إسرائيل تقصف حقل غاز إيراني رئيسي؛ وطهران تتعهد بضرب مواقع الطاقة في الخليج بالمثل
من المتوقع أن يكون الأثر واسع النطاق، مع ارتفاع سعر خام برنت إلى ما يزيد عن 108 دولارات للبرميل؛ قطر والإمارات تدينان التصعيد "غير المسؤول"، في حين تحذر إيران من أنها ستعتمد مبدأ "العين بالعين"

شن سلاح الجو الإسرائيلي غارات على البنية التحتية للغاز الإيراني في جنوب البلاد يوم الأربعاء، في جهد منسق مع الولايات المتحدة، حذر خبراء من أنه سيرسل موجات ارتدادية عبر الاقتصاد العالمي ويزيد من اتساع رقعة الصراع الإقليمي.
واستهدفت الغارات، التي شُنت في اليوم الثامن عشر للهجوم الأمريكي الإسرائيلي ضد النظام الإيراني، حقل غاز بارس الجنوبي البحري الضخم الواقع في محافظة بوشهر. وأفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بوقوع ضربات إضافية استهدفت منشآت نفطية في عسلوية.
ولم يعلق الجيش الإسرائيلي على الفور على الغارات التي استهدفت منشأة الغاز، لكن مسؤولا إسرائيليا أكد أن الضربة نفذها سلاح الجو الإسرائيلي.
تُمثل هذه الهجمات المرة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل منشآت الغاز الطبيعي في إيران خلال الحملة الحالية، وذلك بعد قيام الولايات المتحدة بضرب مركز تصدير النفط الإيراني في جزيرة خارك مطلع الأسبوع، رغم تأكيد واشنطن حينها أنها استهدفت مواقع عسكرية فقط في الجزيرة.
وأكد مسؤول دفاعي أمريكي لموقع “أكسيوس” الإخباري أن الضربة التي استهدفت حقل بارس الجنوبي تمت بالتنسيق مع واشنطن وبموافقتها. ومع ذلك، انتقدت دول الخليج – التي من المرجح أن تتحمل العبء الأكبر من أي رد انتقامي إيراني – هذه الخطوة، ووصفتها بأنها خطوة “خطرة وغير مسؤولة”.
وأفادت وكالة أنباء “فارس” الإيرانية بإصابة صهاريج غاز وأجزاء من مصفاة، وأنه تم إجلاء العمال إلى مكان آمن، بينما تحاول طواقم الطوارئ إخماد حريق. وذكرت وسائل الإعلام الرسمية لاحقاً أن الحريق بات تحت السيطرة.
Israel is now reportedly attacking Iranian oil facilities in southern Iran. pic.twitter.com/BOH088y68n
— Clash Report (@clashreport) March 18, 2026
وحذرت إيران من أنها سترد باستهداف منشآت الطاقة في جميع أنحاء المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، التي يتصل حقل غاز الشمال الخاص بها بحقل بارس الجنوبي.
وهددت طهران على وجه التحديد مصفاة “سامرف” السعودية ومجمع الجبيل للبتروكيماويات. كما هددت حقل غاز “الحصن” في الإمارات ومصانع البتروكيماويات ومصفاة تكرير في قطر.
وصرح مصدر مطلع لاحقاً لوكالة “رويترز” بأنه يجري إخلاء منشآت رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر كإجراء احترازي.
شعور بآثار ارتدادية في الخارج
شُعر بأثر الضربات على الفور، سواء في المنطقة أو خارجها، حيث توقفت واردات الغاز إلى العراق المجاور، وقفز سعر خام برنت ليصل إلى ما يقارب 110 دولارات للبرميل، أي بزيادة في السعر بلغت نحو ستة بالمئة.
وكان سعر الخام قد ارتفع بشكل صاروخي بالفعل منذ 28 فبراير، بعدما أغلقت طهران مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال المشحون قبالة سواحلها، لكن الدول المستهلكة كانت تأمل أن يكون هذا الاضطراب قصير الأمد طالما تم تجنيب البنية التحتية للإنتاج.
ويشكل حقل بارس الجنوبي البحري في إيران حوالي ثلث أكبر خزان للغاز الطبيعي في العالم، وقد بلغ إجمالي إنتاج الغاز في البلاد 276 مليار متر مكعب في عام 2024، استُهلك منها 94% داخل إيران، وفقاً لبيانات منتدى الدول المصدرة للغاز.
أدت العقوبات والقيود الفنية إلى جعل معظم الغاز الذي تنتجه طهران من حقل بارس الجنوبي مخصصاً للاستهلاك المحلي، على الرغم من تصدير جزء منه عبر الحدود إلى العراق الذي يعتمد عليه بشكل كبير؛ حيث تؤمن طهران ما يتراوح بين 30% إلى 40% من احتياجات العراق من الغاز والطاقة.
ومع ذلك، وفي أعقاب الهجوم، وجهت إيران غازها للاستهلاك الداخلي، مما أدى إلى وقف التدفق إلى العراق. وقالت السلطات العراقية إنها تتوقع آثاراً ارتدادية على إمدادات الطاقة هناك.
وأوضحت كارين يونغ، الباحثة البارزة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، لـ”تايمز أوف إسرائيل”: “اعتماداً على حجم الضرر في بارس الجنوبي، فمن المرجح أن يؤثر ذلك على قدرة إيران على إرسال الغاز إلى محطات توليد الكهرباء محلياً وعلى إمدادات الطاقة المحلية المخصصة لمعالجة الغاز”.
وقالت: “لقد توعدت إيران بالانتقام عبر استهداف منشآت البتروكيماويات والمصافي في الإمارات وقطر والسعودية بشكل أساسي”، وهو ما سيمثل “خطوة إضافية نحو تعطيل أسواق الطاقة العالمية”، ولكن هذه المرة بالتركيز “بشكل أقل على عبور الخام، وبشكل أكبر على المنتجات المكررة”.
وأوضحت أن “إيران لا تصدر الغاز الطبيعي المسال، بل تصدر الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى الدول المجاورة. لذا، إذا حدث اضطراب في الإمدادات المحلية، فقد تتحول لوقف الصادرات إلى تركيا والعراق”.
وعلى عكس العراق، لم تعترف تركيا على الفور بوقوع أي تغييرات في وارداتها من الغاز من إيران.
وذكرت وكالة الأنباء العراقية الرسمية في وقت لاحق من يوم الأربعاء أن شركة تسويق النفط الوطنية “سومو” قد وقعت عقوداً مع ناقلات ومشتريين دوليين لتصدير النفط الخام عبر تركيا والأردن وسوريا.
ولم يكن الرد الإقليمي على الضربات الإسرائيلية مرحباً، حيث وجدت دول الخليج نفسها مرة أخرى في خط النار، بعدما حذرت إيران من أنها سترد بضرب منشآت الغاز الخاصة بها.
خطرة وغير مسؤولة
وانتقدت قطر، في بيان نشره المتحدث باسم وزارة الخارجية ماجد الأنصاري على منصة “إكس” إسرائيل بسبب ما وصفه بأنه خطوة “خطرة وغير مسؤولة”.
وبصفتها حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة ومضيفة لأكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة، ألقت قطر باللوم في الهجوم على إسرائيل دون الإشارة إلى أي دور للولايات المتحدة.
وكتب الأنصاري “الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران والذي يمثل امتداد لحقل غاز الشمال في قطر، هو خطوة خطرة وغير مسؤولة، في ظل التصعيد العسكري الراهن في المنطقة”.
وأضاف “إن استهداف البنية التحتية للطاقة يُعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها”.
وأشارت الإمارات، على غرار الدوحة، إلى أن حقل بارس الجنوبي الإيراني مرتبط بحقل الشمال القطري، وحذرت من أن الضربات “تمثل تصعيداً خطيراً”.
وقالت إن استهداف منشآت الطاقة “يترتب عليه تداعيات بيئية خطيرة ويعرض المدنيين لخطر مباشر”.
وبينما لم تعلق إسرائيل ولا الولايات المتحدة بشكل مباشر على الضربة أو تتحملا المسؤولية عنها، صرح مسؤول أمريكي ومصدر آخر مطلع على الأمر لـ”تايمز أوف إسرائيل” بأن القدس نسقت ضرباتها على حقل بارس الجنوبي للغاز الطبيعي مع الولايات المتحدة.
وذكر المصدر المطلع على الأمر أن الولايات المتحدة كانت على علم بالهجوم مسبقاً، لكنها لم تشارك فيه.
ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول لم تسمّه قوله إن الهدف من الهجوم هو إيصال رسالة إلى طهران مفادها أنه كلما طال أمد إغلاقها لمضيق هرمز، زاد الوضع سوءاً بالنسبة لبنية إيران التحتية للطاقة.
وقال المسؤول: “لقد كانت إشارة للإيرانيين عما قد يأتي لاحقاً”.
وصرح مسؤول آخر لموقع “واينت” أن الضربة كانت تهدف إلى زيادة الضغط الداخلي على النظام من خلال تصعيد الغضب ضده.
وتوقع المسؤول الذي لم يُكشف عن اسمه قائلاً: “ستكون هناك انقطاعات في التيار الكهربائي والغاز. من المرجح أن يقصص النظام إمدادات الغاز عن المستهلكين، ومن هنا سيزداد الضغط”.
كما توقع المسؤول أن إيران ستحاول على الأرجح استهداف البنية التحتية الوطنية الإسرائيلية رداً على ذلك، بالإضافة إلى المنشآت الخليجية التي هددت باستهدافها بالفعل.
أهمية استراتيجية
بعيدا عن الأضرار المادية التي تخشاها دول الخليج، حذر خبراء من أن عواقب الضربة الإسرائيلية قد تكون بعيدة المدى وتؤثر على الأسواق العالمية.
وأوضح يوئيل غوزانسكي، الخبير في شؤون الخليج بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: “قد يكون لهذا أهمية استراتيجية – بل قد يمثل نقطة تحول في الحرب – ليس بسبب أهمية هذه المنشأة المحددة لإيران، رغم قيمتها الكبيرة، ولكن لأن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها ضرب منشآت الغاز في إيران بشكل مؤثر”.
وقال: “إيران قادرة، وقد تختار الآن، استهداف منشآت الغاز والنفط في دول الخليج. وهذا قد يصعد الحرب إلى مستوى جديد، مما يؤثر بشدة على الأسواق الدولية وقدرة دول الخليج على تصدير النفط والغاز”.
وتوقع أن هذا بدوره قد “يؤدي إلى رد فعل إضافي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يشمل ضربات على بنية تحتية نفطية إيرانية أكثر أهمية، وعلى رأسها جزيرة خارك”.
وكان ترامب قد هدد بالفعل بشن ضربات إضافية على جزيرة خارك “لمجرد التسلية”، وذلك بعد أن ضربت الولايات المتحدة أهدافاً عسكرية في مركز تصدير النفط يوم السبت.
“قد يمثل هذا تصعيداً خطيراً للغاية في الحرب”، كما قال غوزانسكي.
وفي تلميح إلى إمكانية حدوث هذا السيناريو، حذر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، عبر منصة “إكس” مساء الأربعاء، من أن طهران ستسعى لتطبيق مبدأ “العين بالعين”.
وأضاف: “لقد بدأت مرحلة جديدة من المواجهة”.