “أنا رومانسي”، قال. “هناك هذه المنطقة الكبيرة جدًا، في قلب هذا المجتمع العربي الشاسع”، مع عدم وجود حدائق أو مناطق ترفيهية تقريبًا.
أما مبنى المطار فقال شفران إنه قد يبقى محفوظا كما هو. نفى الشائعات القائلة بإمكانية تحويله إلى مدرسة دينية، وتكهن بأنه يمكن أن يصبح فندقًا أو متحفًا.
وقال لوكالة “أسوشييتد برس” إن فكرة المتحف، على الأقل، ستسعده.
إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون لهذا المتحف قصة جميلة ليرويها.
معرض “بوابة إلى العالم: مطار القدس 1948-1967″، برعاية ناتاليا كوبليانسكايا، والذي تم تمديده حتى 6 كانون الأول (ديسمبر)، موجود حاليا في معهد دبليو إف أولبرايت للبحوث الأثرية في القدس، تنظمه مؤسسة فريدريك ناومان.