بحث
من وراء الكواليس"مثل هذه الأشياء تحدث في فرنسا أو دول أخرى وليس هنا"

”الإسرائيليون ليسوا موضع ترحيب“: مخاوف في صفوف يهود ميلانو جراء موجة حوادث معادية للسامية

منظمة تجد أن جرائم الكراهية المعادية لليهود في إيطاليا تضاعفت تقريبا في عام 2024 - لكن الجالية المحلية تقول إنه لا تزال تلقى دعما من المجتمع الإيطالي الأوسع

ملصقات كتب عليها ”الإسرائيليون غير مرحب بهم“  ظهرت في عدة أماكن في مدينة ميلانو الإيطالية، في 26 يونيو 2025. (Courtesy of Afshin Kaboli)
ملصقات كتب عليها ”الإسرائيليون غير مرحب بهم“ ظهرت في عدة أماكن في مدينة ميلانو الإيطالية، في 26 يونيو 2025. (Courtesy of Afshin Kaboli)

في 26 يونيو، استيقظ أفشين كابولي على سيل من الرسائل على تطبيق التواصل “واتساب” من جهات اتصال شخصية ومجموعات دردشة مع أعضاء من الجالية اليهودية في ميلانو.

خلال الليل، وضع مجهولون عشرات الملصقات في الأحياء اليهودية في المدينة كُتب عليها باللغة انجليزية ركيكة ”الإسرائيليون ليسوا موضع ترحيب“. وقد عُلقت بعضها على بعد بضع مئات من الأمتار من المدرسة اليهودية في الحي الذي يعيش فيه كابولي (54 عاما) ويدير فيه مخبزا يبيع منتجات كوشير.

وقال كابولي لـ”تايمز أوف إسرائيل“ عبر الهاتف: ”ذهبت للتحقق ووجدت الملصقات في مكانين في الحي، على الرغم من أن بعضها كان قد أُزيل بالفعل عند وصولي“.

وأضاف: ”شعرت بشعور فظيع. كانت الأجواء متوترة خلال الأشهر القليلة الماضية. لكن العثور على شيء كهذا على بعد 200 متر فقط من منزلي يجعلني أفكر حقا. لطالما اعتقدت أن مثل هذه الأشياء تحدث في فرنسا أو دول أخرى، وليس في ميلانو“.

تضم المدينة مجتمعا يبلغ تعداده حوالي 7 آلاف يهودي. على الرغم من صغر حجمها، تفتخر هذه الجالية بوجود ما لا يقل عن اثني عشر كنيسا نشطا وثلاث مدارس يهودية والعديد من المطاعم والمتاجر التي تبيع منتجات كوشير.

بالنسبة لكابولي، فإن حقيقة أن الملصقات كانت موجهة إلى ”الإسرائيليين“ وليس إلى اليهود لا تحدث أي فارق.

ملصقات كتب عليها ”الإسرائيليون غير مرحب بهم“ ظهرت في عدة أماكن في مدينة ميلانو الإيطالية، في 26 يونيو 2025. (Courtesy of Afshin Kaboli)

وقال: ”إنهم يقولون إسرائيليون، لكنهم يقصدون اليهود وكل من لا ينأى بنفسه عما يحدث في غزة. نحن جميعا مشمولون، وفي حالتي، أكثر من غيري لأن زوجتي إسرائيلية“.

هذه الملصقات هي الأحدث في سلسلة من الأحداث التي تزيد من قلق يهود ميلانو.

في الأسبوع السابق، تعرض فتيان يهوديان يبلغان من العمر 17 و15 عاما، أحدهما يرتدي كيباه والآخر قبعة بيسبول، للهجوم والضرب والسرقة على يد ثلاثة مهاجمين، جميعهم قاصرون، من أصول مصرية.

أفشين كابولي في مخبزه الكوشر “دنزل” في مدينة ميلانو الإيطاليةا، مع حلوى إيطالية تقليدية في ديسمبر 2024. (Courtesy)

قبل بضعة أسابيع، تعرض رجل يهودي لهجوم من قبل رجلين بعد أن شاهداه يرتدي قلادة عليها نجمة داوود. وفي مايو، وضع متجر للحرف اليدوية في شارع راق في وسط المدينة لافتة باللغة الإيطالية كُتب عليها: ”الصهاينة والإسرائيليون غير مرحب بهم“.

وفقا لرئيس الجالية، وولكر مغناجي (75 عاما)، يشعر اليهود المحليون بالقلق، لكنهم لا يعيشون في خوف.

وقال مغناجي لتايمز أوف إسرائيل: ”سأقول إن المشاعر السائدة بين أفراد الجالية هي الدهشة والقلق إزاء ما يحدث، لكنها ليست مشاعر خوف“.

ويرى مغناجي أن التمييز بين مهاجمة اليهود ومهاجمة الدولة اليهودية هو في النهاية غير ذي صلة.

وقال: ”يجب على يهود الشتات أن يقفوا إلى جانب إسرائيل. قد لا يحب البعض الحكومة، لكن إسرائيل ليست الحكومة – إسرائيل هي الأرض. يستخدم الناس هذا ضدنا، لكن في النهاية، هذا مجرد عذر“.

ووكر مغناجي، رئيس الجالية اليهودية في ميلانو. (Courtesy)

كشف تقرير صدر مؤخرا عن مركز التوثيق اليهودي المعاصر (CDEC)، وهو مركز أبحاث مقره ميلانو يرصد معاداة السامية في إيطاليا، أن وحدة مراقبة معاداة السامية التابعة له تلقت 877 شكوى عن حوادث معادية للسامية في البلاد في عام 2024، مقارنة بـ 454 شكوى في عام 2023 و241 شكوى في عام 2022.

وشملت الحوادث المسجلة اعتداءات جسدية على أشخاص، وكتابات معادية للسامية، وتهديدات أو إهانات على وسائل التواصل الاجتماعي.

بالإضافة إلى ما تم إبلاغه إلى مركز التوثيق اليهودي المعاصر من قبل الجمهور، قام موظفو المركز أيضا بتوثيق حوالي 4 آلاف حالة من الخطاب المعادي للسامية على الإنترنت بشكل مستقل.

حكومة داعمة

وفقا لمغناجي، فإن الشرطة الإيطالية تقوم بعمل ممتاز في حماية المواقع اليهودية.

وقال: ”لدينا أفضل شرطة في أوروبا، فهم موجودون في كل مكان ويتصرفون بسرعة كبيرة. جميع الكنس والمواقع اليهودية والمدارس تخضع لحماية مستمرة“.

وأبلغ الشرطيون مغناجي أن الملصقات قد تم وضعها من قبل مجموعة صغيرة من الشباب الإيطاليين.

وقال: ”ومع ذلك، وبالنظر إلى تعقيد العملية، لا بد أنهم حصلوا على تمويل ودعم خارجيين“.

كما أشاد مغناجي بالحكومة الإيطالية الحالية.

وقال: ”الحكومة مؤيدة لإسرائيل ونشطة جدا في الدفاع عن الجالية اليهودية“.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (إلى اليمين) يلتقي رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في تل أبيب في 21 أكتوبر 2023. (Avi Ohayon/GPO)

عندما أصبحت جيورجيا ميلوني أول رئيسة وزراء لإيطاليا في عام 2022، قوبلت حكومتها بالريبة في الداخل والخارج على حد سواء بسبب الجذور الفاشية لحزبها، “فراتيلي دي إيطاليا” (إخوة إيطاليا).

“فراتيلي دي إيطاليا” هو الوريث للحزب الفاشي الذي تأسس في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية. أدلت ميلوني – إلى جانب العديد من المقربين منها – بتصريحات في الماضي اعتُبرت متعاطفة مع الأيديولوجية الفاشية. لكن بعد ثلاث سنوات، يُنظر إلى ميلوني بشكل أساسي على أنها زعيمة محافظة متشددة ضمن التيار السائد، تعمل عن كثب مع الحلفاء الأوروبيين وكذلك مع إدارة ترامب.

من ناحية أخرى، انتقد مغناجي القوى السياسية اليسارية في إيطاليا، التي يحمّلها مسؤولية الوضع السياسي الحالي بسبب أفعالها أو صمتها.

في الأشهر الستة الماضية، رفض عمدة ميلانو بيبي سالا طلبا بإضاءة مبنى البلدية تكريما لذكرى كفير وأريئيل بيباس، الطفلين الصغيرين اللذين اختُطفا وقُتلا على يد حماس، لكنه وافق على القيام بذلك تضامنا مع غزة.

اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينينيين ومناهضة لإسرائيل في ميلانو في 27 يناير 2024. (Piero Cruciatti / AFP)

في الشهر الماضي، أعلنت ثلاث مناطق إيطالية – بوليا وإميليا-رومانيا وتوسكانا – قطع علاقاتها مع السلطات الإسرائيلية. وفي حادثة منفصلة، قررت مدينة سيستو فيورنتينو، التي يبلغ عدد سكانها 50 ألف نسمة، أن الصيدليات البلدية التابعة لها لن تبيع بعد الآن الأدوية ومستحضرات التجميل المصنوعة في إسرائيل.

جميع ممثلي الحكومات المحلية في هذه المناطق ينتمون إلى أحزاب يسارية أو يسارية وسطية.

وقال مغناجي: ”هؤلاء السياسيون لهم تأثير على جزء على الأقل من الرأي العام، خاصة أولئك الذين هم أقل اطلاعا على الوضع. وهذا أمر ضار وسخيف“.

”بين المطرقة والسندان“

جعل إيمانويل فيانو من مهمة حياته توطيد العلاقات مع اليساريين في إيطاليا وتثقيفهم حول معاداة السامية وإسرائيل.

إيمانويل فيانو، رئيس سابق للجالية اليهودية في ميلانو وعضو سابق في البرلمان. يشغل منصب أمين سر حزب ”سينيسترا بير إسرائيل“. (Courtesy)

فيانو، البالغ من العمر 62 عاما، هو نجل أحد الناجين من معسكر أوشفيتز، ورئيس سابق للجالية اليهودية في ميلانو، وعضو سابق في البرلمان عن الحزب الديمقراطي، أكبر حزب يسار وسط في إيطاليا. يعيش تحت حماية الشرطة منذ 15 عاما، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى التهديدات المعادية للسامية التي يتلقاها.

ويشغل اليوم منصب أمين سر ”سينيسترا بير إسرائيل“ (اليسار من أجل إسرائيل)، وهي جماعة تأسست في أعقاب حرب “الأيام الستة” بعد تحول سياسي ضد إسرائيل بين الأحزاب اليسارية.

ويعتقد فيانو أنه من الضروري التمييز بين معاداة السامية وأشكال أخرى من المشاعر المعادية لإسرائيل.

وقال لتايمز أوف إسرائيل: ”أنا قلق للغاية بشأن ثلاثة أمور: تصاعد معاداة السامية، وإساءة استخدام التهمة نفسها، والتداخل المتزايد التعقيد – حتى بالنسبة للخبراء – بين معاداة السامية والمشاعر المعادية لإسرائيل ومعاداة الصهيونية“.

ويرى فيانو أنه في حين أن حوادث التمييز والكراهية ضد الإسرائيليين مروعة وخاطئة، لكن لا ينبغي الخلط بينها وبين معاداة السامية.

وأضاف: ”أعتقد أن التمييز ضد الإسرائيليين – وهو أمر لا يحدث للروس أو الإيرانيين أو غيرهم – هو شكل فظيع من أشكال العنصرية والكراهية. لكنني أحذر من القول إن هذا يعني أن هؤلاء الناس يكرهون جميع اليهود“.

أعضاء الجالية اليهودية في ميلانو يحضرون فعالية تضامنية مع أقارب الرهائن الإسرائيليين الذين اختطفتهم حركة حماس في هجومها الذي وقع في 7 أكتوبر، في الكنيس المركزي في مدينة ميلانو الإيطالية، 7 أبريل 2024. (Gabriel Bouys / AFP)

وأشار فيانو إلى أن ممثلي مجموعة “كيشت أوروبا” اليهودية لمجتمع الميم تعرضوا للإهانة والتهديد أثناء مشاركتهم في مسيرة فخر المثليين في روما مع أعلامهم الملونة بألوان قوس قزح والتي تحمل نجمة داوود.

وقال: ”نجمة داوود هي رمز يهودي منذ قرون. إذا كانت نجمة داوود تثير الإهانة والكراهية، فهذا يُعتبر معاد السامية“.

وأوضح فيانو أنه يواجه انتقادات من اليسار ومن أولئك الذين يريدون إدانة إسرائيل ”دون أي شروط أو استثناءات“، وكذلك من بعض أفراد الجالية اليهودية لأنه ينتقد حكومة نتنياهو.

وأضاف: “أشعر أنني عالق بين المطرقة والسندان، وأنا مرهق للغاية. ومع ذلك، أعتقد أن العمل الذي نقوم به مهم ويحقق بعض النتائج“.

وأشار فيانو، على سبيل المثال، إلى كيف أن سلسلة متاجر ”كووب إيطاليا“ – التي أعلنت الشهر الماضي عن نيتها وقف بيع المنتجات الإسرائيلية – تراجعت عن قرارها بعد تدخل ”سينيسترا بير إسرائيل“، التي جادلت أن مقاطعة بلد بأكمله أمر خاطئ.

تعبير عن التضامن

على الرغم من التحديات، أكد مغناجي وكابولي أن حادثة الملصقات في 26 يونيو أعقبتها تعبيرات عن التضامن.

وقال مغناجي: ”ردت المدينة بطريقة مثالية. عمل الكثيرون، بمن فيهم أشخاص ليسوا أعضاء في مجتمعنا، على إزالة الملصقات“.

وقال كابولي، الذي يمتلك بالإضافة إلى المخبز مطعم “دنزل برغر هاوس”، أحد أشهر المطاعم الكوشر في المدينة، والذي يجذب عددا كبيرا من الزبائن اليهود وغير اليهود، إن الكثير من الأشخاص تواصلوا معه.

مخبز كوشير في الحي اليهودي في مدينة ميلانو الإيطالية. (Michele Tercatin)

وقال كابولي: ”أحد الأشياء التي أسعدتني هو أنني عندما نشرت صور الملصقات على فيسبوك، تفاعل معها الكثير من الأشخاص من خارج المجتمع اليهودي، ولم يقتصر تفاعلهم على التعليقات فحسب، بل أيضا من خلال رسائل ومكالمات أعربوا فيها عن صدمتهم واستيائهم من رؤية مثل هذا السلوك في ميلانو“.

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض المخاوف.

وأضاف كابولي: ”حتى وقت قريب، كان الناس في الجالية يشعرون أن ميلانو مدينة آمنة. أنا أرسل ابني البالغ من العمر 5 سنوات إلى مدرسة يهودية. لن أفكر أبدا في فعل شيء آخر، لكننا بحاجة إلى توخي الحذر أكثر من أي وقت مضى“.

اقرأ المزيد عن