بحث
مذكرة مراسل"تايمز أوف إسرائيل" في جنوب غزة

في إنتظار توجه سكان غزة جنوبا، إسرائيل تجهز مواقع مساعدات جديدة في رفح

الجيش الإسرائيلي يقوم ببناء موقعي مساعدات جديدين لـمؤسسة غزة الإنسانية في جنوب غزة، في توسيع للبرنامج المثير للجدل الذي قدم أكثر من 150 مليون وجبة، وشهد فوضى قاتلة

رفح، قطاع غزة – على بُعد أميال داخل غزة، لا تُسمع أصوات حرب.

لكنها تبدو بالتأكيد كساحة حرب. لم يبقَ أي مبنى تقريبًا في رفح، وما كانت مدينة يسكنها قرابة 200 ألف نسمة قبل عامين أصبحت الآن أرضًا رملية قاحلة، تكسوها الخرسانة المتهدمة، وتنتشر فيها قطعان من الكلاب الضالة التي تشم بشراهة حول الأنقاض.

لكن هنا، يبدو أن الانفجارات المتكررة وأزيز الطائرات المسيرة، التي عمّت القطاع منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قد ولت.

بناء على عملياتها، تعتقد القوات الإسرائيلية أنها تسيطر سيطرة كاملة على المنطقة. تسير السيارات المدنية وشاحنات النقل على طول محور فيلادلفيا على الحدود مع مصر، وتتوقف عند قواعد عسكرية فيما كان يُعرف سابقا بحي تل السلطان.

يسود هدوء شديد لدرجة أن المرء يسمع صوت الأمواج وهي ترتطم بشاطئ البحر المتوسط ​​على بُعد عشرات الأمتار، خلف خط الأنابيب الأسود الممول من الإمارات العربية المتحدة، والذي يضخ المياه المحلاة من مصر إلى غزة.

لا يكسر هذا الهدوء دوي طلقات الرصاص، بل أصوات معدات البناء. تسحق الحفارات الرمال، وتنقل شاحنات التفريغ التراب والصخور بكآبة من مساحة مستطيلة ضخمة محاطة بسواتر رملية وحواجز خرسانية.

مركبات بناء إسرائيلية في أحد مواقع مؤسسة غزة الإنسانية الجديدة في رفح، 10 سبتمبر 2025. (Lazar Berman/Times of Israel)

حراس أمن أمريكيون ملتحون في سيارتين مدرعتين لونهما أبيض، تحملان الرقمين “4” و”5″، يغادرون المجمع.

تبني إسرائيل موقعين جديدين لتوزيع المساعدات، واللذين، وفقًا للجيش، سيتم تسليمهما إلى مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل في الأيام المقبلة.

دعا الجيش الإسرائيلي الصحفيين لزيارة الموقعين يوم الأربعاء قبل أن يصبحا جاهزين للعمل “بمجرد استيفاء الشروط الأمنية”، على حد تعبير متحدث عسكري.

دروس ما بعد الفوضى

بدأت مؤسسة غزة الإنسانية عملها في مايو/أيار كوسيلة لتوزيع المساعدات متجاوزةً حماس.

ووفقا لإسرائيل، كانت الجماعة تسرق المساعدات في غزة، وتبيعها في السوق السوداء لتمويل أنشطتها، بما في ذلك تجنيد مقاتلين جدد لإعادة بناء قواتها المنهكة. كانت مؤسسة غزة الإنسانية هي الحل الأمريكي الإسرائيلي.

المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف يزور موقع توزيع المساعدات الإنسانية التابع لمؤسسة غزة الإنسانية في الأول من أغسطس/آب 2025. (Steve Witkoff/X)

مع ذلك، واجهت المنظمة ردود فعل عالمية سلبية بسبب الفوضى في نقاط التوزيع ومئات حوادث إطلاق النار شبه اليومية المميتة على الطرق القريبة من مواقع المساعدات. يُشكك الجيش الإسرائيلي في أرقام وزارة الصحة التي تديرها حماس حول عدد القتلى، على الرغم من أنه زعم أن قواته أطلقت طلقات تحذيرية على الحشود.

تُعارض منظمات الإغاثة ومعظم المجتمع الدولي نظام المساعدات الذي تتبعه مؤسسة غزة الإنسانية، لأنه يُلزم سكان غزة بالسير لمسافات طويلة للحصول على صناديق من المواد الغذائية الجافة التي تحتاج إلى تحضير، في وقتٍ يندر فيه وقود الطهي ومعداته في القطاع.

الهدف من الموقعين قيد الإنشاء هو معالجة هذه المشكلات.

يحمل فلسطينيون مساعدات إنسانية تلقوها في معبر رفح أثناء سيرهم في منطقة المواصي في رفح جنوب قطاع غزة في 30 يوليو 2025. (AFP)

صُمم هذين الموقعين لتكون “آمنة قدر الإمكان، وأقصر مسافة ممكنة، للشاحنات والقادمين”، وفقًا لما صرّح به المقدم نداف شوشاني لـ”تايمز أوف إسرائيل”.

يُمكن رؤية الصف الأول من المباني في منطقة المواصي – التي طلبت إسرائيل من المدنيين في مدينة غزة إخلاءها – من كلا الموقعين. وأوضح شوشاني أن الوصول إلى الموقع شمالًا سيستغرق من 5 إلى 10 دقائق سيرًا على الأقدام من حافة المنطقة الإنسانية الساحلية، ولا يستغرق أكثر من 20 دقيقة من الموقع الأقرب إلى الحدود المصرية.

مباني في منطقة المواصي شمال أحدث موقع لمؤسسة غزة الإنسانية في رفح، 10 سبتمبر/أيلول 2025. (Lazar Berman/Times of Israel)

وأضاف شوشاني أن الجيش الإسرائيلي قد تعلم “العديد من الدروس” من إطلاق مواقع مؤسسة غزة الإنسانية الأصلية الأربعة، وهو يطبقها لجعل العملية أكثر أمانًا للمدنيين في غزة وجنود الجيش الإسرائيلي.

وقال إن إسرائيل غيرت “طريقة ترتيب مواقع التوزيع، وطريقة ترتيب قواتنا حولها”. ووعد شوشاني بأن حركة المشاة عبر المواقع ستكون أكثر وضوحًا وسلاسة، وأن التغييرات في موضع وارتفاع السواتر الرملية والجدران الخرسانية ستحمي حراس الأمن الأمريكيين العاملين في مؤسسة غزة الإنسانية.

ويحاول الجيش الإسرائيلي أيضًا تجنب تكرار الحالات منذ مايو التي انحرف فيها المدنيون الجائعون عن الطرق المحددة وتعرضوا لإطلاق النار من قوات الجيش الإسرائيلي.

وقال شوشاني لـ”تايمز أوف إسرائيل” إن هناك أسوارًا وجدرانًا خرسانية جديدة “توضح تمامًا أماكن الطرق، والأماكن الآمنة للذهاب إليها، والأماكن المفترض الذهاب إليها، وتضمن عدم اقتراب الناس من القوات”.

المقدم ناداف شوشاني يتحدث لصحيفة تايمز أوف إسرائيل في موقع جديد لمؤسسة غزة الإنسانية في رفح، 10 سبتمبر/أيلول 2025. (Lazar Berman/Times of Israel)

وأكد أن “جيش الدفاع ليس موجودّا في هذه المواقع. لم يطلق جيش الدفاع النار على أي شخص في تلك المواقع. جيش الدفاع يقاتل الإرهابيين حول تلك المواقع“.

وأقرّ شوشاني بأنه “كانت هناك بعض الحالات التي اقترب فيها مجهولون من قوات جيش الدفاع، واضطرت قوات جيش الدفاع إلى التصدي لهم”.

وقال: “جيش الدفاع لا يستهدف أي شخص يجمع الطعام”.

تغيير جذري في السياسة

إن بناء المواقع الجديدة، وحرص الجيش الإسرائيلي على تسليط الضوء على جهوده الإنسانية في الصحافة الإسرائيلية والدولية، هما نتيجة قرار إسرائيلي كارثي استراتيجيًا جاء بإعلان وقف جميع المساعدات التي تدخل قطاع غزة في مارس/آذار.

قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 2 مارس/آذار: “قررت إسرائيل وقف إدخال البضائع والإمدادات إلى غزة، وهو ما فعلناه على مدار الـ 42 يومًا الماضية. فعلنا ذلك لأن حماس تسرق الإمدادات وتمنع سكان غزة من الحصول عليها”.

لقطة شاشة من مقطع فيديو لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال بيان مصور صدر في 2 مارس 2025. (GPO)

على مدار الشهرين التاليين، تفاقمت الأزمة الإنسانية في غزة بشكل مطرد، مع تزايد الانتقادات الدولية. وبلغت ذروتها في يوليو/تموز عندما أصدرت 28 دولة حليفة غربية، من بينها المملكة المتحدة وأستراليا وكندا وفرنسا وإيطاليا، بيانًا مشتركًا قالت فيه إن الحرب في غزة “يجب أن تنتهي الآن”، مجادلةً بأن معاناة المدنيين “بلغت مستويات غير مسبوقة”.

كما انتشرت روايات عن مجاعة شديدة. وحذرت أكثر من 100 منظمة إغاثة وجماعة حقوق إنسان من انتشار المجاعة الجماعية في غزة. ووقّع مئات الحاخامات حول العالم رسالة تدعو إسرائيل إلى التوقف عن استخدام التجويع كـ”سلاح حرب”. حتى أن النقابة الطبية في إسرائيل أرسلت رسائل إلى كبار مسؤولي الدفاع تطالب بتوفير المعدات الطبية والظروف الإنسانية الأساسية لسكان غزة.

امرأة فلسطينية نازحة تحمم ابنتها في مخيم البريج للنازحين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة في 3 سبتمبر 2025. (Eyad BABA / AFP)

اضطر نتنياهو وحكومته إلى تغيير مسارهما جذريا. تتباهى إسرائيل الآن بالإجراءات الجديدة التي تتخذها للسماح بدخول المساعدات – فترات تهدئة إنسانية يومية، ممرات إغاثة، إنزال جوي، ورفع القيود المفروضة على دخول المساعدات إلى القطاع.

أرادت إدارة ترامب أيضًا توسيع نطاق عمل مؤسسة غزة الإنسانية. وصرح السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في مقابلة أجريت معه في 6 أغسطس/آب، بأنه سيتم توسيع نطاق عمل المؤسسة من ثلاثة مواقع موجودة حاليا إلى 16 موقعا، وأنها ستعمل على مدار الساعة.

وأوضح شوشاني أن توسيع نطاق عملها ليتجاوز خمسة مواقع سيعتمد على قرارات “المجتمع الدولي والقيادة السياسية”.

وأضاف شوشاني أن الموقعين قيد الإنشاء مصممان للعمل على مدار الساعة. وأضاف أنهما سيُقسَّمان إلى منطقتين للتوزيع والتفريغ. وعندما ينفد الطعام في إحدى المنطقتين، يُمكن تحويل مسار المدنيين إلى قسم تُفرِّغ فيه الشاحنات المزيد من الطرود، حيث يبدأون في استلام المساعدات هناك. وفي الوقت نفسه، ستبدأ المزيد من الشاحنات في تجديد الأقسام التي نفدت فيها الإمدادات.

نازحون فلسطينيون يتسلمون طرودًا غذائية من مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة، غرب رفح في جنوب قطاع غزة في 27 مايو 2025. (Photo by AFP)

تقول مؤسسة غزة الإنسانية إنها وزعت أكثر من 161 مليون وجبة منذ بدء عملها في مايو، وحوالي 1.2 مليون وجبة يوم الأربعاء وحده.

صرح جون أكري، المدير التنفيذي للمؤسسة: “لأكثر من 100 يوم، قدّم فريقنا المساعدات للفلسطينيين المحتاجين”، وأضاف: “خلال هذه الفترة، ظل فريقنا ملتزمًا تجاه مَن نخدمهم، وركز على مهمتنا المتمثلة في ضمان وصول المساعدات الأساسية إلى غزة. لم يكن توزيعنا المستمر ممكنًا لولا جهود العاملين في المجال الإنساني الذين يبذلون قصارى جهدهم في هذا العمل يومًا بعد يوم”.

وتابع قائلا: “في حين لا تزال تعقيدات توزيع المساعدات في غزة قائمة، فقد أثبت فريقنا قدرته على التغلب على هذه التحديات باستمرار”، مضيفًا “أواصل توجيه الدعوة لجميع المنظمات الإنسانية للعمل معنا وتقديم الطعام للمحتاجين الفلسطينيين بشكل موثوق”.

في الوقت الحالي، تتجنب منظمات الإغاثة الرئيسية التعاون مع مؤسسة غزة الإنسانية، معتبرةً أنها تنتهك المبادئ الإنسانية.

وقال شوشاني: “إنها عملية ناجحة للغاية حاليًا. هناك الكثير من الأشياء الجيدة التي تحدث، ويتم توزيع الكثير من الطعام في المنطقة.”

أكوام من طرود المساعدات الإنسانية تنتظر استلامها على الجانب الفلسطيني من معبر كرم أبو سالم في قطاع غزة، الخميس 24 يوليو/تموز 2025، خلال جولة إعلامية نظمها الجيش الإسرائيلي. (AP Photo/Ohad Zwigenberg, file)

وقال إن إسرائيل لا تضع أي قيود على كمية الطعام الداخل إلى غزة، “بل تضمن فقط أنها آمنة، وخالية من الأسلحة”.

بعد ذلك، أعاد الجيش الصحفيين إلى مركبات قيادة الجبهة الداخلية، وانطلق متجاوزا معبر رفح المدمر في رحلة العودة التي استغرقت عشر دقائق إلى إسرائيل. وحلّ محل بقايا رفح صفّان من الجدران الحدودية، وأُعيد بناؤها لتحل محلّ الحاجز الذي اخترقته حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

في إسرائيل، كان جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي يستعدون للعودة إلى غزة، بينما كانت الجرارات تُثير الغبار في حقول الكيبوتس التي داس عليها المسلحون الغزاة قبل عامين.

اقرأ المزيد عن