ضبابية ملف نزع سلاح حماس تعرقل المساعي الأمريكية لجمع تبرعات إعادة إعمار غزة
غالبية الدول تتوجس من "مجلس السلام" وتتحفظ على مشاركة نتنياهو المنصة؛ والأخير لم يؤكد حضوره مؤتمر المانحين بعد

واشنطن – تستضيف الولايات المتحدة الأسبوع المقبل الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام المشرف على غزة، مستغلة هذه الفرصة لمحاولة جمع التبرعات لإعادة إعمار الجيب الساحلي الذي دمرته الحرب.
ستكون مهمة إقناع الأطراف صعبة للغاية؛ إذ لا تزال حماس تهيمن على النصف الشرقي من قطاع غزة، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على النصف الغربي. وفي غضون ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي شن غارات شبه يومية ضد من يصفهم بـ “العناصر الإرهابية” في جميع أنحاء القطاع، وذلك منذ أن توسطت واشنطن في وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 بهدف إنهاء حرب استمرت عامين
وفي كلمته خلال حفل توقيع ميثاق مجلس السلام في 22 يناير، أقر جاريد كوشنر، المساعد البارز لرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره، بأن إعادة إعمار غزة لن تكون ممكنة إذا لم تنزع حماس سلاحها.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
لكن إدارة ترامب لا تنتظر قيام الحركة بتسليم أسلحتها، حيث أرسلت دعوات لحضور مؤتمر لجمع التبرعات في 19 فبراير بواشنطن، حيث تعتقد أنها ستكون قادرة على الإعلان عن تبرعات تصل قيمتها إلى عدة مليارات من الدولارات من دول حول العالم، وفقا لما صرح به مسؤول أمريكي لـ”تايمز أوف إسرائيل”.
وأفاد المسؤول بأن الولايات المتحدة لا تزال تعكف على صياغة خطة لنزع سلاح حماس وتفكيك ترسانتها، وتأمل في الكشف عنها خلال الأسابيع المقبلة.
وفي حين رفض البيت الأبيض طلب التعليق، قال مصدران مطلعان على المناقشات حول خطة تفكيك السلاح إن مبدأها الأساسي سيكون تجريد حماس من الأسلحة التي يمكن استخدامها لتهديد إسرائيل.
تتضمن الخطة تسليم حماس للأسلحة الثقيلة وتدمير مواقع التصنيع، بالإضافة إلى التحفيز على تسليم الأسلحة الخفيفة من خلال عرض أموال ووظائف وعفو عن المتعاونين، وفقا لما ذكرته المصادر.
ورغم أن هذا قد لا يؤدي إلى استعادة كل قطعة سلاح مملوكة للجماعات في القطاع، إلا أن الولايات المتحدة تعتقد أن ممارسة ضغوط كافية من الدول الوسيطة – مصر وقطر وتركيا – كفيلة بمنع حماس من لعب دور المعرقل.
من جانبها، لم تبدِ الحركة استعدادا للتعاون، حيث أكد خالد مشعل، أحد كبار مسؤوليها في الدوحة، في وقت سابق من هذا الأسبوع أنها لن تتخلى عن سلاحها.
لكن دبلوماسيا عربيا جادل بأن مسؤولي حماس أبدوا مرونة أكبر في الجلسات المغلقة، وأن تصريحات مشعل كانت تتعلق أكثر بالدعاية الانتخابية قبيل سباق القيادة داخل الحركة، والذي لم يتحدد موعده بعد.
الرد بـ”ربما”
من خلال اعتماد هذا النهج المتفائل بشأن فرص نزع سلاح حماس، أرسلت الولايات المتحدة عشرات الدعوات لفعالية جمع التبرعات المقررة الأسبوع المقبل.
فقط عدد قليل من الدول الأعضاء في مجلس السلام البالغ عددها 27 دولة أكدت خططها للحضور؛ حيث سارع حلفاء ترامب، فيكتور أوربان من المجر وخافيير مايلي من الأرجنتين، بتأكيد قيامهما بالرحلة، بينما لا تزال دول الشرق الأوسط التي ترغب واشنطن في الاعتماد عليها تدرس ما إذا كانت سترسل قادة دولها أم ستكتفي بتمثيل دبلوماسي أقل مستوى
عندما أُرسلت الدعوات يوم الجمعة، كانت إدارة ترامب تظن أن هذا التجمع سيتزامن مع زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، مما يضمن تقريبا ظهورا نادرا لرئيس الوزراء على منصة مشتركة مع القادة العرب.
إلا أنه في اليوم التالي، أعلن نتنياهو أنه قدم موعد رحلته إلى واشنطن أسبوعا، وسط شعور بضرورة ملحة لمناقشة المحادثات النووية الإيرانية مع ترامب، مما أدى إلى تكهنات بأنه يسعى لتجنب المشاركة في مبادرة منحت الدول المنافسة، تركيا وقطر، موطئ قدم في غزة، وأدت لتدويل الصراع الإسرائيلي مع الفلسطينيين – وهو أمر طالما سعت القدس لتجنبه.
ولم يوقّع نتنياهو بعد على ميثاق مجلس السلام، وهو ما من شأنه أن يضفي طابعا رسميا على عضوية إسرائيل في اللجنة.
وقال مصدر إسرائيلي إن نتنياهو لا يزال من المقرر أن يلقي كلمة في مؤتمر “إيباك” في 22 فبراير. ويبقى أن نرى ما إذا كان سيوافق على الوصول قبل ذلك بأربعة أيام كما كان مخططا له في الأصل، رغم أن مسؤولاً إسرائيليا ذكر أن رئيس الوزراء كان ينوي بالفعل الوصول إلى واشنطن بحلول 18 فبراير.
في المرة الأخيرة التي واجه فيها قادة الشرق الأوسط احتمال المشاركة في فعالية مشتركة مع نتنياهو – في شرم الشيخ للاحتفال باتفاق وقف إطلاق النار في غزة – هدد بعضهم على الأقل، مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالمقاطعة.
وبناء على ذلك، قد ينتظر عدد من القادة العرب والمسلمين مزيدا من الوضوح بشأن خطط نتنياهو قبل تأكيد حضورهم.
أحد القادة الذين لم يتلقوا دعوة للاجتماع الافتتاحي هو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وقال دبلوماسي عربي إن السلطة سعت لحشد حلفائها لإقناع الولايات المتحدة بمنحها مقعدا في مجلس السلام، لكن واشنطن أحجمت عن إشراك عباس، كما فعلت في فعالية شرم الشيخ.
وبدلا من ذلك، دعت الولايات المتحدة علي شعث، المفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة، لحضور فعالية واشنطن، في إطار سعيها لرفع شأن رئيس اللجنة التكنوقراط المقرر أن تدير القطاع بدلا من حماس أو السلطة الفلسطينية.
كما تلقت دول أوروبية دعوات لحضور فعالية الأسبوع المقبل، بما في ذلك دول أعلنت بالفعل أنها لن تنضم إلى مجلس السلام بسبب عدم ارتياحها لتفويضه الواسع، وفقا لما صرح به دبلوماسيان أوروبيان لـ”تايمز أوف إسرائيل”.
تعتزم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عقد مشاورات في بروكسل يوم الخميس لتحديد ما إذا كانت ترغب في المضي قدما، حيث يتوقع أحد الدبلوماسيين أن توافق الدول على إرسال ممثلين من المستوى المتوسط إلى مؤتمر واشنطن.
وقد يعود هذا التردد الإضافي بشأن الحضور إلى نقص المعلومات المقدمة للدول المدعوة حول ما سيجري في الفعالية، والتي تتزامن أيضا مع بداية شهر رمضان (المتوقع فلكيا في 18 أو 19 فبراير).
وتوقع دبلوماسيان من الشرق الأوسط أن يستغل ترامب هذه الفرصة للتوقيع على قرارات، بصفته رئيسا لمجلس السلام، تتعلق بنزع السلاح وإعادة إعمار غزة.
وفي حين تعهد المسؤولون الأمريكيون بنشر تفاصيل إضافية بخصوص خطتهم لنزع سلاح حماس في الأسابيع المقبلة، لم يتم حتى الآن تقديم مقترح رسمي للحركة؛ مما يثير تساؤلات جدية حول مدى إمكانية تجهيز قرار ملزم لمجلس السلام ليكون جاهزا لتوقيع الرئيس ترامب عليه في غضون سبعة أيام فقط..
الإمارات تقود الطريق بتواضع
رغم ذلك، لا تزال واشنطن تتوقع أن يكون المانحون الرئيسيون لمجلس السلام هم قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة؛ حيث أكد مسؤول أمريكي ودبلوماسيان عربيان أن الإمارات ستمول أول مشروع إسكاني كبير للمجلس في غزة.
وصرحت وزيرة الدولة الإماراتية، لانا نسيبة، لـ”تايمز أوف إسرائيل” بأن بلادها وافقت على المشاركة بعد أن قدمت واشنطن ضمانات بشأن العديد من شروط الإمارات للمشاركة في غزة – وهي تدفق المساعدات الإنسانية، ونزع سلاح حماس، ونشر قوة استقرار دولية، وإصلاح السلطة الفلسطينية، وإيجاد أفق سياسي للفلسطينيين.
وشددت نسيبة على أن المساعدات المالية الإماراتية ستقتصر على الإغاثة الإنسانية، نافية تقريرا في وسائل إعلام إسرائيلية أثار ضجة بزعمه أن أبوظبي وافقت على تولي الإدارة المدنية الكاملة لغزة.
وقال المسؤول الأمريكي والدبلوماسيان العرب إن هذه الإغاثة الإنسانية المبكرة من الإمارات ستشمل توفير مساكن مؤقتة لآلاف الفلسطينيين فوق أنقاض مدينة رفح بجنوب غزة.
لكن المشروع يواجه سلسلة من العقبات؛ حيث يقع الموقع على الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي عند بدء وقف إطلاق النار. وتقيم الغالبية العظمى من سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة حاليا في الجانب الذي تسيطر عليه حماس، وهم غير مستعدين للانتقال إلى منطقة تقع تحت السيطرة الإسرائيلية.
وعلاوة على ذلك، فإن المشروع الإماراتي مرهون بانسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة، وهو أمر لم تبدِ إسرائيل استعدادا للقيام به قبل نزع سلاح حماس.
بالإضافة إلى ذلك، سيتطلب المشروع – مثله مثل كافة المشاريع المخطط لها في القطاع – تعويض أصحاب الأراضي الأصليين. وهذا يعني التعاون مع السلطة الفلسطينية التي تمتلك صلاحية الوصول إلى مستندات تسجيل الأراضي. وقد أصرت إسرائيل على تهميش رام الله في إدارة غزة ما بعد الحرب قدر الإمكان، سعيا منها لمنع إعادة توحيد الأراضي تحت كيان سياسي فلسطيني واحد.
علاوة على ذلك، من المقرر إقامة المشروع الإسكاني في واحدة من المناطق الزراعية القليلة في غزة، وهي مناطق حيوية لقطاع يسعى في نهاية المطاف إلى فطام نفسه عن المساعدات الإنسانية.
ورغم هذه التحديات، تأمل الولايات المتحدة أن يكون المشروع الإماراتي بمثابة خطة نموذجية يمكن تكرارها في جميع أنحاء القطاع في غضون سنوات قليلة.
أبدى أحد الدبلوماسيين العربيين تفاؤلا أقل بكثير، معتبرا أن إسرائيل لن توافق على الانسحاب من منطقة رفح المخصصة للمشروع الإماراتي.
وقال الدبلوماسي: “إنه عام انتخابي في إسرائيل، ونتنياهو يخوض صراعا مع الولايات المتحدة حول الشعارات”، مشيرا إلى غضب القدس من تبني “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” لشعار يشبه شعار السلطة الفلسطينية.
وأضاف: “في هذا المناخ السياسي، من المرجح أن تكثف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة بدلا من سحب قواتها بشكل أكبر”.
وبالفعل، يستعد الجيش الإسرائيلي لعملية واسعة النطاق في غزة تهدف إلى نزع سلاح حماس في حال لم توافق الحركة على إلقاء أسلحتها.