بحث

قانون جديد يمنح المحاكم الحاخامية سلطة التحكيم في النزاعات المدنية؛ زعيم المعارضة: إسرائيل أصبحت الآن دولة ثيوقراطية

يائير لبيد يحذر من أن التشريع المثير للجدل المدعوم من الحكومة، والذي يوسع بشكل كبير سلطة المحاكم الدينية، يعني دولة تحكمها الشريعة اليهودية

ناشطون يحتجون ضد مشروع قانون من شأنه منح صلاحيات أوسع للمحاكم الحاخامية، وذلك خارج المحكمة الحاخامية في تل أبيب، 11 ديسمبر 2024. (Tomer Neuberg/Flash90)
ناشطون يحتجون ضد مشروع قانون من شأنه منح صلاحيات أوسع للمحاكم الحاخامية، وذلك خارج المحكمة الحاخامية في تل أبيب، 11 ديسمبر 2024. (Tomer Neuberg/Flash90)

أقر الكنيست في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء تشريعاً مدعوماً من الحكومة يوسع بشكل كبير سلطة المحاكم الحاخامية والشرعية في الدولة، حيث صوت 65 نائبا لصالحه وعارضه 41 نائبا.

ويمنح القانون، الذي رعا طرحه حزبا “يهودت هتوراة” و”شاس” الحريديان، المحاكم الدينية سلطة التحكيم في النزاعات المدنية التي تقع حالياً ضمن اختصاص نظام المحاكم المدنية. وكان يُسمح للمحاكم الحاخامية بالعمل كمحكمين في النزاعات المالية حتى عام 2006، عندما صدر قرار قضائي قرر أنه لا صفة قانونية لها للقيام بذلك.

تُعدّ المحاكم الحاخامية جزءاً من النظام القضائي الإسرائيلي، وتختص حالياً بالنظر في مسائل قانونية كالطلاق والوصايا والميراث واعتناق اليهودية. يتألف النظام من 12 محكمة إقليمية موزعة على مستوى البلاد، وتُعتبر المحكمة الحاخامية الكبرى في القدس أعلى سلطة استئنافية. ويتولى رئاسة المحكمة الحاخامية الكبرى أحد الحاخامين الأكبرين في إسرائيل. ويشغل هذا المنصب حالياً الحاخام الأكبر السفاردي دافيد يوسف.

والقانون الذي كان من المقرر في البداية أن يسمح للمحاكم بالبت في قضايا حضانة الأطفال، جرى تعديله خلال العملية التشريعية بحيث لا ينطبق على المتزوجين أو المتزوجين سابقاً.كما أنه لا ينطبق على قضايا قانون العمل، إلا إذا بادر الموظف، وليس صاحب العمل، بإحالة النزاع إلى المحكمة الدينية طواعية وبمحض إرادته.

ينص التشريع على أنه لا يُسمح للمحاكم الدينية بالبت في مثل هذه القضايا إلا بموافقة الطرفين، وأن الأحكام التي يتم التوصل إليها من خلال التحكيم الحاخامي لا يمكن أن تنتهك قانون المساواة في الحقوق للمرأة أو قوانين الحقوق المدنية الأخرى.

ومع ذلك، أكد منتقدو القانون أن هذه الحماية ليست كافية، نظراً للضغوط التي من المرجح أن يواجهها المتقاضون في المجتمعات الدينية المحافظة، وأن القانون سيخلق خللاً في ميزان القوى يضر بالفئات الأضعف في المجتمع، مع ترجيح تأثر حقوق المرأة بشكل خاص.

عضو الكنيست عن حزب “يش عتيد” ميراف كوهين تتحدث خلال مؤتمر صحفي مشترك مع زعيم المعارضة عضو الكنيست يئير لبيد حول إعادة تأهيل نظام التعليم في إسرائيل، في تل أبيب، 5 فبراير 2026. (Avshalom Sassoni/Flash90)

خلال النقاش المطوّل مساء الاثنين، جادلت عضو الكنيست ميراف كوهين، من حزب “يش عتيد”، بأن المحاكم التي يهيمن عليها الرجال لا تستطيع توفير المساواة للنساء، اللواتي لا يمكنهن العمل كقاضيات في المحاكم الحاخامية.

وقالت: “لا يوجد قاضيات في المحاكم الحاخامية، ولا يوجد حتى مصطلح يُشير إلى ذلك في اللغة العبرية”. وأضافت: “إن النظام الذي لا يسمح للنساء بأن يكنّ شريكات لا يمكنه أن يوفر لهن المساواة”.

ووصفت عضو الكنيست ميراف ميخائيلي، من حزب “الديمقراطيون”، القانون بأنه “خطوة أخرى نحو دولة هالاخاه، وهي ليست دولة ديمقراطية”، مستخدمة المصطلح العبري للشريعة اليهودية.

جاءت تصريحات ميخائيلي لتردد صدى ما قاله زعيم المعارضة، يائير لبيد، الذي أعلن في وقت سابق من ذلك اليوم أن القانون قد دمر “الوضع الراهن” الديني في البلاد، واصفاً إياه بأنه بات “ميتاً، ومدفوناً، ومعدوماً، وملغى”.

وقال لبيد للصحفيين قبل الاجتماع الأسبوعي لكتلة حزبه “يش عتيد” في الكنيست إن هذا التشريع ينشئ “دولة شريعة يهودية”.

عضو الكنيست يئير لبيد يترأس اجتماعاً لكتلته البرلمانية في الكنيست في 23 مارس 2026. (Yonatan Sindel/Flash90)

وقال: “تذكروا هذا اليوم جيداً عندما تأتي الحكومة المقبلة؛ حين سنقوم بتمرير تشريع ينص على قطع التمويل نهائياً عن أي نظام تعليمي لا يدرس المناهج الأساسية كاملة… بما في ذلك الدراسات المدنية والديمقراطية”.

وأضاف لبيد أنه في حال انتخابه، ستمرر المعارضة قوانين إضافية تقطع كافة المساعدات الحكومية عن المتملصين من الخدمة العسكرية، وتسمح لرؤساء البلديات “بإقالة حاخامات المدن، أو توظيف حاخامات من التيارين الإصلاحي والمحافظ”؛ بالإضافة إلى إقرار الزواج المدني وتسيير “المواصلات العامة أيام السبت في المناطق ذات الأغلبية العلمانية”.

رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان يترأس اجتماعاً لكتلته البرلمانية في الكنيست في 23 مارس 2026. (Yonatan Sindel/Flash90)

وانتقد أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، القانون بشدة، مصرحاً للصحفيين قبيل اجتماع كتلة حزبه بأن إقرار مثل هذا القانون في ظل لجوء “ملايين المواطنين إلى الملاجئ عدة مرات يومياً” هو “جنون محض وإفلاس أخلاقي”.

وفي حديثه مع “تايمز أوف إسرائيل”، قال سيث فاربر، الحاخام الأرثوذكسي ومدير منظمة “عيتيم” غير الربحية، التي تُعنى بمساعدة الإسرائيليين في التعامل مع البيروقراطية الدينية في البلاد، إن القانون “قد يزيد من نفور شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي من اليهودية نفسها”.

وأضاف: “يجب علينا ضمان أن تخدم المؤسسات الدينية الشعب برحمة وشفافية واحترام للحقوق الفردية، لا بالإكراه. إن مستقبل الدولة اليهودية الديمقراطية يعتمد على إيجاد هذا التوازن، وليس في ترجيح كفة الموازين لصالح سيطرة دينية بلا رقابة”.

وتابع: “خلال الحرب، يُفاقم إقرار هذا القانون الوضع سوءاً، مُظهراً أن المصالح الوطنية لا تُمثل أي أهمية لدى السياسيين المتشددين”.

وبالمثل، دعا أوري كيدار، رئيس حركة “إسرائيل حوفشيت” (إسرائيل حرة) المدافعة عن الحرية الدينية، الحكومة المقبلة إلى “إلغاء هذا التشريع المشين فوراً” خلال أول مئة يوم من ولايتها.

وفي المقابل، أكد المشرعون من الأحزاب الحريدية أنهم، في الواقع، يعيدون ترسيخ “الوضع الراهن”، موجهين انتقادات لاذعة لمحكمة العدل العليا لإنهائها نصف قرن من ممارسة المحاكم الحاخامية للتحكيم.

عضو الكنيست عن حزب “يهودت هتوراه” يتسحاق بيندروس يتحدث خلال اجتماع للجنة في الكنيست، 10 فبراير 2025. (Yonatan Sindel/Flash90)

وقال عضو الكنيست عن حزب “يهودت هتوراة”، يتسحاق بيندروس، مخاطباً المشرعين: “القول بأن الوضع الراهن قد انتهى بسبب هذا القانون، هل هناك حماقة أكبر من ذلك؟ ففي نهاية المطاف، يقوم الوضع الراهن على الكيفية التي كانت عليها الأمور عند تأسيس الدولة. وعلى مدار 50 عاما بعد قيام الدولة، كانت المحاكم الحاخامية تبت في هذه المسائل”.

وبالمثل، أصدر عضو الكنيست عن الحزب نفسه موشيه غافني بياناً يصف فيه القانون بأنه أمرٌ يُفيد العامة في زمن الحرب، مُجادلا: “في هذا الوقت العصيب تحديداً، وبينما نحن في أمسّ الحاجة إلى الخلاص من القدير، عندما يتقدم شخصان ويرغبان في الفصل في المسائل المالية وفقاً لأحكام التوراة وبموافقة متبادلة، فما العيب في ذلك؟”

جاءت تصريحات غافني متسقة مع المذكرات التفسيرية للقانون، والتي جادلت بأن الإسرائيليين المتدينين بحاجة إلى “حل النزاعات حصرا في محاكم تحكم وفقاً للشريعة اليهودية”، وأن السماح بذلك “يتماشى مع مبدأ التعددية القضائية، الذي يوجب على الدولة تزويد الفئات السكانية ذات الخصائص الفريدة بأدوات لفض النزاعات عبر وسيلة قانونية بديلة مقبولة لمجتمعاتهم”.

وصرح رئيس لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست، سيمحا روتمان (حزب “الصهيونية الدينية”)، بأن إقرار القانون “شرف عظيم للكنيست”، واصفاً إياه بأنه “تصحيح لظلم دام سنوات طويلة”.

وأضاف روتمان: “إنه اقتراح بسيط وواضح كان ينبغي أن يحظى بموافقة الجميع، لأنه لا يوجد ما هو أكثر ليبرالية من السماح لشخصين بالغين بالتعبير عن رغبتهما في مناقشة مسألة خلاف بينهما بالتراضي وفقاً لأحكام الشريعة اليهودية”.

وفي العام الماضي، أقر الكنيست قانوناً مماثلاً، موسعاً صلاحيات المحاكم الحاخامية للبت في قضايا نفقة الأطفال.

اقرأ المزيد عن