بحث
تحليلأنباء عن مخاوف إيرانية من "التعرض للخداع مجدداً"

وجه ترامب نحو التفاوض مع إيران قد يعكس رغبة في إنهاء الحرب – أو ربما ينطوي الأمر على مفاجأة في جعبته

في ظل التقارير التي تفيد بأن الولايات المتحدة تدرس خيارات عسكرية لتوجيه "ضربة نهائية"، ومع تحرك القوات بالفعل، قد يكون اندفاع واشنطن نحو الدبلوماسية مجرد ستار آخر لتصعيد مُخطط له

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، الأربعاء، واشنطن، 14 يناير 2026. (Alex Brandon/AP)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، الأربعاء، واشنطن، 14 يناير 2026. (Alex Brandon/AP)

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دهشة العالم – بما في ذلك إسرائيل على ما يبدو – عندما أعلن يوم الإثنين أن إدارته بدأت محادثات “جيدة للغاية” مع إيران لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية.

فبعد ثلاثة أسابيع من الغارات الجوية المتواصلة التي استهدفت كبار شخصيات النظام والبنية التحتية العسكرية الحيوية – وبعد يوم واحد فقط من وضعه مهلة نهائية لإيران لفتح مضيق هرمز – غيّر الرئيس مساره، معلناً تعليق الضربات على منشآت الطاقة الرئيسية في إيران بانتظار ما ستسفر عنه المحادثات.

وقد أثارت هذه الخطوة مخاوف في القدس من أن يفرض الرئيس وقفاً مبكراً للقتال، وهو تخوف له شواهد سابقة.

لكن محادثات هذا الأسبوع قد لا تتعلق بالتوصل إلى اتفاق على الإطلاق.

فبينما يرجح أن واشنطن منفتحة على قبول اتفاق ينتزع من إيران التنازلات الجوهرية التي تطالب بها، إلا أن المفاوضات قد تخدم غرضاً استراتيجياً أوسع: تخفيف الضغوط الاقتصادية وزعزعة استقرار النظام، كل ذلك مع كسب الوقت للتحضير لتصعيد أكثر حسماً.

مخاوف مبررة

خلال العام الماضي، أبرم ترامب مرتين صفقات سريعة لوقف حملات عسكرية، مما باغت إسرائيل وأربك حساباتها.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحفيين قبل صعوده على متن المروحية الرئاسية “مارين وان” في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، 24 يونيو 2025، في واشنطن.(AP Photo/Evan Vucci)

في مايو الماضي، توصل ترامب إلى اتفاق مفاجئ مع الحوثيين في اليمن، أعاد فعلياً الوضع القائم في البحر الأحمر إلى ما كان عليه قبل حملة القصف الأمريكية التي استمرت سبعة أسابيع. هذا الاتفاق – الذي أفادت التقارير بأنه تم دون سابق إنذار للقدس – أنهى الهجمات على السفن الأمريكية (والتي كانت قد توقفت بالفعل)، لكنه سمح للحوثيين بمواصلة استهداف إسرائيل وغيرها من مستخدمي الممر المائي.

وفي نهاية حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو الماضي، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة في نهاية المطاف، توعدت القدس لفترة وجيزة بـ “ضرب قلب طهران بقوة” رداً على هجوم صاروخي إيراني تحدى وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب. وكان رد فعل الرئيس حينها هو توبيخ إسرائيل علانية وإجبارها على إعادة طائراتها.

ومع عودة الحرب الحالية مع إيران لإلقاء ظلالها على آفاق ترامب السياسية وأجندته الاقتصادية، يضغط حلفاؤه المحليون من أجل إيجاد استراتيجية خروج.

فقد انخفضت نسبة تأييد ترامب في الأيام الأخيرة إلى أدنى مستوياتها منذ عودته إلى البيت الأبيض، متأثرة بارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الجهود الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر رئيسي للنفط، فضلاً عن الرفض الشعبي العام للحرب. وقد تدهورت نظرة الأمريكيين لترامب بشكل كبير فيما يتعلق بإدارته للاقتصاد وتكلفة المعيشة.

وفي الوقت نفسه، كثف شركاء الولايات المتحدة الرئيسيون في الشرق الأوسط، مثل تركيا، جهودهم لإيجاد مخرج دبلوماسي للقتال، مما خلق سبيلاً لخفض التصعيد قد يناسب ترامب، حتى وإن لم يناسب إسرائيل.

يوم الأربعاء، أصر ترامب على أن إيران تتفاوض مع إدارته وأنها ترغب “بشدة” في التوصل إلى اتفاق، وذلك بعد ساعات فقط من تصريح سكرتيرته الصحفية بأن الولايات المتحدة “قريبة جداً” من تحقيق أهدافها الجوهرية في حملة القصف.

وأفادت تقارير أن القدس تخشى أن يعلن ترامب وقفاً لإطلاق النار مع إيران يوم السبت، والذي سيمثل الأسبوع الرابع من الحملة التي حددت لها الولايات المتحدة في البداية جدولاً زمنياً يتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع.

في هذه الصورة الرسمية التي أصدرتها وزارة الخارجية العمانية في 6 فبراير 2026، يظهر المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف (في الوسط)، وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، وهم يقفون لالتقاط صورة خلال اجتماع في مسقط. (Handout/ Omani Foreign Ministry/ AFP)

لكن يوم الخميس، بدا ترامب أكثر تشككاً، حيث قال: “لا أعرف ما إذا كنا سنتمكن” من التوصل إلى اتفاق. وفي وقت لاحق من يوم الخميس، مدّد إنذاره النهائي حتى 4 أبريل – مما منح وقتاً إضافياً للتوصل إلى صفقة، وأدى لتأجيل الضربات الأمريكية المهدد بها ضد مواقع الطاقة الإيرانية، لكنه سمح أيضاً باستمرار الحملة العسكرية.

على الرغم من التفاؤل الذي تبديه الولايات المتحدة بشأن جهودها الدبلوماسية، فإن اقتراح واشنطن المكون من 15 نقطة لإنهاء الحرب قد قوبل برد فعل بارد من جانب طهران. وقال مسؤول إيراني رفيع المستوى لوكالة “رويترز” يوم الخميس إن الاقتراح “أحادي الجانب وغير عادل”.

كما أعرب مسؤول إسرائيلي لـ “تايمز أوف إسرائيل” عن شكوكه في موافقة إيران على هذا الإطار.

من جانبها، تصر إيران، بحسب تقارير، على السيطرة الرسمية على مضيق هرمز، وإغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة، ورفع كافة العقوبات، وإنهاء القتال ضد حزب الله، والحصول على تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب، مع رفضها وضع قيود على برنامجها الصاروخي.

إن هذا التعنت الإيراني لا يؤدي إلا إلى طرح السؤال التالي: إذا كان التوصل إلى اتفاق مستبعداً إلى هذا الحد، فلماذا تم تعليق الضربات المهدد بها ضد أصول الطاقة الإيرانية الحيوية؟ قد تكمن الإجابة في الغرض الذي تهدف المحادثات نفسها إلى تحقيقه.

دوافع خفية

مهما كان تحرك ترامب يوم الاثنين مفاجئاً أو مثيراً للقلق، فليس بالضرورة أن تصاب إسرائيل بالذعر بعد. فلدى الرئيس الأمريكي عدة أسباب متصورة للسعي وراء مخرج دبلوماسي في هذه اللحظة – أو على الأقل جعل إيران تعتقد أنه يفعل ذلك.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتحدث خلال الجولة الثانية من المحادثات الأمريكية-الإيرانية، حيث تضغط واشنطن على طهران لإبرام اتفاق يهدف إلى الحد من برنامجها النووي، في جنيف، 17 فبراير 2026. (CYRIL ZINGARO / POOL / AFP)

إذا نجح مبعوثا البيت الأبيض، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في انتزاع التنازلات المطلوبة من طهران ضمن اتفاق ما، فإن ذلك سيمثل انتصاراً في الحرب لكل من واشنطن وإسرائيل على حد سواء. بيد أن التوصل إلى اتفاق كهذا يبدو احتمالاً مستبعداً للغاية.

لذلك، قد يكون اهتمام ترامب بالمحادثات أقل ارتباطاً بالنتائج منه بمدى نفعها؛ فمجرد وجود مفاوضات يخدم بالفعل عدة مصالح أمريكية.

أولاً، ساعد افتتاح المفاوضات وتأجيل التصعيد في خفض أسعار النفط.

ثانياً، ربما توقعت الإدارة أن ترفض طهران تقديم التنازلات اللازمة، مما يتيح لواشنطن إثبات عدم رغبة إيران في تقديم أي تنازلات، وبالتالي تبرير المزيد من التصعيد.

ثالثاً، إن الطبيعة الغامضة للمحادثات – بما في ذلك من هم الأشخاص الذين تتحدث معهم واشنطن تحديداً – قد تخلق حالة من الريبة والانقسام داخل القيادة المؤقتة المنهكة في طهران.

خدعة أخرى من خدع ترامب

وأخيراً، قد تكون هذه المحادثات مجرد خدعة أخرى من خدع ترامب، لكنها أكبر وأجرأ من سابقاتها.

فبرغم أن ترامب توصل إلى اتفاقات سريعة وغير مكتملة مع الحوثيين وإيران العام الماضي، إلا أنه وافق أيضاً على الضربات التي أشعلت حرب يونيو 2025 وحرب 2026 بينما كان في خضم محادثات مع إيران.

صورة لناقلة نفط في الخليج بعد تعرضها لإصابة في 12 مارس 2026. (Screenshot from Reuters)

بينما يستمر الاستعراض الدبلوماسي بشأن المحادثات هذا الأسبوع، فإن آلاف الجنود الأمريكيين في طريقهم إلى الخليج. وربما يكون ترامب، وبشكل يفوق رغبته الصادقة في التوصل إلى اتفاق، يسعى لكسب الوقت لوصول قوات المارينز والمظليين إلى المنطقة، آملاً في فرض إعادة فتح مضيق هرمز أو السيطرة على جزر إيرانية استراتيجية.

هذا السيناريو يبدو منطقياً لدرجة أن طهران نفسها تشكك، حسبما أفادت تقارير، في جدية المحادثات؛ إذ صرح مسؤولون إيرانيون للدول الوسيطة – باكستان ومصر وتركيا – بأنهم، بعدما باغتهم ترامب مرتين، “لا يريدون أن يُخدعوا مرة أخرى”، وفقاً لما صرح به مصدر مطلع لـ “أكسيوس” يوم الثلاثاء.

وبما أن ترامب هو ترامب، فمن الصعب التنبؤ بدوافعه؛ فهل فقد الاهتمام بهذا الصراع ويسعى للخروج منه، أم أنه يهيئ نفسه لخطوة أكثر قوة لهزيمة من يتحدونه؟

أياً كان ما يخطط له، يبدو أن الولايات المتحدة تقترب مع كل يوم يمر من تصعيد محتمل آخر.

فقد ذكر موقع “أكسيوس” يوم الخميس أن واشنطن تدرس عدة خيارات لتوجيه “ضربة نهائية” لإيران، قد تشهد نشر قوات برية أمريكية على الأراضي الإيرانية، بالإضافة إلى حملة قصف مكثفة.

وقالت مصادر لـ”أكسيوس” أن ترامب لم يتخذ قراراً بعد بشأن أي من مسارات العمل هذه.

جاء هذا التقرير في وقت صرحت فيه مصادر مطلعة على الاستخبارات الأمريكية لشبكة CNN بأن إيران تعمل على تعزيز دفاعاتها العسكرية في جزيرة خرج تحسباً لعملية أمريكية محتملة للاستيلاء على تلك المنطقة.

قامت الولايات المتحدة مؤخراً بنشر 1000 مظلي من الفرقة 82 المحمولة جوأً و5 آلاف جندي من مشاة البحرية (مارينز) باتجاه الخليج، حيث يتنقل جنود المارينز على متن السفينة الهجومية “يو إس إس تريبولي”، وهي سفينة قد تلعب دوراً محورياً في هجوم محتمل على جزيرة خرج، وفقاً لتقرير لشبكة NBC.

وقد حذر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، صراحة هذا الأسبوع من أن طهران تستعد لمثل هذا الهجوم، حيث كتب على منصة “إكس”: “بناء على بعض التقارير الاستخباراتية، يستعد أعداء إيران لاحتلال إحدى الجزر الإيرانية بدعم من إحدى دول المنطقة”.

وقال: “إن قواتنا تراقب كافة تحركات العدو، وإذا أقدموا على أي خطوة، فسيتم استهداف جميع البنى التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية بهجمات ضارية لا تتوقف”.

ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت مخاوف إسرائيل من وقف سابق لأوانه للقتال ستتحقق، أم أن شكوك إيران في وجود خدعة ستتأكد؛ ولكن مع استمرار المحادثات وتسارع الاستعدادات العسكرية، فإن المسار لا يشير إلى حل بقدر ما يشير نحو مرحلة قادمة حاسمة.

ساهم في هذا التقرير لازار بيرمان وطاقم تايمز أوف إسرائيل.

اقرأ المزيد عن