عودة حماس: مع موجة من الإعدامات، تعيد الحركة فرض سيطرتها على غزة
سكان يتحدثون لـ"تايمز أوف إسرائيل" عن نمط من الأنشطة التي تشبه أنشطة الميليشيات والتي تقوم بها حماس وأحيانًا تكون مميتة، ويؤيد البعض ضمنيًا بعض جوانبها: ”إنهم موجودون على الأرض، ومن الطبيعي أن يحكموا"

عندما وصل إياد أبو رمضان، رئيس غرفة التجارة في مدينة غزة، إلى مكتبه صباح يوم الاثنين، رأى مجموعة من الرجال المسلحين الملثمين بزي مدني يقفون عند تقاطع طرق خارج المبنى.
وقال في مقابلة هاتفية أجراها معه “تايمز أوف إسرائيل” إنه متأكد من أنهم من عناصر حماس. ”لا توجد قوة مسلحة أخرى يمكن أن تكون هناك. السلطة الفعلية هي حماس“، على حد قوله.
كما أفاد محمد، الذي يعيش في مخيم النصيرات في وسط غزة، أنه شاهد مسلحين منتشرين عند التقاطعات في الأيام الأخيرة. وقال لـ”تايمز أوف إسرائيل“ عبر الهاتف: ”يمكنك أن ترى اثنين أو ثلاثة منهم عند التقاطعات [المختلفة]، وهم ملثمون“.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
في ساعات الليل تتحول الأمور إلى أعمال عنف، حسبما قال.
وقال محمد، الذي تم تغيير اسمه حفاظا على سلامته، إنه على علم بعدة حوادث قتل للمدنيين على يد حماس في الآونة الأخيرة. وأضاف أن السكان يطلعون كل صباح على ما حدث خلال الليل عبر قنوات تلغرام المحلية أو من خلال الأحاديث المتداولة في المخيم.
لا تعلن حماس عن هذه الأعمال على حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن منذ بدء وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية جزئيًا، تقوم قنوات تلغرام المرتبطة بحماس كل بضعة أيام بنشر لقطات تظهر أعمال عنف ضد سكان غزة – أشخاص يُطلق عليهم الرصاص في أرجلهم أو يُضربون بالحجارة في ما يبدو أنه عقاب على جرائم مزعومة تشمل سرقة المساعدات وتعاطي المخدرات والتعاون مع إسرائيل.
وقال محمد: ”الوضع مخيف. منذ بدء وقف إطلاق النار [في 10 أكتوبر]، بدأنا نشهد عمليات قتل عشوائية. هذا يزرع الخوف بين سكان غزة، وللأسف لا يزال مستمرًا. هناك مسلحون سيقتلونك بتهمة التعاون المزعوم، أو لأسباب لا تعرفها حتى“.
يوم السبت، أعلنت عائلة الصفطاوي أن هشام الصفطاوي قُتل بالرصاص في منزله في النصيرات على يد مسلحين من حماس. وأكد محمد هذه الرواية وقال إن إطلاق النار وقع في الساعة 5 صباحًا، وإن الصفطاوي قُتل أمام أطفاله. وقال مشيرًا إلى حماس: ”لم يقدموا أي عذر“.
ووصف محمد الصفطاوي بأنه شخصية معروفة في المخيم. وقالت الأسرة إنها لن تنصب خيمة حداد حتى تنتقم لمقتله على يد حماس.
رسميًا، أعلنت شرطة حماس أنها ستحقق في الحادث، لكن وسائل الإعلام المقربة من الحركة أشارت إلى نشاط إجرامي مزعوم غير محدد، وقالت إن الصفطاوي كان يعمل في أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية عندما كانت السلطة الفلسطينية، أو بالأحرى فصيل فتح بقيادة رئيسه محمود عباس، تحكم القطاع بين عام 2005 وحتى استيلاء حماس العنيف على السلطة في عام 2007.
كانت إدانة الأسرة العلنية لحماس أمرًا غير معتاد؛؛ فالعائلات الأخرى التي واجهت عنف حماس وقتلها كانت في العموم خائفة للغاية إلى حد يمنعها من التحدث علنًا.
يعيش شقيق أحمد فؤاد الخطيب في جنوب غزة. يوم الأحد، أخبر هذا الشقيق الخطيب المقيم في الولايات المتحدة أنه كان يقود سيارته في طريقه إلى المنزل عندما وجد نفسه محاطًا بمسلحين ملثمين من حماس يهددونه بالسلاح، ويفتشون سيارته وهويته، ولم يسمحوا له بمواصلة طريقه إلا بعد تفتيش دقيق.
وقال الخطيب، الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ عقدين من الزمن ويشغل منصب زميل أقدم في المجلس الأطلسي، إن شقيقه يخشى التحدث إلى الصحافة بنفسه، لكنه نقل رواية شقيقه. ”قال لي: ’هؤلاء الرجال يتصرفون كميليشيا. لماذا يحيط مسلحون ملثمون بزي مدني بسيارتي، ويخرجون أسلحتهم، ويفتشون السيارة بالكامل؟ لماذا لديهم بنادق AK-47؟ هذا ليس تمامًا تصرفًا مدنيًا‘“.
تعكس هذه الرواية طبيعة نشاط حماس في القطاع هذه الأيام: العمل كميليشيا قاتلة ضد من تعتبرهم تهديدًا، مع تجنب الحكم الكامل بشكل علني.
محاصرة من قبل مسلحي حماس ”بقذائف الهاون وقذائف آر بي جي“
تم تصوير ما لا يقل عن حادثتين علنيتين لإعدامات متعددة في 13 أكتوبر، أقرت بهما وسائل الإعلام التابعة لحماس لاحقّا. أثارت اللقطات ضجة على الإنترنت وغضبًا متزايدًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يصر على أن حماس يجب أن تنزع سلاحها وستقوم بذلك. كما أعقب ذلك تحذير من وزارة الخارجية الأمريكية بأن حماس تخطط لمزيد من الهجمات ضد سكان غزة، وأن هذه الهجمات ستشكل ”انتهاكًا مباشرًا وخطيرًا لاتفاق وقف إطلاق النار“.
قال سكان غزة الذين قابلهم ”تايمز أوف إسرائيل“ إن حالات الإعدام المتعددة تلك كانت محصورة إلى حد كبير في مدينة غزة، ولم تتكرر في الأيام الأخيرة.
بعض السكان المحليين برروا جزئيًا تصرفات حماس. قال عمر، أحد سكان مدينة غزة الذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي: ”تم نشر الشرطة (التابعة لحماس) حتى لا يتمكن أحد من سرقة المساعدات؛ فهم يقومون بتأمين المساعدات. تم إعدام أشخاص عملوا مع (الميليشيات المناهضة لحماس)، وأشخاص سرقوا وقاموا ببيع المساعدات. وكان بعضهم متعاونين مع الاحتلال (في إشارة إلى إسرائيل)“.
وقال صلاح (اسم مستعار أيضا)، الذي يعيش في وسط غزة، إنه لا يؤيد حماس، لكنه أضاف: ”تعتقل حماس الأشخاص المطلوبين لجميع أنواع الجرائم. لقد توقفت ظاهرة القتل“، كما زعم، وأضاف: ”لقد سووا حساباتهم مع بعض العائلات التي ارتكبت أفعالًا سيئة ضد الناس – التي أقامت نقاط تفتيش للسرقة ومصادرة الأسلحة والترهيب بشكل عام“. هؤلاء الأشخاص ”ارتكبوا العديد من الأفعال السيئة. إنهم مجرمون؛ يجب القضاء عليهم. هذا رأيي الشخصي“.
كما قال صلاح: ”عناصر حماس موجودون على الأرض ومن الطبيعي أن يحكموا“، وادعى أن معظم سكان غزة لا يريدون حكم حماس، ”لكنهم يشعرون بوجود فراغ؛ لا يوجد من يحل محلهم“.
أحمد فؤاد الخطيب، المقيم في الولايات المتحدة، والذي يتواصل يوميًا مع عائلته الموسعة في غزة، أوضح أن هناك بالفعل ”فراغ“ في غزة، “بمعنى أنه لا يوجد بديل جاهز لحماس. الوحيدون الذين كانوا مستعدين حقًا لملء هذه الفجوة هم الأشخاص المسلحون. ومن يمتلك السلاح في غزة؟ إما العشائر (العائلات الكبيرة في القطاع)، أو الميليشيات التي عملت مع إسرائيل”. والآن، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى منطقة تغطي بالكاد نصف غزة، تقوم حماس بتصفية حساباتها مع هؤلاء الخصوم.
قبل وقف إطلاق النار، كانت هناك ثلاث ميليشيات رئيسية تعمل في غزة – بقيادة أشرف المنسي في الشمال، وحسام الأسطل في خان يونس، وياسر أبو شباب في شرق رفح.
وقد أقرت الأخيرتان بتلقيهما دعمًا عسكريًا ولوجستيًا من إسرائيل؛ أما ميليشيا المنسي فلم تقر بذلك، لكن أحد كبار المسؤولين في ميليشيا أبو شباب قال لـ ”تايمز أوف إسرائيل“ إن جماعة المنسي تعمل بطريقة مماثلة.
منذ بدء وقف إطلاق النار، أفادت وسائل الإعلام في غزة عن وقوع اشتباكات متعددة بين حماس وميليشيا المنسي وعشائر أخرى في مدينة غزة. وتقع المجموعتان الأخريان في مناطق لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي أو قريبة جدًا من انتشار قوات الجيش الإسرائيلي.
وشرح الخطيب “في حوالي 50٪ من الأراضي التي تسيطر عليها حماس، استغلت الجماعة الإرهابية كل فرصة سانحة لملاحقة أي شخص يحمل سلاحًا. كما أنها ’خلطت’ بين ملفين منفصلين – الجريمة والفوضى من جهة، والاتهامات، سواء كانت مزيفة أو مبالغ فيها أو حقيقية، بالتعاون مع إسرائيل من جهة أخرى”.
وقال الخطيب إن هذا الخلط يسهل على حماس إضفاء الشرعية على إجراءاتها العقابية.
لم يتم نشر أسماء القتلى، بمن فيهم الذين أعدموا علنا، بشكل رسمي، لكن تقارير إعلامية في غزة تقول إن العديد منهم ينتمون إلى عائلة دغمش الكبيرة في مدينة غزة. وخلال الحرب، عرضت إسرائيل على أفراد العائلة صفقة للتعاون ضد حماس، لكنها رفضت.
وقال أحد كبار العائلة، نزال دغمش، لقناة “العربية” السعودية في مقابلة هاتفية يوم السبت إن مسلحي حماس قتلوا 33 فردًا من عائلته، وأضاف أن المنطقة التي تعيش فيها عائلته في مدينة غزة تعرضت لحصار من قبل عدد كبير من عناصر حماس ”بقذائف الهاون وقذائف آر بي جي“.
ونفى مزاعم التعاون مع إسرائيل، لكنه قال أيضًا إنه إذا كان بعض أفراد العائلة قد تعاونوا مع إسرائيل، فيجب تسليمهم إلى السلطات القانونية – معترفًا فعليًا بشرعية ملاحقة المتعاونين ومعاقبتهم، وإن لم يكن بالإعدام.
“طائفة تعبد الموت تشارك في تضحية بشرية ضخمة”
الذين تحدثوا علنا في الأيام الأخيرة عن أفعال حماس هم في الغالب شخصيات محلية مؤثرة وعائلات مرموقة وشيوخ. وكما أقر محمد، هناك خوف شديد بين سكان غزة من التحدث علنًا ضد حماس منذ بدء وقف إطلاق النار.
وقال محمد: ”بدأ الكثير من الناس في الحد من (وجودهم على الإنترنت) ولا يرغبون في التحدث خوفًا من العواقب. الوضع الحالي، مع حماس والميليشيات والعصابات، غير مستقر على الإطلاق“.
وقال الخطيب إنه يستشعر التغيير حتى في مكالماته الخاصة مع الأهل والأصدقاء: كان الناس يشعرون براحة أكبر في الحديث عن حماس خلال الحرب مقارنةً بالوقت الحالي، خلال وقف إطلاق النار. “لأن حماس كانت تعمل سرًا، قلّت احتمالية ملاحقتهم للناس. أما اليوم، فعلى النقيض من ذلك، حتى مجرد قول: ’هذا ما رأيته، هذا ما واجهته’، يُعدّ مخاطرة”، مضيفّا أن الجميع يتوارون عن الأنظار.
السؤال الكبير، بالطبع، هو كيف ستشكل الأحداث الجارية في غزة، وخاصة عودة ظهور حماس، مستقبل القطاع. تتطلب خطة السلام المكونة من 20 نقطة التي طرحها ترامب لغزة نزع سلاح حماس ونزع الطابع العسكري عن القطاع. وقد أشار مسؤولو حماس إلى أنهم لن يتخلوا عن أسلحتهم. ولا يتناول اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن والسجناء الذي وقّعته إسرائيل وحماس في 9 أكتوبر مسألة الحكم بعد الحرب، والتي لا تزال قيد التفاوض.
قدم سكان غزة الذين قابلهم ”تايمز أوف إسرائيل“ توقعات متباينة: يتوقع البعض أن تستأنف حماس حكمها، بينما يتوقع آخرون وصول قوات عربية أو دولية في الأشهر المقبلة لتحل محلها.
وقال رئيس غرفة التجارة أبو رمضان إن خوفه الأساسي هو إسرائيل، التي يرى أنها تعتبر جميع سكان غزة أعداء. “تطالب إسرائيل بالأمن والسلام، لكن لا أحد يطالب بالسلام والأمن لنا. إسرائيل لا تزال قوة احتلال في القطاع، ومعظم المجتمع الإسرائيلي يعتبر غزة عدوًا وجميع سكانها أعداء، ويفضلون أن تختفي غزة”.
ومع ذلك، قال إنه إذا احتفظت حماس بالسلطة، “لن يكون هناك إعادة إعمار لغزة، وهذه مسألة صعبة للغاية بالنسبة لسكان غزة. ولن تكون هناك إمكانية لتحقيق السلام”.
قدم الخطيب توقعات قاتمة على المدى القريب لغزة في ظل وجود حماس على غرار الميليشيات: ”ستكون الأوضاع قاتمة للغاية. سيستغرق الأمر ما بين ثلاث إلى خمس سنوات على الأقل لمجرد استقرار الأوضاع“.
وأضاف: ”أعتقد أن الأمر سيتطلب معجزة توراتية لتغيير ذلك المكان حقًا. ليس لأنه لا يمكن تحقيق ذلك، ولكن لأن هناك طائفة [حماس] تعبد الموت وتقوم بتضحية بشرية ضخمة وتحتجز مليوني شخص كرهائن. لقد أخرجنا 20 رهينة إسرائيلية على قيد الحياة. هذا رائع. ولكن الآن لدينا مليوني رهينة فلسطينية“.