مُستعان بهم ومُعرّضون للخطر: المتعاقدون المدنيون على خطوط المواجهة في حرب غزة
مع حصول شركات خاضعة للعقوبات على عقود من وزارة الدفاع، تتزايد التساؤلات حول الرقابة والشرعية والخط الفاصل غير الواضح بين الجنود والمدنيين

مع دخول الحرب الإسرائيلية ضد حركة حماس في غزة شهرها الحادي والعشرين، ترسخت حقيقة هادئة لكنها خطيرة: يقوم مقاولون مدنيون، استأجرتهم وزارة الدفاع، بانتظام بأعمال هدم وهندسة ولوجستية في عمق منطقة الحرب. على الرغم من أنهم غير مقاتلين رسميا، فإن العديد منهم يعملون الآن على خطوط الجبهة أو بالقرب منها، متحملين مخاطر عادة ما يتحملها الجنود الذين يرتدون الزي العسكري.
وقد اتضحت هذه المخاطر بشكل مأساوي في أواخر مايو، عندما قُتل دافيد ليبي، وهو مقاول مدني كان يبلغ من العمر 19 عاما، في انفجار قنبلة أثناء تشغيله معدات هندسية خلال عمليات للجيش الإسرائيلي في شمال غزة.
بحسب الجيش فإن ليبي كان يعمل في منطقة جباليا عندما انفجرت عبوة ناسفة. وهو ثالث مقاول تابع لوزارة الدفاع يُقتل في غزة منذ بدء الحرب.
إحصل على تايمز أوف إسرائيل ألنشرة أليومية على بريدك الخاص ولا تفوت المقالات الحصرية آلتسجيل مجانا!
عمل ليبي في شركة “ليبي للإنشاءات والبنية التحتية”، وهي شركة فرضت عليها بريطانيا مؤخرا عقوبات لدعمها البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية، وتعود ملكيتها إلى والده، هارئيل ليبي.
واتهمت وزارة الخارجية البريطانية الشركة بتقديم ”دعم لوجستي ومالي“ لتوسيع المستوطنات، مما أدى إلى تهجير الفلسطينيين قسرا.
كما تم فرض عقوبات على هارئيل ليبي، أحد سكان بؤرة عدي عاد الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية، لتورطه في ”أعمال عدوانية وعنف ضد أفراد فلسطينيين“، شأنه شأن نشطاء آخرين من اليمين المتطرف الذين شاركوا في أنشطة مماثلة.
وفقا لمنظمة “كيرم نافوت”، عملت شركة ليبي للإنشاءات على نطاق واسع في مناطق غير مرخصة في الضفة الغربية، بما في ذلك بناء البنية التحتية لبؤر استيطانية غير قانونية مثل مزرعة كوكو، التي تم فرض عقوبات عليها أيضا. واتهمت منظمات فلسطينية موظفي ليبي بمضايقة الرعاة المحليين ومنعهم من الرعي.
على الرغم من العقوبات والاتهامات، واصلت شركة ليبي للإنشاءات العمل بموجب عقود مع وزارة الدفاع وظلت نشطة في غزة. ورفضت الوزارة التعليق على استمرار تعاونها مع الشركة أو على الدور الأوسع للمقاولين المدنيين في القطاع. ولم ترد شركة ليبي للإنشاءات على الفور على طلب للتعليق.
تستعين وزارة الدفاع بعدد كبير من المدنيين مثل دافيد ليبي للقيام بمهام الهدم واللوجستيات، مما يتيح لوحدات الجيش الإسرائيلي القيام بمهام قتالية. لكن استخدام متعاقدين مدنيين في مناطق حرب نشطة يثير تساؤلات جدية حول الرقابة والشرعية والطبيعة الحقيقية لوضع هؤلاء العمال.
صعود المتعاقدين المدنيين في الحروب الحديثة
قال الدكتور أوري سويد، مدير مركز الأمن في تكساس بجامعة “تكساس تك”، لـ”تايمز أوف إسرائيل“ إن الاستعانة بمصادر خارجية في المجال العسكري ليست جديدة، لكن نطاقها ووضوحها ازدادا بشكل كبير منذ التسعينيات.
وأشار إلى ”حالات بارزة“ مثل شركة “بلاك ووتر”، وهي شركة عسكرية أمريكية خاصة أثار دورها المثير للجدل في حرب العراق اهتماما دوليا بشأن استخدام المتعاقدين المدنيين في مناطق القتال.
في عام 2007، أطلق مقاولون يعملون لحساب شركة بلاك ووتر رافقوا قافلة دبلوماسية أمريكية النار في ساحة النسور في بغداد، مما أسفر عن مقتل 17 مدنيا عراقيا. أدت هذه المجزرة إلى قيام العراق بإلغاء ترخيص الشركة للعمل، إلا أن الولايات المتحدة أعادته مؤقتا في وقت لاحق.
أدى الحادث إلى صدور أحكام جنائية، وإجراء تحقيقات من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وتدقيق واسع النطاق في المساءلة القانونية للمتعاقدين. لطالما نفى إريك برينس، مؤسس شركة بلاك ووتر، ارتكاب أي مخالفات، واتهم الحكومة الأمريكية باستهداف الشركة بما وصفه بـ ”ادعاءات لا أساس لها من الصحة“ – بما في ذلك مزاعم بالإهمال والتمييز العنصري والقتل وتهريب الأسلحة.
وأكد سويد أن الحوادث مثل حادثة بلاك ووتر لا تعكس الصناعة العسكرية الخاصة ككل، ووصفها بأنها “حالة مأساوية ومتطرفة وإشكالية للغاية”.
وقال سويد: ”العمليات العسكرية لا تقتصر على إطلاق النار فقط. فهي تشمل البناء واللوجستيات والنقل والاتصالات وحتى الرعاية الصحية. عندما لا يمتلك جيش دولة جميع الموارد أو التخصصات الداخلية – أو يحتاج ببساطة إلى توسيع قدراته – فإنه يلجأ إلى القطاع الخاص“.
في غزة، يتم استخدام هؤلاء المقاولين المدنيين لبناء الطرق وهدمها، وإزالة الأنقاض، وتعديل التضاريس لتسهيل حركة القوات والسيطرة على الأراضي – وهي إجراءات يصفها سويد بأنها أساسية للهندسة العسكرية الحديثة.
كما دخلت جهات خاصة أخرى، مثل “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى هذا المجال، حيث توزع المساعدات الغذائية بتنسيق من وزارة الدفاع. منذ إطلاقها في أواخر مايو، قالت مؤسسة غزة الإنسانية إنها قدمت أكثر من 46 مليون وجبة للمدنيين الفلسطينيين، على الرغم من أن عملياتها شابتها تقارير عن إطلاق نار شبه يومي على فلسطينيين حاولوا الوصول إلى نقاط التوزيع عبر خطوط الجيش الإسرائيلي.
الطريق إلى غزة: بيروقراطي ومبهم
وفقا لمنظمة CivilEng، وهي منظمة خاصة تُمثل خبراء البناء في إسرائيل، للمشاركة في العمليات، يجب على الشركات التسجيل أولًا لدى مركز البناء الحكومي التابع لشعبة التكنولوجيا واللوجستيات في الجيش الإسرائيلي، وكذلك لدى مُسجل المقاولين.
عندها فقط يمكن لهذه الشركات التقدم بطلبات لتصبح مقدم خدمات معترف به للأعمال الحكومية والمشاركة في مناقصات وزارة الدفاع.
ووفقا لموقعها على الإنترنت، فإن إدارة الهندسة والبناء التابعة للوزارة تضم موظفين من ضباط الجيش الإسرائيلي ومهندسين مدنيين. وهي تشرف على تخطيط وتنفيذ البنية التحتية العسكرية، بما في ذلك معظم الأعمال الجارية حاليا في غزة.
ومع ذلك، فإن الشفافية حول هذه العمليات ضئيلة للغاية. ويشير سويد إلى أن المخاوف الأمنية غالبا ما تمنع الكشف عن المعلومات للجمهور.
وقال: ”هذا المجال برمته محاط بالسرية عن قصد. أي شيء يتعلق بالعمليات العسكرية – خاصة في مناطق النزاع – ينطوي على مستويات متعددة من الأمن. والمتعاقدون ليسوا استثناء. فالكشف عن الهويات والعقود وحتى اللوجستيات يمكن أن يعرض حياة الناس للخطر“.
المخاطرة دون تقدير
على الرغم من عملهم في مناطق حرب، لا يحظى المتعاقدون مثل ليبي بنفس التقدير العام أو الحماية القانونية التي يتمتع بها الجنود.
قال سويد: ”عندما يُقتل متعاقدون، لا يترك ذلك نفس الأثر في الرأي العام مثل مقتل جنود. هناك تصور بأن [المتعاقدين] موجودون هناك من أجل المال وأنهم قبلوا المخاطرة طواعية“.
على عكس الجنود الإسرائيليين، لا يُعتبر المتعاقدون المدنيون مقاتلين بموجب القانون الدولي، وبالتالي لا يحق لهم الحصول على صفة أسرى حرب في حالة أسرهم.
كما أنهم يعملون بموجب عقود خاصة وليس تحت قيادة عسكرية رسمية، مما يجعل الرقابة مجزأة والمساءلة أقل تحديدا. لا يتمتع المتعاقدون العاملون في مناطق النزاع بالحماية المؤسسية التي يتمتع بها الجنود – مثل المعاشات التقاعدية والمزايا طويلة الأجل أو المساعدة القانونية من خلال نظام القضاء العسكري – ويجب عليهم بدلا من ذلك الاعتماد على قوانين العمل المدنية الأساسية.
وأوضح سويد أن ”العناصر العاملة في هذه الشركات الأمنية ليسوا جنودا… ولكنهم في الوقت نفسه ليسوا من غير المقاتلين“.
وأشار إلى الفائدة السياسية الأوسع نطاقا للاستعانة بمصادر خارجية.
وقال: ”إنها تسمح للدولة بتخفيف الضغط السياسي الذي يرافق الخسائر العسكرية أو التجنيد الإجباري الذي لا يحظى بشعبية“، مضيفا ”في بعض الأحيان، تكون هذه الطريقة أكثر فعالية من حيث التكلفة وأكثر مرونة من نشر القوات العسكرية“.
ومع ذلك، قد تكون لهذه المرونة تكلفة بشرية.
وقال سويد: ”واجهت هذه الصناعة مشكلات قانونية كبيرة، تتعلق في الغالب بحقوق العمال وحمايتهم. فعندما تعمل في مناطق خطرة، بعيدا عن الرقابة، تزداد مخاطر الاستغلال“.
خط غير واضح
على الرغم من عدم توفر أرقام دقيقة للجمهور، يبدو أن وجود المقاولين المدنيين الإسرائيليين في غزة آخذ في الازدياد. بحسب تقارير فإن العديد منهم يأتون من مستوطنات الضفة الغربية، مما يثير المزيد من التساؤلات السياسية حول دوافعهم وأيديولوجيتهم وتفضيلات الحكومة في التوظيف — إلا أن سويد يحذر من التكهنات دون أدلة دامغة.
وأقر سويد بأن ”من الممكن أن الحكومة [الحالية] تفضل توظيف شركات تقدم عطاءاتها من أفراد لديهم دوافع معينة“، لكنه أكد أنه من المستحيل تحديد الأسباب الحقيقية دون مزيد من المعلومات.
لكن ما هو واضح هو أن الخط الفاصل بين المدنيين والجنود في جهود الحرب الإسرائيلية أصبح أكثر ضبابية. بالنسبة لمقاولين مثل ليبي، فإن العواقب واضحة بشكل مأساوي – العمل كمدنيين في منطقة قتال وتحمل مخاطر الحرب، دون وضع رسمي أو حماية.