بحث
تحليل

ملفات إبستين لا تُظهر أنه عمل لصالح الموساد

يتمسك مروّجي نظريات المؤامرة من مؤثري الجيل Z إلى وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية بشذرات من المعلومات الواردة في ملايين الوثائق التي أُفرج عنها هذا الأسبوع

ملف – تصوير وثائق كانت ضمن الإصدار الذي نشرته وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين في 2 يناير 2026. (AP Photo/Jon Elswick, File)
ملف – تصوير وثائق كانت ضمن الإصدار الذي نشرته وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين في 2 يناير 2026. (AP Photo/Jon Elswick, File)

تدور نظريات المؤامرة حول جيفري إبستين منذ سنوات – مثل أنه عمل لصالح الموساد، وأنه كان “أعظم حليف لإسرائيل”، وأن جرائمه كانت مستوحاة من التلمود.

الدفعة الأخيرة من ملفات قضية إبستين لا تؤكد هذه الادعاءات، لكنها مع ذلك غذّت اللاسامية ومعاداة إسرائيل من اليسار واليمين على حد سواء.

حسن بيكر، أحد أشهر مقدمي البث المباشر المنتمين لليسار الراديكالي، قال: “بإمكانهم ببساطة تسميتها ملفات إسرائيل”.

وصرح الشخصية اليمينة المتطرفة على الإنترنت ونجم الفنون القتالية المختلطة السابق جيك شيلدز: “فرية الدم تبدو ذات وقع مختلف تماما بعد قراءة ملفات إبستين.الأغيار (غوييم) باتوا يعرفون الآن”.

ملفات إبستين هي وثائق جمعها المحققون حول الممول والمفترس الجنسي الراحل منذ اعتقاله في عام 2005 بتهمة الاعتداء على فتيات. وتسلط هذه الوثائق الضوء على شبكة إبستين العالمية والمتشعبة من المعارف ذوي النفوذ.

هناك الملايين من الوثائق في هذه الملفات، والعديد منها لا علاقة له بالاتجار بالجنس، كما أن تحليل هذه المواد يعد أمرا شاقا ومستهلكا للوقت. فالوثائق مجردة من سياقها، والأسماء فيها مشطوبة، وهناك نسخ مكررة، وبسبب طبيعة التنسيق، لا تستجيب بعض الوثائق لمصطلحات البحث. كما يقوم المحققون بتسجيل البلاغات التي يتلقونها، سواء كانت دقيقة أم لا، مما يجعل التحقق من صحة العديد من الادعاءات الواردة في الملفات أمرا مستحيلا.

حجم المواد الهائل يعني أنه، رغم صعوبة تحويل المستندات إلى سرد متماسك ودقيق، هناك الكثير مما يمكن انتقاؤه ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا، مع صعوبة الدحض، يجعل الملفات أرضا خصبة لنظريات المؤامرة.

وكمثال على ذلك، الادعاء واسع الانتشار بأن إبستين كان عميلا للاستخبارات الإسرائيلية، وهو ادعاء روجت له شخصيات مثل تاكر كارلسون، الذي قال في قمة عُقدت العام الماضي إن إبستين كان يعمل لصالح “حكومة أجنبية”.

وقال كارلسون: “لا يُسمح لأحد بأن يقول إن تلك الحكومة الأجنبية هي إسرائيل”، مستخدما في ذلك قوالب نمطية تتعلق بكل من القوة اليهودية الخفية والسيطرة اليهودية على وسائل الإعلام.

ذُكر الموساد مرارا وتكرارا في الملفات، وكذلك وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وأجهزة المخابرات البريطانية، وجهاز المخابرات السوفيتي (كي جي بي). جميع الإشارات إلى هذه الوكالات تقريبا كانت في تقارير إخبارية تلقاها إبستين عبر البريد الإلكتروني. ذُكرت إسرائيل في آلاف الوثائق، ولكن بعدد مرات أقل من دول مثل روسيا والصين وكندا وفرنسا.

في إحدى الرسائل الإلكترونية، بعد أن دُعي إلى إسرائيل، رفض إبستين الدعوة قائلا: “أنا لا أحب إسرائيل. إطلاقا.”

ورد ذكر الموساد في بعض مراسلات إبستين الشخصية، ولكن دون وجود أي دليل يثبت أنه كان يعمل لصالح جهاز الاستخبارات هذا.

كان إبستين صديقا لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، حيث التقى به عشرات المرات، وهو أمر معروف منذ سنوات.

صورة ملف: رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك يتحدث في مؤتمر لمعهد غازيت في تل أبيب، 5 نوفمبر 2022. (Tomer Neuberg/Flash90)

في عام 2018، وأثناء مناقشة موعد لقاء عبر البريد الإلكتروني، قال إبستين لباراك: “يجب أن توضح أنني لا أعمل لصالح الموساد”، وأتبع قوله برمز وجه مبتسم. وكانت الشائعات الأولى حول صلات إبستين بالاستخبارات الإسرائيلية قد بدأت في الظهور في الوقت نفسه تقريبا.

في عام 2017، سأل باراك إبستين عما إذا كان أحد المعارف الآخرين قد “وصل إلى رجال الموساد من خلالك؟”. ولاحقا، سأل إبستين باراك – وربما كان مرتبكاً حينها – عما إذا كان قد ساعد في تسهيل العمل مع عملاء سابقين في الموساد. حينها طلب باراك من إبستين أن يتصل به، لكنه لم يرد على مكالمته.

برز تسجيل صوتي لمحادثة بين إبستين وباراك، استمرت لأكثر من ثلاث ساعات، بسبب شدة رتابتها. ولم تتطرق تلك المحادثة الخاصة إلى ذكر الموساد على الإطلاق.

بالإضافة إلى علاقات إبستين مع باراك، فقد كان على معرفة بقادة عالميين آخرين مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والأمير البريطاني السابق أندرو، ونقاد لاذعين لإسرائيل مثل نوعم تشومسكي.

الادعاءات الأخرى في الملفات جاءت من مصادر مجهولة ولم تقدم أي دليل.

ذكر مرسل يدعى مارك إيفرسون في عام 2021، أي بعد وفاة إبستين، أنه يشتبه في أن إبستين، بالإضافة إلى شريكته غيلاين ماكسويل ووالدها روبرت، “كانوا جميعا عملاء للموساد”. وكان دليله على ذلك هو جنازة روبرت ماكسويل التي أقيمت في إسرائيل. أما هوية مستلم هذا البريد الإلكتروني فقد كانت مشطوبة.

وجاء في رسالة بريد إلكتروني أخرى، نقلا عن مصدر مجهول لمكتب التحقيقات الفيدرالي، أن المصدر كان “مقتنعا بأن إبستين كان عميلا للموساد تم تجنيده”، دون أي معلومات إضافية.

تم تقديم كلا الادعاءين على أنهما شكوك، مما يشير إلى أن المصادر المجهولة لم تكن تمتلك أدلة فعلية. من المحتمل أن يكون المتهمون قد تأثروا بنفس المؤامرات المعادية للسامية حول تآمر اليهود، مثل المعلقين الذين روجوا لهذه الادعاءات بعد نشر الملفات.

هذا كل ما ورد عن الموساد في ملايين الملفات. ليس من المستحيل أن يكون لإبستين صلات بالاستخبارات الإسرائيلية، لكن وسط هذا الكم الهائل من المواد، لا توجد أدلة تثبت ذلك.

كما تحتوي ملفات إبستين على مزاعم تقول إن الأرض كانت مسطحة في السابق، وتشير إلى عملية اختطاف من قبل كائنات فضائية، وتدّعي أن البشر قادرون على التحكم في الطقس “باستخدام أشعة ليزر فائقة القدرة”.

وعلى غرار الإصدارات السابقة من ملفات القضية، فإن الدفعة التي طُرحت هذا الأسبوع أثارت جولة أخرى من المؤامرات بشأن الموساد، امتدت من وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية وصولا إلى المؤثرين من “الجيل زد” المنتمين لليسار.

سلطت هذه التصريحات الضوء على ما يُعرف بـ “نظرية حدوة الحصان” في معاداة السامية، والتي تفترض أن الطيف السياسي ليس خطا مستقيما، بل هو شكل يشبه الدائرة غير المكتملة، حيث يلتقي أقصى اليسار وأقصى اليمين عند نقطة واحدة، لا سيما عندما يتعلق الأمر باليهود وإسرائيل.

ويُعد كارلسون مثالا واضحا على هذه النظرية، إذ تندمج عدائيته اليمينية المتطرفة تجاه إسرائيل مع آراء ضيوف يساريين مثل المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز، وبن كوهين، الشريك المؤسسة لشركة “بن آند جيريز”.

استضاف كارلسون الناشط التقدمي سينك ويغور في برنامجه يوم الجمعة لمناقشة “ملفات إبستين، وجون كينيدي، وأحداث 11 سبتمبر”، حيث ربط كلاهما الحوادث الثلاث بإسرائيل، بالإضافة إلى حرب العراق.

وقال يوغر عن إبستين: “لا شك في ذلك على الإطلاق. إنه بالتأكيد تابع للاستخبارات، وفي كل مرة يسعى إلى خدمة بلد واحد، وهو إسرائيل”.

وقال كارلسون: “يتملكك شعور بأن هذا يكشف عن البناء الفوقي الكامن في العمق. إنه يمنحك لمحة عن الكيفية التي تُمارس بها السلطة على مستوى عالمي”.

اقرأ المزيد عن