مستشفيات غزة: أطفال لا يعانون من أمراض مزمنة يموتون الآن جوعا
بحسب وزارة الصحة التي تديرها حماس فإن ما لا يقل عن 48 شخصا، بينهم بالغون، توفوا في يوليو بسبب سوء التغذية، مقارنة بـ 10 في الأشهر الخمسة السابقة؛ الجيش الإسرائيلي يقول إن الحركة الفلسطينية تتسبب في نقص الإمدادات عن طريق نهب المساعدات

عاني خمسة أطفال في مستشفى بمدينة غزة من الهزال جراء الجوع، ولم تجدِ أي من محاولات الأطباء نفعا. نفدت العلاجات الأساسية لسوء التغذية التي كان من الممكن أن تنقذهم. وكانت البدائل غير فعّالة. مات الرضع والأطفال الصغار واحدا تلو الآخر على مدار أربعة أيام.
بأعداد أكبر من أي وقت مضى، يكتظّ مستشفى “أصدقاء المريض”، وهو مركز الطوارئ الرئيسي للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في شمال غزة، بالأطفال الذين أنهكهم الجوع.
وقد شكلت الوفيات التي وقعت في نهاية الأسبوع الماضي تغييرا ملحوظا، حيث كانت المرة الأولى من نوعها التي يسجلها المركز بين الأطفال الذين لم تكن لديهم أي أمراض مسبقة. وقالت الدكتورة رنا صبح، أخصائية تغذية، إن الأعراض تزداد سوءا، حيث أصبح الأطفال ضعفاء للغاية لدرجة أنهم لم يعودوا قادرين على البكاء أو الحركة. وأضافت أن معظم الحالات تحسنت في الأشهر الماضية، على الرغم من نقص الإمدادات، ولكن المرضى الآن يبقون لفترات أطول ولا تتحسن حالتهم.
وأضافت صبح، التي تعمل مع منظمة الإغاثة الأمريكية Medglobal التي تدعم المستشفى: “لا توجد كلمات تصف الكارثة التي نعيشها. الأطفال يموتون أمام أعين العالم… لا توجد مرحلة أقبح وأفظع من هذه“.
هذا الشهر، تجاوز الجوع الذي كان يتفاقم بين أكثر من مليوني فلسطيني في غزة نقطة تحول حرجة وتحول إلى موت متسارع، وفقا لما قاله عمال إغاثة وموظفون صحيون. ولم يقتصر الضحايا على الأطفال – الذين عادة ما يكونون الأكثر ضعفا – بل شملوا أيضا بالغين.
في الأسابيع الثلاثة الماضية، توفي ما لا يقل عن 48 شخصا لأسباب تتعلق بسوء التغذية، بينهم 28 بالغا و20 طفلا، وفقا لما أعلنته وزارة الصحة في غزة التي تديرها حركة حماس يوم الخميس. ويمثل هذا الرقم ارتفاعا عن عدد الأطفال الذين توفوا في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، والذين بلغ 10 أطفال، وفقا للوزارة.
قالت منظمة الصحة العالمية يوم الأربعاء إنها سجلت 21 حالة وفاة لأطفال دون سن الخامسة بسبب أسباب مرتبطة بسوء التغذية في عام 2025. وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يوم الخميس إنه تم الإبلاغ عن ما لا يقل عن 13 حالة وفاة لأطفال في يوليو، مع تزايد العدد يوميا.
وقال الدكتور جون كاهلر، مؤسس مشارك في Medglobal وطبيب أطفال تطوع مرتين في غزة خلال الحرب: ”البشر قادرون على التكيف مع نقص السعرات الحرارية، ولكن إلى حد معين فقط. يبدو أننا تجاوزنا الحد الذي وصلت فيه شريحة من السكان إلى أقصى حدودها“.
وأضاف ”هذه بداية دوامة موت للسكان“.
ويقول برنامج الأغذية العالمية للأمم المتحدة إن ما يقرب من 100 ألف امرأة وطفل بحاجة ماسة إلى علاج من سوء التغذية. ويقول العاملون في المجال الطبي إنهم نفدوا من العديد من العلاجات والأدوية الأساسية.
أما إسرائيل، التي بدأت بالسماح بدخول كميات ضئيلة من الإمدادات قبل شهرين بعد حصار استمر شهرين، والتي أيدت آلية “مؤسسة غزة الإنسانية” الجديدة لتوزيعها، فقد ألقت باللوم على حماس في تعطيل توزيع الغذاء، وأشارت إلى آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات التي تنتظر التوزيع داخل غزة.
وقد رفضت الأمم المتحدة العمل مع مؤسسة غزة الانسانية، بدعوى أنها تنتهك المبادئ الإنسانية، وأعلنت أن أكثر من 1000 شخص قُتلوا بالقرب من مراكز توزيع المساعدات منذ مايو، وكثير منهم في مواقع المؤسسة. وتقول إسرائيل إن هذه الأرقام مبالغ فيها، رغم أنها اعترفت بإطلاق النار على الحشود، ولم تقدم أرقاما بديلة.
يكتظ مستشفى أصدقاء المريض بالآباء الذين يجلبون أطفالا نحاف – بمعدل 200 إلى 300 حالة يوميا، وفقا لصبح.
يوم الأربعاء، وضع الموظفون الأطفال الصغار على طاولة لقياس محيط أذرعهم – وهي أسرع طريقة لتحديد سوء التغذية. في حر الصيف، تجمعت الأمهات حول الأخصائيين، يطلبن المكملات الغذائية. صرخ الأطفال ذوو الأطراف الهزيلة من شدة الألم، بينما كان آخرون في صمت تام.
يتم إبقاء الحالات الأسوأ لمدة تصل إلى أسبوعين في جناح المركز الذي يضم 10 أسرة، والذي استقبل هذا الشهر ما يصل عددهم إلى 19 طفلا في وقت واحد. عادة ما يعالج المركز الأطفال دون سن الخامسة فقط، لكنه بدأ في استقبال بعض الأطفال الذين تصل أعمارهم إلى 11 أو 12 عاما بسبب تفاقم حالة الجوع بين الأطفال الأكبر سنا.
الجوع بدأ بالازدياد بين العاملين أيضا. قالت صبح إن ممرضتين استخدمتا أجهزة التسريب الوريدي للحفاظ على قوتهما، مضيفة ”نحن مرهقون. نحن أموات في صورة أحياء“.
توفي الأطفال الخمسة على التوالي أيام الخميس والسبت والأحد الماضية.
أربعة منهم، تتراوح أعمارهم بين 4 أشهر وسنتين، أصيبوا بتوقف حركة المعدة: توقف معداتهم عن العمل. لم يعد المستشفى يمتلك الإمدادات الغذائية المناسبة لهم.
الخامسة — سوار البالغة من العمر 4.5 سنوات — كانت تعاني من انخفاض خطير في مستويات البوتاسيوم، وهي مشكلة متفاقمة. كانت ضعيفة للغاية لدرجة أنها بالكاد استطاعت تحريك جسدها. وقالت صبح إن أدوية نقص البوتاسيوم قد نفدت إلى حد كبير في جميع أنحاء غزة. لم يكن لدى المركز سوى محلول بوتاسيوم منخفض التركيز.
لم تستجب الطفلة. بعد ثلاثة أيام في وحدة العناية المركزة، توفيت يوم السبت.
وقالت صبح: ”إذا لم نحصل على [إمدادات] البوتاسيوم، فسنشهد المزيد من الوفيات“.
في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، قامت نعيمة، والدة يزن أبو الفول البالغ من العمر سنتين، بخلع ملابسه لتظهر جسده الهزيل. كانت فقرات وأضلاع جسمه وكتفيه بارزة، ومؤخرته متجعدة، ووجهه عديم التعبير.
قال والده محمود، الذي بدت عليه هو أيضا النحافة، إنهما أخذاه إلى المستشفى عدة مرات. لكن الأطباء قالوا لهما إن عليهما إطعامه. وقال: ”أقول للأطباء: ’أنتم ترون بأنفسكم، لا يوجد طعام’“.
أعدت نعيمة، وهي حامل، وجبة طعام: حبتا باذنجان اشتريتهما بـ 9 دولارات وقطعتاهما وسلقتهما في الماء. قالا إنهما سيطيلان مدة تناول قدر الباذنجان المسلوق – الذي لا يمكن حتى اعتباره حساء حقيقيا – ليكفيهم بضعة أيام. بدا العديد من أشقاء يزن الأربعة الأكبر منه نحفاء ومرهقين.
حمل محمود أبو الفول يزن على ركبتيه ورفع ذراعيه المترهلتين. يقضي الصبي معظم اليوم مستلقيا على الأرض، فهو أضعف من أن يلعب مع إخوته. ”إذا تركناه، فقد يفلت من بين أيدينا، ولا يمكننا فعل أي شيء“.
يقول الخبراء إن الجوع يودي بحياة الفئات الضعيفة أولا: الأطفال والبالغون الذين يعانون من مشاكل صحية.
يوم الخميس، تم نقل جثتي رجل وامرأة بالغين تظهر عليهما علامات الجوع إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة، حسبما أفاد مدير المستشفى محمد أبو سلمية. كان أحدهما يعاني من مرض السكري، والآخر من مرض في القلب، لكنهما أظهرا علامات نقص حاد في المغذيات وتوقف حركة المعدة وفقر الدم بسبب سوء التغذية.
وقال أبو سلمية إن العديد من البالغين الذين توفوا كانوا يعانون من أمراض مزمنة، مثل السكري أو أمراض القلب أو الكلى، والتي تفاقمت بسبب سوء التغذية، وأضاف: ”هذه الأمراض لا تقتل إذا توفر الطعام والدواء“.
الجيش الإسرائيلي: المساعدات تنتظر داخل غزة، ومنظمات الإغاثة ترفض توزيعها
يوم الثلاثاء، نفى دافيد منسر، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وجود ”مجاعة تسببها إسرائيل“ في غزة، وألقى باللوم على حماس في إحداث ”نقص مصطنع“ من خلال نهب شاحنات المساعدات.
وفقا للعقيد عبد الله حلبي، رئيس مكتب التنسيق والارتباط التابع للجيش الإسرائيلي، فقد حدد الجيش ”حملة مكثفة وعنيفة“ من قبل حماس ضد آلية المساعدات الإنسانية الإسرائيلية.
وقال، في إشارة إلى مزاعم انتشار المجاعة في غزة: ”هذه الحملة قائمة على الأكاذيب. لم تكن تهدف إلى مساعدة سكان غزة في الحصول على المساعدات، بل كانت تهدف في المقام الأول إلى تحسين موقف حماس في مفاوضات [الرهائن] الجارية خلال الأيام القليلة الماضية، وهي تستخدم وسائل مختلفة، ولا سيما رواية المجاعة، لتحسين موقفها“.
المسؤول عن تنسيق شؤون المدنيين في قطاع غزة، يتحدث إلى الصحفيين على الجانب الغزي من معبر كيرم شلوم، في جنوب قطاع غزة، 24 يوليو 2025. ( (Emanuel Fabian/Times of Israel)
في حديثه على الجانب الغزي من معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم) يوم الأربعاء، قال حلبي إن حوالي 1000 شاحنة محملة بالمساعدات مصطفة داخل القطاع، في انتظار أن تقوم الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة بتوزيعها.
وألقى المسؤول الكبير باللوم على ”عدم تعاون المجتمع الدولي والمنظمات الدولية“.
وقد قالت الأمم المتحدة مرارا أن مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق رفض طلباتها للحصول على إذن التجميع والتوزيع، وأن الظروف الخطيرة والمعقدة داخل غزة، بما في ذلك الجوع الذي يعاني منه السكان وعصابات الشوارع، جعلت توزيع المساعدات صعبا للغاية.
قطعت إسرائيل تماما عن غزة دخول الغذاء والدواء والوقود وغيرها من الإمدادات لمدة شهرين ونصف الشهر تقريبا بدءا من مارس، معتبرة أن المساعدات المتراكمة في القطاع تكفي لمدة شهرين تقريبا وأن السماح بدخول المزيد من المساعدات سيساعد حركة حماس التي لا تزال تحتجز 20 رهينة أحياء وجثامين 30 آخرين.
خلال تلك الفترة، نفدت المواد الغذائية بشكل كبير لدى منظمات الإغاثة وفي الأسواق، وحذر الخبراء من أن غزة تتجه نحو مجاعة شاملة.
في أواخر مايو، خففت إسرائيل قليلا من الحصار. ومنذ ذلك الحين، سمحت بدخول حوالي 4500 شاحنة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات إغاثة أخرى لتوزيع المساعدات، بما في ذلك 2500 طن من أغذية الأطفال وأغذية خاصة عالية السعرات الحرارية للأطفال، حسبما أفادت وزارة الخارجية الإسرائيلية يوم الأربعاء.
وهذا يمثل متوسط 69 شاحنة في اليوم، وهو أقل بكثير من 500-600 شاحنة في اليوم التي تقول الأمم المتحدة إنها ضرورية. ولم تتمكن الأمم المتحدة من توزيع معظم المساعدات لأن الجماهير الجائعة والعصابات تستولي على معظم شاحناتها.
وتنفي الأمم المتحدة أن تكون حماس تستولي على كميات كبيرة من المساعدات. ويقول العاملون في المجال الإنساني إن كل ما على إسرائيل فعله هو السماح بتدفق المساعدات بحرية، مشيرين إلى أن النهب يتوقف كلما دخلت المساعدات بكميات كبيرة.
بدأت الحرب في غزة في 7 أكتوبر 2023، عندما اقتحم آلاف المسلحين بقيادة حماس جنوب إسرائيل، مما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واختطاف 251 آخرين، لا يزال 50 منهم محتجزين، يُعتقد أن 20 منهم أحياء.