ساعات الحسم: هل نحن أمام تقدم نحو اتفاق نووي جديد، أم عد تنازلي لضربة أمريكية؟
كشرط لمواصلة المحادثات، طالبت الولايات المتحدة طهران بتحديد التنازلات التي هي على استعداد لتقديمها، بيد أنه من المستبعد أن يفي المقترح الإيراني المتبلور بحد المطالب الأدنى لترامب. فهل سيصدر الرئيس حينها أمرا بشن ضربة عسكرية؟ وما هي شدتها المرتقبة؟
من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يزور الموقع الذي سقط فيه صاروخ باليستي إيراني، مما تسبب في أضرار بمعهد "فايتسمان" في رحوفوت، 20 يونيو 2025. (Itai Ron/Pool via Flash90)؛ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد نزوله من طائرة الرئاسة (Air Force One) في قاعدة أندروز المشتركة في ميريلاند في 21 يونيو 2025. (Mandel Ngan/AFP)؛ المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في خطاب متلفز، 13 يونيو 2025. (Office of the Iranian Supreme Leader via AP)
قبيل جولة المحادثات المقررة يوم الخميس بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، ورغم التنسيق الوثيق بين حكومة نتنياهو وإدارة ترامب، تفتقر إسرائيل إلى إجابة واضحة وحاسمة بشأن التوجه النهائي للولايات المتحدة.
وكان التقييم في إسرائيل، منذ بدء المفاوضات الأمريكية الإيرانية في أوائل فبراير، هو أن المحادثات لن تؤتي ثمارها. وبالفعل، استُقبل الإعلان هذا الأسبوع عن جولة إضافية من المفاوضات في إسرائيل بشيء من المفاجأة.
ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة هذه المرة أكثر حزمًا، حيث قدمت للإيرانيين إنذارًا نهائيًا قبل المحادثات: طالبت فيه طهران بتقديم رد تفصيلي بحلول يوم الثلاثاء بشأن التنازلات التي هي على استعداد لتقديمها. وأشارت واشنطن إلى أن القرار النهائي بشأن المضي قدمًا في محادثات الخميس المقررة سيتوقف على طبيعة الرد الإيراني.
ويبدو أن الإيرانيين أخذوا هذا التهديد على محمل الجد؛ فإدراكًا منهم، ربما، بأنهم قد حُصروا بالزاوية، كانوا بصدد تسليم ردهم إلى مسقط عبر علي لاريجاني – وهو الشخص الأكثر قربًا من المرشد الأعلى، مما يعني ظاهريًا تقديم مقترح جدي يحظى بالموافقة الشخصية لعلي خامنئي.
ووفقًا لتقارير عدة، من المتوقع أن يتضمن العرض الإيراني نقل نصف اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى دولة ثالثة، بينما يتم تخفيف النصف المتبقي على الأراضي الإيرانية، وذلك مقابل رفع جزء كبير من العقوبات الاقتصادية.
ومع ذلك، فمن المشكوك فيه أن يلبي مثل هذا الاقتراح الحد الأدنى من المطالب الأمريكية.
في هذه الصورة التي نشرتها وكالة الأنباء العُمانية الحكومية، يظهر سلطان عُمان هيثم بن طارق (يسار) وهو يصافح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني خلال اجتماعهما في مسقط، عُمان، 10 فبراير 2026. (State-run Oman News Agency via AP)
إذ من شأن ذلك أن يترك لإيران ما يكفي من المواد عالية التخصيب للمضي قدمًا نحو إنتاج قنبلة إذا ما اختارت ذلك، ولتكون بمثابة ورقة مساومة في المستقبل.
ويدرك الإيرانيون ذلك جيدًا، ولهذا السبب يطلبون انضمام رفائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى الاجتماع المحتمل في جنيف يوم الخميس. فغروسي – الذي كان حتى وقت قريب شخصًا غير مرغوب فيه في إيران وكان يحتاج إلى حماية من الأجهزة الأمنية النمساوية — يتم تحويله الآن من قبل الإيرانيين من عبء إلى مكسب.
بالنسبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن إزالة نسبة كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% سيُعد إنجازًا هامًا. فمنذ شهور، يجوب غروسي العالم محذرًا من أنه فيما يتعلق بالرقابة، أصبحت إيران في مرحلة ما بعد “حرب الـ 12 يومًا” ثقبًا أسود أكبر مما كانت عليه قبل النزاع.
إيرانيون يمرون أمام لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة تم تركيبها على مبنى في ساحة انقلاب في طهران في 17 فبراير 2026. (ATTA KENARE / AFP)
هل ستنجح “التنازلات” الإيرانية المحتملة بشأن اليورانيوم المخصب في رجحان الكفة لصالح إبرام صفقة بدلًا من توجيه ضربة أمريكية؟ هذا أمر مستبعد للغاية، وإن كان لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال تمامًا.
يعتمد الأمر في المقام الأول على ما ستقدمه طهران أيضًا، وما إذا كان بإمكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصوير ذلك على أنه استسلام إيراني – وخاصة وأن ذلك يتزامن مع خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ليلة الثلاثاء.
جادل داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق للفرع الإيراني في دائرة البحوث بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والزميل الحالي في معهد دراسات الأمن القومي، يوم الاثنين بأن الإدارة الأمريكية “تعاني من فجوة مفاهيمية عميقة في كيفية فهم كوادرها للنظام الإيراني”.
وأشار سيترينوفيتش إلى أن “طهران تعمل وفق خطوط حمراء محددة جيدًا – خاصة فيما يتعلق ببقاء النظام، وقدرات الردع، والنفوذ الإقليمي”، مضيفًا: “إنها لن تتنازل عن هذه المصالح الجوهرية حتى لو كان الثمن مواجهة عسكرية”.
بمعنى آخر، النظام الإيراني مستعد لصدام عسكري بشرط ضمان بقائه. وفي المقابل، يرى كبار المسؤولين المقربين من الرئيس الأمريكي، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، أن “إعادة خلط الأوراق” فقط – أي توجيه ضربة – هي السبيل الوحيد لجعل القيادة الإيرانية الحالية أكثر مرونة، من خلال إحداث تغييرات داخلية، أو بدلًا من ذلك، إحداث تغيير في القيادة.
إذا تم تنفيذ ضربة تقودها الولايات المتحدة، فإن شدتها ستشير إلى هدفها المقصود: انهيار النظام أو مجرد محاولة لإجباره على التنازل.
ولا تزال إسرائيل تشعر بقلق عميق إزاء احتمال توجيه ضربة محدودة، إذ لا ترى أي ضمانة بأن تؤدي مثل هذه الخطوة إلى تلين المواقف الإيرانية أو إحداث تحول في مفاهيم النظام. بل إن المخاوف في إسرائيل تذهب إلى أن النتيجة قد تكون عكس الهدف المنشود تمامًا، وأنه في حال نجا النظام من الضربة، فقد يخرج منها أقوى مما كان عليه من قبل.