توطيد العلاقات بين ترامب وولي العهد السعودي يترك التطبيع مع إسرائيل خارج الحسابات
حقق محمد بن سلمان مكاسب مهمة في واشنطن، حيث أعاد تأهيل الرياض بعد أن تم تهميشها من قبل إسرائيل وقطر، ومن المرجح أن يزيد من ثمن انضمام المملكة إلى اتفاقيات إبراهيم

جالسا إلى جانب الرئيس الأمريكي، وبزخارف ذهبية على رداءه تتناسب مع ديكور المكتب البيضاوي لدونالد ترامب، كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يشع ثقة ملكية.
مبتسما بسهولة، أسعد زعيم المملكة الفعلي البالغ من العمر 40 عاما ترامب بإعلانه عن استثمار يقارب تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي. ربت ترامب على كتف الأمير السعودي القوي مرارا وتكرار، ودافع بغضب عن بن سلمان في مواجهة أسئلة عدائية حول سجله من الصحفيين في واشنطن.
لكن وراء المظاهر الفخمة والتواصل الجسدي الدافئ والابتسامات، كان بن سلمان الذي زار البيت الأبيض في 18 نوفمبر غير مرتاح. خططه الاقتصادية الكبرى، التي يراهن عليها بمستقبل المملكة، بعيدة كل البعد عما يريده. تجد المملكة نفسها في موقف دفاعي بينما يقود منافسو السعودية الأحداث في الشرق الأوسط.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
جاء بن سلمان إلى واشنطن في محاولة لإعادة تأكيد مكانة المملكة الغنية بالنفط في منطقة تركتها وراءها، وفي هذا الصدد، كانت الزيارة ناجحة بشكل ملحوظ، حيث عززت الكثير مما وعد به ترامب خلال زيارته للرياض في مايو، ورسخت مكانة ولي العهد كأحد أهم حلفاء ترامب في المنطقة.
ولكن من خلال المساعدة في تعزيز قوة المملكة العربية السعودية ورفع مكانتها في الشرق الأوسط، ربما يكون الرئيس الأمريكي قد رفع أيضا ثمن التطبيع الذي طال انتظاره بين الرياض والقدس.
لطالما اعتُبرت السعودية على مدى سنوات طويلة الكأس المقدسة لتحالف اتفاقيات إبراهيم، حيث تفوق أهميتها في المنطقة والعالم بكثير أهمية الدول التي أبرمت اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل في إطار الاتفاقية حتى الآن. منذ الأيام الأخيرة من ولاية ترامب الأولى، مرورا بالبيت الأبيض في عهد جو بايدن وحتى ولاية ترامب الثانية، وصف الدبلوماسيون هذه الجائزة بأنها بعيدة المنال.
لطالما أصرت الرياض على أن مثل هذه الاتفاقية يجب أن تستند إلى قيام دولة فلسطينية، ولكن كانت هناك مؤشرات في السنوات الأخيرة على أنها مستعدة للتنازل وربما قبول التزام مبهم يكون كافيا للانضمام، إلى جانب بعض المزايا الدفاعية من الولايات المتحدة.
ولكن مع حرب غزة التي أضعفت مكانة إسرائيل، والاتفاقات الجديدة التي أبرمها بن سلمان وترامب والتي عززت موقف السعودية التفاوضي، قد يكون على القدس الآن أن تقطع شوطا أطول قبل أن تصل إلى قمة التطبيع هذه.
الرياض تتراجع
على الرغم من أن الإسرائيليين ركزوا بشكل كبير على الجوانب الأمنية لزيارة بن سلمان، إلا أن اهتمام ولي العهد كان منصبا بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي.
مع صعوده السريع من مجهول نسبيا إلى قمة الهرم السياسي السعودي قبل عقد من الزمن، وضع بن سلمان برنامجا شاملا للتحديث الاجتماعي والاقتصادي والديني، بهدف تحويل السعودية من مملكة تعتمد على النفط إلى رائدة عالمية في مجال التكنولوجيا والتجارة العالمية.
لكن مشروعه الرائد المستقبلي مدينة نيوم العملاقة يواجه صعوبات كبيرة، كما يواجه ولي العهد صعوبات في وضع السعودية في مكانة قوة في مجال الذكاء الاصطناعي. على الرغم من وجود مساحات شاسعة من الأراضي الخالية، وإمكانية الحصول على طاقة رخيصة، والمال، تفتقر السعودية إلى المواهب أو التكنولوجيا المحلية عالية المستوى لجذب مراكز البيانات لشركات الذكاء الاصطناعي الدولية الرائدة.
على الأقل في النقطة الثانية، حقق بن سلمان تقدما كبيرا خلال زيارته للولايات المتحدة. وقّع البلدان شراكة استراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي، ووقعت شركة Humain – وهي شركة سعودية للذكاء الاصطناعي أنشأها صندوق الثروة السيادي التابع للمملكة – سلسلة من المشاريع المشتركة مع Cisco وQualcomm وAMD وxAI التابعة لإيلون ماسك.
كما استعاد بن سلمان مكانته بعد تدهورها وتدهور وضع بلاده في أروقة السلطة، بعد سنوات من العزلة الشخصية في عواصم العالم بسبب الاشمئزاز الدولي من مقتل وتقطيع أوصال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في عام 2018، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه تم تنفيذه بأوامر من ولي العهد.
على الرغم من أن بن سلمان ليس رئيس دولة، إلا أن ترامب استقبله بتكريم لا يحظى به سوى أقوى قادة العالم – والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يحظ بهذا الاستقبال.
ورغم أن وضع بن سلمان تحسن بشكل ملحوظ مع ارتفاع الطلب الغربي على النفط السعودي في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن لديه أسبابا تدعوه للقلق من أن الرياض ستتخلف عن منافسيها. فقد استفادت الدول المجاورة الصغيرة من اتفاقيات جديدة وأسلحة من الولايات المتحدة، بينما بقيت السعودية على الهامش. قطر – التي قطعت السعودية علاقاتها معها لعدة سنوات بدءا من عام 2017 – تم تصنيفها كحليف رئيسي للولايات المتحدة خارج حلف الناتو في عام 2022، وحصلت على ضمانات دفاعية غير مسبوقة من ترامب بعد الضربة الإسرائيلية في الدوحة في سبتمبر.
وقال جون هانا، زميل أقدم في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي ومستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني: ”إنه الآن يحاول اللحاق ببلد صغير جدا على حدوده، لا يمتلك سوى جزء ضئيل من النفوذ والتأثير العالمي الذي تمتلكه المملكة، والذي شكل دعمه لجماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من المتطرفين شوكة دائمة إلى حد ما في خاصرة السعودية لسنوات“.
وأضاف: ”نظرا لتاريخ العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية الذي يمتد على مدى ثمانية عقود، فإن العثور على نفسك في مرتبة ثانية بعد قطر من حيث التزامات واشنطن الأمنية الإقليمية لم يكن أمرا مريحا“.
لا تزال إيران تمثل التهديد الأمني الرئيسي للسعوديين. في سنواته الأولى كشخصية سعودية بارزة، اتخذ بن سلمان موقفا عدوانيا تجاه المحور الإيراني، حيث شن حربا على الحوثيين في اليمن واختطف رئيس وزراء لبنان لكونه متساهلا مع حزب الله.
لكن في السنوات الأخيرة، فتح بن سلمان قنوات دبلوماسية مع طهران من أجل التخفيف من التهديد الإيراني.
ولا شك أن السعوديين كانوا سعداء برؤية حماس وحزب الله وسوريا بشار الأسد والحوثيين والإيرانيين أنفسهم يتعرضون للهزيمة على يد إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023.
ما لم يحسبوا حسابه هو استبدال إيران بإسرائيل عدوانية، المستعدة لتنفيذ هجمات في جميع أنحاء المنطقة، بغض النظر عما إذا كانت الأهداف حليفة للولايات المتحدة (انظر: قطر) أو للسعودية (انظر: النظام الجديد في سوريا).
وقالت موران زاغا، وهي باحثة متخصصة في شؤون الخليج في شركة الاستشارات الأمنية الوطنية MIND Israel: ”هذا يقوض، أو إلى حد ما يضعف، قدرة السعودية على أن تكون شرطي المنطقة – كما لو أن إسرائيل أصبحت مسؤولة عن النظام الإقليمي بدلا من السعودية“.
وأضافت زاغا: ”لقد زادت إسرائيل من ثقتها بنفسها هنا، ومن نفوذها، إن جاز التعبير، في المنطقة – وهذا أمر سترغب السعودية في الحصول على رد أو تعويض ما عليه“.
السعوديون يردون
مع صعود إسرائيل وقطر وتراجع إيران، أراد بن سلمان استعادة مكانة مملكته كشريك أمني رئيسي لواشنطن في المنطقة.
كان يصر على معاهدة دفاعية كاملة يوافق عليها مجلس الشيوخ لا تخضع لتغييرات الإدارة في واشنطن. بدلا من ذلك، غادر مع وضع حليف رئيسي خارج حلف الناتو فقط – وهو وضع تتمتع به بالفعل إسرائيل ومصر والأردن والكويت والمغرب وتونس وقطر – واتفاقية دفاع استراتيجية غامضة بين الولايات المتحدة والسعودية.
وقال هانا: ”سيضطر إلى القبول بالتزام مؤقت وشخصي للغاية من رئيس مثير للاستقطاب ومتقلب المزاج ولا يحظى بشعبية بشكل متزايد، والذي سيترك منصبه في غضون ثلاث سنوات“.
ومع ذلك، حقق بن سلمان بعض المكاسب الكبيرة، وأهمها التزام ترامب ببيع طائرات F-35 للسعودية في وقت ما، مما يجعل المملكة أول دولة إسلامية وعربية تشغل أحدث طائرة مقاتلة في العالم.
إذا حصل السعوديون على الطائرات، فمن المرجح أن ينهي ذلك قدرة إسرائيل على السيطرة على سماء المنطقة، على الرغم من أنه في الوضع الحالي، من غير المرجح للغاية أن يستخدمها البلدان ضد بعضها البعض.
وقال هانا: ”يجب أن نقر أنه من الصعب تخيل أي سيناريو واقعي قد يدفع محمد بن سلمان إلى اتخاذ قرار بشن حرب على إسرائيل. لكننا نتحدث عن الشرق الأوسط. يمكن أن تتغير الأنظمة والنوايا بينما تظل القدرات كما هي“.
أبرزت الأحداث التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية مدى السرعة التي يمكن أن تسقط بها حتى الأنظمة المستقرة ظاهريا المتحالفة مع الولايات المتحدة.
لا يعني الخطر المحتمل أن على إسرائيل أن تعمل الآن على إحباط الصفقة. يمكن لإسرائيل أن تضغط من أجل الحصول على ضمانات بشأن التعاون الدفاعي في مذكرة تفاهم جديدة مدتها 20 عاما ذكرت تقارير إن نتنياهو يضغط من أجلها. يمكن للولايات المتحدة أيضا أن توفر معاهدة دفاع متبادل مصدق عليها من قبل مجلس الشيوخ.
كما أبرم بن سلمان اتفاقية طال انتظارها بشأن الطاقة النووية المدنية، والتي ”تضع الأساس القانوني لشراكة تمتد لعقود وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات“ بما يتماشى مع ”معايير منع الانتشار القوية“، وفقًا للبيت الأبيض.
إذا كانت المفاعلات النووية المدنية السعودية تعمل بوقود مستورد، فلا داعي للقلق في إسرائيل. من ناحية أخرى، إذا فتحت الاتفاقيات مع الولايات المتحدة الباب أمام السعوديين لإتقان دورة الوقود النووي بأكملها، فستواجه إسرائيل مشهدا أمنيا متغيرا.
صفقة أصعب
بالنسبة لإسرائيل، فإن إمكانية التطبيع مع السعودية يمكن أن تخفف من أي مخاطر مستقبلية تشكلها هذه الدولة.
أكد بن سلمان في البيت الأبيض أنه يعتزم في نهاية المطاف تطبيع العلاقات مع إسرائيل: ”نريد أن نكون جزءا من اتفاقيات إبراهيم، ولكننا نريد أيضا أن نتأكد من أننا نضمن مسارا واضحا [نحو] حل الدولتين“.
ولكن بعد عامين من الحرب في غزة، يحتاج الزعيم السعودي إلى التزام أقوى بكثير من إسرائيل بشأن الدولة الفلسطينية مما كان مستعدا لقبوله قبل عام 2023 إذا أراد فرض التطبيع على الرأي العام السعودي المعادي.
قال دانيال بينايم من معهد الشرق الأوسط: ”حرائق غزة ما زالت حديثة العهد، والهدنة هشة للغاية، والقادة السعوديون قلقون للغاية بشأن موقف الرأي العام في بلادهم بحيث لا يمكنهم المضي قدما في غياب طريق مسار موثوق به للفلسطينيين، والقيادة الإسرائيلية غير راغبة في تقديم مثل هذا المسار“، وأضاف ”كما أن مزاج الكونغرس الأمريكي أصبح أقل أممية من ذي قبل. وسوف تحتاج العديد من هذه الظروف إلى التحول – وهو ما يبدو ممكنا تماما بمرور الوقت، ولكنه غير مرجح قريبا”.
تضيف المكاسب التي حققها بن سلمان في واشنطن إلى التحدي. فقد تكون التحسينات الدفاعية التي حصل عليها مشروطة بحزمة تطبيع. والآن، قد يكون إبرام معاهدة دفاع متبادل كاملة هو السبيل الوحيد لإتمام انضمام السعوديين إلى اتفاقيات إبراهيم.
علاوة على ذلك، لا يوجد الكثير مما يطلبه بن سلمان من إسرائيل في الوقت الحالي. فباب مكتب ترامب مفتوح على مصراعيه أمامه، دون حاجة إلى مساعدة إسرائيل لتسهيل الطريق.
وفي المجالات ذات الأولوية العالية التي يمكن أن تكون فيها إسرائيل رصيدا مهما للرياض – مثل الذكاء الاصطناعي – التزمت الولايات المتحدة بتزويد السعودية بأكثر بكثير مما يمكن لإسرائيل أن تقدمه.
بالنسبة لنتنياهو، قد يكون الجانب الأكثر إثارة للقلق في زيارة بن سلمان هو ما يشير إلى أن رؤية ترامب للشرق الأوسط لم تعد تتوافق مع موقفه العدواني.
وقال بينايم: ”لدى السعودية – ودول الخليج بشكل عام – رؤية متميزة لما تحتاجه المنطقة في الوقت الحالي، مع التركيز بشكل أكبر على تخفيف التوتر والدبلوماسية والتجارة والاستثمار“.
إن هذا النهج، وليس موقف إسرائيل العدواني بعد السابع من أكتوبر، يتوافق بشكل جيد مع ما يريد ترامب أن يفعله في المنطقة وخارجها. وأصبحت دول الخليج وتركيا في الأشهر الأخيرة المحاورين المفضلين لترامب بشأن الوساطة ومستقبل المنطقة.
على المدى الطويل، من المرجح أن تتمتع إسرائيل بمزايا بالنسبة للولايات المتحدة كشريك مقارنة بالسعودية، وقد يتأرجح الميزان مرة أخرى. ترامب نفسه معروف بتقلبه، وسوف يترك منصبه بعد ثلاث سنوات. ومن الممكن أن تنقلب إدارة ديمقراطية على مستبد أصبح أحد أقرب شركاء ترامب.
وقال هانا إنه بمرور الوقت، لا يمكن أن تحل الروابط الشخصية بين بن سلمان وترامب ولا تدفق الاستثمارات “محل موثوقية وأداء واحترافية الجيش والأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، والطابع العالمي لاقتصاد إسرائيل المبتكر في مجال التكنولوجيا المتقدمة”.
وأضاف ”هذه أصول ضخمة ودائمة للولايات المتحدة لا يمكن لأي دولة أخرى في المنطقة أن تضاهيها، وقد قلبت في العام الماضي ميزان القوى في الشرق الأوسط بطرق مواتية للغاية للولايات المتحدة“.