نتنياهو يعترف لأول مرة بالإبادة الجماعية للأرمن
لقد تجنبت إسرائيل لفترة طويلة الاعتراف رسميًا بالمذبحة العثمانية للمسيحيين خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أن أن رئيس الوزراء يبدو أنه يشير إلى تغيير في الموقف مع استمرار تدهور العلاقات مع تركيا

أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يوم الثلاثاء، ولأول مرة، اعترافه بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الأرمن والآشوريين واليونانيين في أوائل القرن العشرين.
عندما سأله باتريك بيت-دافيد في بودكاسته عن سبب عدم اعتراف إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن، أجاب نتنياهو: “أعتقد أننا اعترفنا. أعتقد أن الكنيست أقرّ قرارًا بهذا الشأن”، مع أنه لم يُقرّ أي تشريع من هذا القبيل.
عندما سُئل نتنياهو عن سبب عدم اعتراف أي رئيس وزراء إسرائيلي بالإبادة الجماعية، أجاب: “لقد اعترفتُ بها للتو. تفضل.”
ينحدر بيت-دافيد من عائلة مسيحية آشورية من إيران.
لطالما سعى الأرمن إلى الاعتراف الدولي بمجازر الدولة العثمانية، التي أودت بحياة حوالي 1.5 مليون من شعبهم، باعتبارها إبادة جماعية. ترفض تركيا – الدولة التي خلفت الدولة العثمانية – بشدة الادعاء القائل بأن المجازر والسجن والترحيل القسري للأرمن ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
في 20 أبريل 1965، أصبحت الأوروغواي أول دولة تعترف بالإبادة الجماعية الأرمنية.
لكن الغالبية العظمى من دول العالم ترفض رسميًا وصف الأحداث التي وقعت بين عامي 1915 و 1923 – والتي ارتكبت خلالها القوات العثمانية مجزرة بحق مواطنين أرمن في عملية تطهير عرقي مُخطط لها بشكل منهجي – بأنها إبادة جماعية، وذلك حرصًا على علاقاتها مع تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش دائم في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تُعتبر قوة إسلامية قوية وموالية نسبيًا للغرب في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
حتى الآن، لم تعترف بالإبادة الجماعية سوى 34 حكومة.
وظلت إسرائيل، التي اعتبرت أنقرة لسنوات شريكًا تجاريًا رئيسيًا، وأحيانًا شريكًا أمنيًا، ثابتة في موقف الأغلبية. لكن العلاقات وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال الحرب الدائرة في غزة. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو مؤيد معلن لحماس وأحد أبرز منتقدي إسرائيل على الساحة العالمية، وقد أشادت بلاده مرارا وتكرارا بالهجوم الذي شنته حماس المدعومة من إيران في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي بدأ الحرب المستمرة، عندما اقتحم آلاف المسلحين جنوب إسرائيل من قطاع غزة، مما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز 251 آخرين كرهائن.
يرى البعض أن الطبيعة الفريدة للهولوكوست تمنع إسرائيل من الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، خوفًا من أن تُحصر المذبحة الجماعية لثلث يهود العالم كمذبحة أخرى ضمن سلسلة من الإبادات الجماعية عبر التاريخ.
لكن معظمهم يشيرون إلى أن كون السبب هو العلاقة مع أنقرة، القوة الإقليمية. يرى مؤيدو هذا الموقف أن الصرخة التي انطلقت من معسكرات الموت والشعار “لن يتكرر ذلك أبدًا” هي واجب أخلاقي، بمعنى أن على اليهود والدولة اليهودية إعطاء الأولوية لضمان عدم تعرضهم للذبح مرة أخرى، حتى لو كان ذلك يعني إقامة تحالفات سياسية واقعية مع شركاء غير مرغوب فيهم.
في الوقت نفسه، لا يخلو الأمر من إسرائيليين يجادلون بأن تجربة اليهود في الهولوكوست تلزم البلاد بأن تقود العالم في إظهار التعاطف عندما يعاني الآخرون من مصائر مماثلة — في الواقع، فهم عبارة ”لن يتكرر أبدًا“ بطريقة معاكسة.
تعترف العديد من الجماعات اليهودية الرائدة، بما في ذلك رابطة مكافحة التشهير والاتحاد من أجل اليهودية الإصلاحية، بالإبادة الجماعية للأرمن.
لكن القادة الإسرائيليين امتنعوا بثبات عن ذلك.
في عام 2001، عندما كانت العلاقات مع تركيا في أوجها، نفى وزير الخارجية آنذاك شمعون بيريس نفيًا قاطعًا “الادعاءات الأرمنية”، مُدينًا إياها باعتبارها محاولةً لمقارنتها بالهولوكوست.
وقال “لم يحدث شيءٌ يُشبه الهولوكوست. ما مرّ به الأرمن مأساة، وليس إبادة جماعية”.
ومع ذلك، كانت هناك أيضًا محاولاتٌ من سياسيين بارزين لتغيير السياسة الإسرائيلية.
في عام 2000، أعلن وزير التربية والتعليم آنذاك، يوسي سريد، من حزب “ميرتس” اليساري، عن خطط لإدراج الإبادة الجماعية للأرمن في مناهج التاريخ الإسرائيلية. في الذكرى الخامسة والثمانين للمجزرة، قال سريد: “الإبادة الجماعية جريمة ضد الإنسانية، وليس هناك ما هو أفظع وأبشع من الإبادة الجماعية. من أهداف تعليمنا – هدفنا الرئيسي – غرس الإحساس بالمسؤولية تجاه الأذى الذي يلحق بالأبرياء على أساس الجنسية وحدها”. كما أضاف “نحن اليهود، بصفتنا الضحايا الرئيسيين للكراهية القاتلة، ملزمون التزامًا مضاعفًا بأن نكون حساسين، وأن نتعاطف مع الضحايا الآخرين”.
بعد أكثر من عقد من الزمان، في يونيو/حزيران 2011، كان عضو الكنيست أرييه إلداد، من حزب “الاتحاد الوطني” اليميني المتطرف، هو من قدم مشروع قانون لإعلان يوم 24 أبريل/نيسان من كل عام يومًا لذكرى الإبادة الجماعية للأرمن. قبل ذلك ببضعة أسابيع، عقد الكنيست أول جلسة نقاش له حول الاعتراف بالإبادة الجماعية. بدا أن الأغلبية تؤيد الاعتراف، لكن القضية لم تُطرح للتصويت قط. حتى الرئيس الإسرائيلي السابق، رؤوفين ريفلين، كان من أشدّ المناصرين للاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. قال ريفلين، عندما كان رئيسًا للكنيست عن حزب “الليكود”، قبل أن يصبح رئيسًا للدولة: “من غير المعقول أن يتجاهل الكنيست هذه المأساة. نحن نطالب الناس بعدم إنكار الهولوكوست، ولا يمكننا تجاهل مأساة أمة أخرى”.
لكن كرئيس، تغيرت أولوياته بشكل كبير. خلال خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2015، تحدث ريفلين بإسهاب عن مذبحة الأرمن التي وقعت قبل قرن من الزمان. لكنه راوغ في مسألة الاعتراف. متحدثًا بالعبرية، أشار ريفلين إلى “ريتساح بني هاعام هاأرميني”، والتي تعني “قتل أبناء الأمة الأرمنية”، في تلميح إلى المصطلح العبري للإبادة الجماعية، “ريتساح عام”، لكنه لم يستخدم المصطلح نفسه.
كما قرر كرئيس عدم تجديد توقيعه على عريضة سنوية تدعو إسرائيل إلى الاعتراف بالإبادة الجماعية.
تم إلغاء تصويت الكنيست عام 2018 على الاعتراف بالإبادة الجماعيةة بسبب عدم وجود دعم من الائتلاف.