هل سيتراجع ترامب أم لا؟ إسرائيل تتأهب لمواجهة إيران مجددا، لكن القرار بيد ترامب
يُعرف عن الرئيس الأمريكي تقلباته وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، لكن إسرائيل حسمت أمرها وراهنت عليه. والآن، ومع زيارة رئيس الوزراء لواشنطن، تنشغل إسرائيل بسؤال واحد: هل سيهاجم ترامب إيران أم لا؟

في ظهور له عبر بودكاست الأسبوع الماضي، وصف المؤرخ آدم توز كيف كلفت الحكومة الصينية مركز أبحاث حكومي بمهمة تتبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوميا لفهمه، ثم تخلت عن الفكرة في وقت مبكر من ولايته الحالية.
وبدلا من ذلك، أخبر توز بودكاست صحيفة “نيويورك تايمز” أن الصينيين لجأوا إلى “قواعد استرشادية نفسية بدائية للغاية حول ما يحفزه ويوجهه. وحتى الآن، يبدو أن هذا الأسلوب قد حقق لهم نتائج جيدة”.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تحولت إسرائيل إلى نسخة ضخمة من مركز الأبحاث الصيني ذاك؛ إذ باتت الدولة بأكملها منشغلة بسؤال واحد: هل سيهاجم ترامب إيران أم لا؟
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
لقد أصبح الأمر مادة ثابتة في نشرات الأخبار المسائية، والاعتبار الأساسي عند التخطيط للعطلات العائلية أو اتخاذ قرار بإلغائها. وفي تل أبيب، حيث يعد الحديث عن العقارات أمرا مستمرا، يمزح الأصدقاء حول ما إذا كان لديهم ملجأ في القبو، أو غرفة محصنة في شققهم، أو خطط بديلة للهروب إلى أقاربهم في الضواحي، حيث المنازل أكثر مواءمة للاحتماء خلال حرب إقليمية محتملة.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تجتاح فيها مثل هذه الأحاديث إسرائيل، فالتنبؤ بوقوع حرب من عدمه يعد نوعا من الهواية المحلية. لكن الاختلاف هنا هو أن السؤال لا يتوقف على حكومتنا، ولا حتى على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ بل تعتمد الإجابة على الرجل الأقوى والأكثر تقلبا في العالم.
لذا، وبينما تزدحم نشرات الأخبار هنا بأحداث أخرى – فنحن، في نهاية المطاف، في عام انتخابات يأتي في أعقاب حرب، مع رئيس وزراء يمثل أمام المحكمة – إلا أن القصة الرئيسية في إسرائيل تتوقف الآن على قراءة شخصية دونالد ترامب
يزداد هذا الأمر وضوحا مع توجه نتنياهو إلى واشنطن العاصمة لعقد اجتماع خاطف مع الرئيس الأمريكي، وفي وقت يعزز فيه الجيش الأمريكي قواته في الشرق الأوسط ويرسل مبعوثيه للتفاوض مع الإيرانيين في عُمان.
يعرف الإسرائيليون بالفعل ما سيقوله نتنياهو؛فقد أوضح أنه سيطالب بوضع قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعمها للجماعات بالوكالة في المنطقة. السؤال هو كيف سيكون رد فعل ترامب.
هل سيكون هذا اللقاء شبيها باجتماعهما في فبراير 2025، الذي دعا فيه ترامب إلى التهجير الدائم لسكان غزة بالتزامن مع سيطرة الولايات المتحدة على القطاع؟ تلك الأمور لم تحدث، لكنها أعطت إشارة بأن ترامب يتبنى موقفا مؤيدا لإسرائيل بحزم في هذا الشأن. وبعد ثمانية أشهر، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وهو ما أدى إلى إطلاق سراح جميع الرهائن المحتجزين في غزة، ونَصَّب ترامب رسميا على رأس هيئة تشرف على القطاع.
أم سيكون مثل اجتماع أبريل 2025، الذي رفض فيه ترامب علنا فكرة خفض الرسوم الجمركية على إسرائيل، ثم فاجأ المستمعين بإعلانه أن الولايات المتحدة ستدخل في مفاوضات مع إيران؟
أم سيكون مثل شهر يونيو، عندما استخف ترامب أولا باحتمالية نشوب صراع، ثم أمر جيشه بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية في نهاية حرب الـ 12 يوما بين إسرائيل وإيران؟
إسرائيل ليست وحدها التي تواجه هذه الأسئلة. فالعالم بأسره، حلفاء الولايات المتحدة وأعداؤها على حد سواء، يتعاملون مع إدارة ترامب التي تبدو خاضعة لأهواء زعيمها. لقد تغيرت مواقفه مرات عديدة – بشأن الرسوم الجمركية وكذلك تهديداته بضم غرينلاند – لدرجة أن مصطلحا جديدا دخل قاموس المصطلحات السياسية: TACO، وهو اختصار لـ “Trump Always Chickens Out” (ترامب دائما يتراجع).
إلا أنه لا يفعل ذلك دائما. فهو لم “يتراجع” عندما ألقى القبض على رئيس فنزويلا في غارة ليلية الشهر الماضي، ولم يفعل ذلك أيضا عندما قصف إيران العام الماضي.
لكن حالة عدم اليقين المستمرة تنهك العلاقات الدولية؛ ففي مؤتمر دافوس الأخير، حيث اجتمعت النخبة السياسية والاقتصادية في العالم، ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابا لافتا قال فيه إن العالم يشهد حالة من “التصدع”، حيث لم يعد من الممكن الوثوق بـ “الهيمنة الأمريكية” لحماية الصالح العام
وقال: “نحن نعلم أن النظام القديم لن يعود، ولا ينبغي لنا أن نحزن عليه. فالحنين ليس استراتيجية، لكننا نؤمن أنه من رحم هذا الانكسار، يمكننا بناء شيء أكبر، وأفضل، وأقوى، وأكثر عدلا”.
فهل ينطبق ذلك على إسرائيل؟ تماما مثل كندا، أعلنت إسرائيل مؤخرا عن خطوات لتكون أكثر اكتفاء ذاتيا. حيث أعلن نتنياهو العام الماضي، في تصريح مثير للجدل، أنه في مواجهة العداء الدولي المتزايد، يجب على الدولة أن تصبح “سوبر سبارتا” (إسبرطة العظمى)، على الأقل فيما يتعلق بإنتاج الأسلحة. وصرح مؤخرا لمجلة “ذي إيكونوميست” أنه يود، في غضون عقد من الزمن، فطام إسرائيل عن المساعدات العسكرية الأمريكية، التي كانت في السابق حجر الزاوية في استراتيجية الدفاع في البلاد.
ويبدو أن هذه الخطوات تأتي ردا على تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة. لكن في الوقت نفسه، راهن نتنياهو بكل أوراقه على ترامب، بشكل أكبر بكثير مما فعله مع الرئيسين السابقين جو بايدن أو باراك أوباما، وكلاهما ديمقراطيان. وقد يقول نتنياهو إن الرهان قد آتى ثماره بشكل سخي.
ففي ولاية ترامب الأولى، حصلت إسرائيل على سفارة أمريكية في القدس، واعتراف أمريكي بضم إسرائيل للجولان، واتفاقيات إبراهيم. وحتى الآن في ولاية ترامب الثانية، كانت العوائد سخية بنفس القدر: فقد عاد جميع الرهائن إلى إسرائيل، وقصفت القاذفات الأمريكية من طراز B-2 منشآت فوردو وأصفهان ونطنز.
لكن ذلك لم يأتِ دون ثمن؛ فترامب، وليس إسرائيل، هو من يتخذ القرارات في غزة، وهو ما ينبئ بمستقبل قد تملك فيه حماس والسلطة الفلسطينية، وربما دول معادية لإسرائيل مثل تركيا وقطر، نفوذا وسيطرة. وفيما يتعلق بمستقبل الضفة الغربية، رضخت إسرائيل أيضا لترامب، الذي استبعد صراحة خيار الضم، رغم أنه المطلب الفعلي لوزراء بارزين في الحكومة الإسرائيلية.
والآن، يبدو أن إسرائيل تترك القرار لترامب بشأن ما كان لفترة طويلة الأولوية القصوى لنتنياهو: مواجهة إيران. وقد يصب ذلك في مصلحة إسرائيل، اعتمادا على أهداف أي ضربة، بالنظر إلى أن القوة العسكرية الأمريكية يمكنها تحقيق ما هو أكثر بكثير مما تستطيعه إسرائيل.
ولكن هذا يعني أيضا أن مستقبل إسرائيل القريب، وإلى حد ما، موقعها في المنطقة، قد تم إسناده إلى رئيس أمريكي يتبنى سياسة عدم اليقين. هل سنكون أمام حالة جديدة من تراجع ترامب (TACO)، أم سنشهد تكرارا لسيناريو مادورو؟
أما إيران، من جانبها، فلم تترك مجالا للغموض؛ إذ أوضح النظام، من خلال لوحات إعلانية وتصريحات متعددة، أنه سيضرب إسرائيل إذا شنت الولايات المتحدة هجوما ضده. كما أن النظام – وفي أعقاب قمعه الوحشي للاحتجاجات المناهضة للحكومة – قد يقرر أيضا المبادرة بالهجوم أولا.
بالنسبة للإسرائيليين، فإن المخاطر جسيمة: فأي عملية أمريكية ستعني حربا ثانية مع إيران في أقل من ثمانية أشهر. وفي المقابل، فإن أي قرار أمريكي بضبط النفس سيكون له ثقله أيضا؛ إذ سيعني تراجعا عن تهديدات ترامب المتكررة، وربما يمهد الطريق لاتفاق جديد بشأن برنامج طهران النووي.
في الوقت الراهن، كل ما يمكن للإسرائيليين فعله هو الانتظار وترقب ما سيفعله ترامب.