بحث
مقال رأي

سقوط نظام آيات الله… عدالة شعرية مريرة لـ 7 أكتوبر، لكنه ليس مضمونا

قبل 27 شهرًا، سعت حماس لتدمير إسرائيل، بدعم وابتهاج من الجمهورية الإسلامية. والآن، يواجه هذا النظام خطر الانهيار بينما يرتكب المجازر بحق مواطنيه. فكيف ومتى سيفي ترامب بوعده بتقديم المساعدة؟

دافيد هوروفيتس

دافيد هوروفيتس هو المحرر المؤسس لتايمز أوف اسرائيل. وقد كان رئيس هيئة التحرير في جروزالم بوست (2004-2011) والجروزالم ريبورت (1998-2004) وهو ايضا المؤلف لكتاب "الحياة الساكنة مع مفجرين" (2004) "واقرب من قريب الى الله" (2000) كما وانه شارك في كتابة "وداعا صديق: حياة ووصية اسحاق رابين" (1996)

تُظهر هذه اللقطة المقتبسة من مقاطع فيديو تم تصويرها بين 9 و11 يناير 2026، والمتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُزعم أنها صور من داخل مشرحة تضم عشرات الجثث والمشيعين في أعقاب حملة قمع دامية في ضواحي العاصمة الإيرانية، وتحديداً في منطقة كهريزك بمحافظة طهران.  (UGC via AP)
تُظهر هذه اللقطة المقتبسة من مقاطع فيديو تم تصويرها بين 9 و11 يناير 2026، والمتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُزعم أنها صور من داخل مشرحة تضم عشرات الجثث والمشيعين في أعقاب حملة قمع دامية في ضواحي العاصمة الإيرانية، وتحديداً في منطقة كهريزك بمحافظة طهران. (UGC via AP)

تُعتبر الاحتجاجات الحالية ضد النظام في إيران الأكبر منذ عام 2009، عندما خرجت الجماهير إلى الشوارع تنديدا بتزوير إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد على حساب منافسه، رئيس الوزراء الأسبق والإصلاحي نسبيا مير حسين موسوي، الذي لا يزال رهن الإقامة الجبرية حتى يومنا هذا. ويتم قمع هذه الاحتجاجات بعنف قد يكون غير مسبوق منذ استيلاء آيات الله على السلطة عام 1979، حيث أُفيد بمقتل ما بين 2500 و5 آلاف و12 ألف شخص برصاص قوات النظام، إضافة إلى إصابة عشرات الآلاف.

وقد بدأت الاحتجاجات بدوافع اقتصادية، لكنها اتسعت لتتحول إلى ما يقر النظام نفسه بأنه تهديد لحكمه. وفي محاولة لإخفاء الفظائع التي يرتكبها عبر إغلاق الإنترنت، تحرك النظام ليقمع شعبه المحتج بلا رحمة ويقوم بذبح مواطنيه جماعيًا.

وكما في عام 2009، يتطلع المحتجون إلى المجتمع الدولي طلبًا للدعم، ولا سيما إلى الولايات المتحدة. ففي يونيو 2009، صرّح الرئيس آنذاك باراك أوباما بلهجة جادة قائلًا: “عندما أرى عنفًا يُمارس ضد متظاهرين سلميين، وعندما أرى قمعًا للاحتجاج السلمي… فإن ذلك يثير قلقي ويثير قلق الشعب الأمريكي”. لكنه لم يقدّم أي مساعدة عملية.

أما الرئيس الحالي دونالد ترامب، فقد حذّر النظام خلال الأيام الماضية من أنه إذا بدأ بإطلاق النار على مواطنيه “فسنبدأ نحن بإطلاق النار”، وهدد يوم الثلاثاء باتخاذ “إجراء قوي جدًا” إذا بدأ النظام بتنفيذ عمليات إعدام. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، يفعل نظام آيات الله وقواته الأمنية بالضبط ما حذرهم الرئيس من فعله، متجاهلين تهديداته بلا اكتراث، بينما لم يتخذ ترامب أي إجراء ردًا على ذلك بعد.

تُظهر هذه اللقطة من مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي متظاهرين يرقصون ويهتفون حول نار مشتعلة وهم يخرجون إلى الشوارع على الرغم من تصاعد حملة القمع في ظل استمرار عزلة الجمهورية الإسلامية عن بقية العالم، في طهران، إيران، 9 يناير 2026. (UGC via AP)

لا شك في ضرورة زوال النظام القاتل في إيران. فهو نظام جشع أيديولوجيا وإقليميا، يروّج لنسخة متطرفة من الإسلام تشبه عبادة الموت.

إنه يحرض على الإرهاب ويموّله في أنحاء العالم. وقد أنشأ حزب الله في محاولة لتدمير إسرائيل من الشمال. وسلح وموَّل حركة حماس، مشاركًا معها الهدف نفسه المتمثل في تدمير إسرائيل من الجنوب. وقد قطع شوطًا كبيرًا نحو امتلاك قدرة على إنتاج سلاح نووي. وكانت ترسانته من الصواريخ الباليستية قد تحولت إلى تهديد وجودي لإسرائيل قبل أن تعيد حرب الأيام الاثني عشر في الصيف إرجاعها إلى الوراء، لكنه سرعان ما استأنف التصنيع بعدها. كما سعى باستمرار إلى توسيع مدى صواريخه ليشمل أوروبا، وعلى أمل أن يصل في نهاية المطاف إلى أمريكا الشمالية. إنه المحرّك الرئيسي لعدم الاستقرار العالمي. وفي هذه اللحظة، يوجّه سلاحه إلى شعبه نفسه، ذلك الشعب المقموع والمفقر والأسير.

ينظر العاملون في مستشفى سوروكا في بئر السبع إلى الأضرار التي لحقت بالمستشفى في أعقاب ضربة صاروخية إيرانية، 19 يونيو 2025 (X screenshot; used in accordance with clause 27a of the copyright law)

ربما لم يسبق أن كان هذا النظام عرضة للهزيمة كما هو اليوم، في شرق أوسط شهد تسارعًا في تحولات هائلة ومفاجئة منذ أن هاجمت حماس إسرائيل قبل 27 شهرًا: فقد باغتت أحداث 7 أكتوبر 2023 إسرائيل وهي في حالة يرثى لها من عدم الاستعداد، ولا تزال تعيش واقعًا جديدًا يتسم بالصدمة والانكسار، وإن كانت تستعيد عافيتها وتتسم بقدرة عنيدة على الصمود؛ تعرّض حزب الله لتقويض جذري بضغطة زر؛ أُطيح ببشار الأسد بين ليلة وضحاها تقريبًا… لكن التخلّص من حكم آيات الله، حتى في هذه المنطقة المضطربة ومع استعداد الإيرانيين للمخاطرة بحياتهم لمواجهة حكّامهم، ليس أمرًا سهلًا ولا مضمونًا.

في خطابه الأخير في ديترويت مساء الثلاثاء، والذي سادته نبرة تفاؤل ملحوظة، خصص ترامب جملًا قليلة فقط ضمن خطاب مطول للغاية للحديث عن مصير إيران وقدرته على التأثير فيه.

وفي معرض استعراضه لقائمة من التدخلات العسكرية الخارجية، شدد على أن كلًا منها نُفذ تمامًا كما كان مخططًا له.

“لقد قضينا على البغدادي [زعيم تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل نفسه خلال غارة أمريكية في 2019]: كان التنفيذ مثاليًا”.

“لقد قضينا على [قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم] سليماني [الذي قُتل في غارة أمريكية بطائرة مسيرة عام 2020]: كان التنفيذ مثاليًا”.

وكرر ”لقد أنجزنا كل شيء: بشكل مثالي“، مضيفًا ”أريد أن أستمر على هذا النحو أيضًا“.

وهنا يكمن التحدي.

حتى وقت كتابة هذه السطور، لم يشر ترامب إلى الكيفية التي ينوي بها تقديم المساعدة التي وعد المتظاهرين مرارًا وتكرارًا بأنها ”في طريقها إليهم“. ويبدو أنه قد وضع جانبًا حديثه الأولي عن الدبلوماسية، مدركًا على ما يبدو أن استعداد النظام المعلن للتخلي الآن عن مطالبته بالحفاظ على حقه في تخصيب اليورانيوم ما هو إلا محاولة لكسب الوقت.

هل هو على وشك خوض حرب ضد الحرس الثوري وقوات الباسيج، الذين يُعدون بمئات الآلاف؟ بحكم التعريف، لن تكون مثل هذه الحرب مثالية.

تُظهر هذه الصورة، التي نشرها المكتب الإعلامي للجيش الإيراني في 7 يناير 2026، طلاب الأكاديمية العسكرية يستمعون إلى قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي (غير ظاهر في الصورة) وهو يتحدث في طهران. (Iranian Army Media Office / AFP)

هل سيستهدف رموز النظام ليؤكد عجزه؟ هل سيسعى إلى القضاء على أعضاء القيادة؟ هل سيختار ضرب البنية التحتية للطاقة، وهو أمر من غير المرجح أن يغير قواعد اللعبة؟ هل سيركز على برنامج الصواريخ المتجدد، على الرغم من أن هذا قد لا يكون كافيا لردع النظام عن مواصلة القتل؟

في هذه الصورة التي نشرها الموقع الرسمي لمكتب المرشد الأعلى الإيراني، يظهر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وهو يتحدث في اجتماع عقد في العاصمة الإيرانية طهران، يوم السبت 3 يناير 2026. (Office of the Iranian Supreme Leader via AP)

كيف سيوازن بين التدخل والمخاوف من أن يؤدي ذلك إلى صراع طويل الأمد، قد يجر إسرائيل إلى الصراع، وهي التي تستعد حاليًا لمواجهة هجوم إيراني محتمل، وإن كان ذلك غير مرجح في الوقت الحالي؟

هل هناك المزيد مما يمكن فعله لمواجهة قطع الإنترنت المستمر من قبل آيات الله – ولإبراز الحقيقة المروعة لما يفعله القتلة الذين أرسلهم آية الله علي خامنئي بحق الشعب الإيراني بشكل أكثر جلاء في المجال العام العالمي؟ إن الندرة النسبية لمقاطع الفيديو التي توثق المجازر تساهم في حالة اللامبالاة النسبية لدى جزء كبير من المجتمع الدولي، وبالتالي القيادات السياسية في العالم.

وبالطبع، فإن اللامبالاة تتسع لأن هذه الحالة تتعلق بمسلمين يقتلون مسلمين – لا يوجد استعمار ظاهر، ولا مضطهدون يهود مزعومون. ولذلك، فإن نظامًا وحشيًا يقتل شعبه على نطاق واسع لا يثير احتجاجات واسعة في الجامعات، بل فقط مظاهرات صغيرة في مراكز المدن، ولا نداءات عاطفية من ممثلي هوليوود، ولا اهتمام كبير في الأمم المتحدة، وبالطبع لا اعتراف متأخر بأن إيران والوكلاء الذين يحاولون القضاء على إسرائيل قد يكونون على الجانب الخطأ من التاريخ والإنسانية.

هذه ليست حرب إسرائيل، لكن إسرائيل لها مصلحة وجودية في نتائجها. كما أن لديها رغبة شديدة في إقامة علاقة مع إيران مختلفة، حيث أن معظم شعبها ربما لم ينخدع بالتلقين المعادي لإسرائيل الذي مارسه النظام على مدى عقود.

لقد عمل هذا النظام الإيراني، وأذرعه العسكرية، وفيلق الشيطنة في ساحة المعركة الثانية، بلا كلل وبكل ما أوتوا من براعة منحرفة لتدمير الدولة اليهودية – عبر تعبئة الرأي العام العالمي ضد شرعيتنا؛ وتشويه أحداث 7 أكتوبر 2023 وتداعياتها، والسعي لحرمان إسرائيل من حقها في الدفاع عن نفسها؛ واستهداف اليهود؛ وإعادة تعريف الصهيونية ليس باعتبارها حركة لإحياء الوطن التاريخي للشعب اليهودي والحفاظ عليه، بل كقضية إرهابية غير شرعية.

إيرانيون يمرون أمام لوحة إعلانية ضخمة تحمل صورة زعيم حماس المقتول يحيى السنوار في ميدان فلسطين في طهران، في 19 أكتوبر 2024. (AFP)

سيكون من العدالة الشعرية المريرة أن تنتهي سلسلة الأحداث التي بدأها غزو يحيى السنوار لجنوب إسرائيل – أسوأ مذبحة واختطاف لشعبنا في تاريخنا الحديث، والتي شجعها وساعد على حدوثها إلى حد كبير آيات الله وحلفاؤهم – ليس بالقضاء على إسرائيل كما كان مخططا، بل بانهيار الجمهورية الإسلامية الشريرة. (مريرة بالطبع بسبب كل الأرواح التي أُزهقت ودُمرت، وكل الألم والحسرة والدمار).

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في نادي ديترويت الاقتصادي، 13 يناير 2026، في ديترويت. (AP/Ryan Sun)

الشعب الإيراني يقود مرة أخرى جهودًا للخروج من كابوس دام عقودا. والرئيس الأمريكي ملتزم صراحة بحريتهم، ويعدهم بالمساعدة. والعالم ينتظر، مدركا أن آخر ما يريده هو أن يُنظر إليه، على غرار أوباما، كرئيس أضاع فرصة مساعدة إيران على التحرر.

اقرأ المزيد عن