بحث

رهائن سابقون يشاهدون فيلما عن أسرهم أُعيدت كتابته بعد إطلاق سراحهم في مهرجان برلين السينمائي

عُرض فيلم "رسالة إلى دافيد" للمخرج توم شوفال لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2025، لكنه مُنح خاتمة جديدة وعرضا افتتاحيا ثانيا بعد إطلاق سراح دافيد وأريئيل كونيو

الإخوة دافيد وإيتان وأرييل كونيو، من اليسار، يقفون خارج مسرح بابيلون في برلين قبل عرض فيلم وثائقي عن عائلتهم، 20 فبراير 2026. (Toby Axelrod عبر JTA)
الإخوة دافيد وإيتان وأرييل كونيو، من اليسار، يقفون خارج مسرح بابيلون في برلين قبل عرض فيلم وثائقي عن عائلتهم، 20 فبراير 2026. (Toby Axelrod عبر JTA)

برلين، ألمانيا (جيه تي إيه) — وقفوا خارج مسرح “بابيلون” في برلين، ملتفين بملابسهم الثقيلة اتقاءً للبرد، يضحكون ويدخنون السجائر: التوأمان كونيو، دافيد وإيتان، وشقيقهما الأصغر أريئيل.

كان دافيد وأريئيل من بين آخر الرهائن الإسرائيليين الذين أُطلق سراحهم في أكتوبر من أسر حماس، بعد 738 يوما. وبدا وجودهم في برلين – لحضور عرض فيلم عنهما، أُعيد مونتاجه الآن ليحمل نهاية خلاصية — أشبه بظهورٍ طيفي غير واقعي. وعلى الجانب الآخر من بابين زجاجيين ثقيلين، كان المئات من رواد المسرح ينتظرون، وهم الذين ترقبوا هذه اللحظة طويلًا.

كان الشقيقان وعائلتهما الموسعة في برلين لحضور العرض الأول (للمرة الثانية) لفيلم توم شوفال “رسالة إلى دافيد”. وكان الفيلم الأصلي، الذي عُرض عام 2025 في مهرجان برلين السينمائي الدولي، قد غاص في أعماق ظروف عائلة اختُطف أفرادها من كيبوتس نير عوز في 7 أكتوبر 2023. وبحلول ذلك الوقت، كان قد تم إطلاق سراح ستة من أفراد العائلة المختطفين، بمن فيهم ثلاثة أطفال، لكن دافيد وأريئيل ظلا في الأسر.

وقال شوفال أمام جمهور غفير ملأ قاعة المسرح الواقع في ما كان يُعرف ببرلين الشرقية.: “في العام الماضي، وقفتُ قبل العرض وأنا أحمل ملصقاً لدافيد وأريئيل. كنتُ عازماً، في كل مرة أعرض فيها الفيلم، على القول إنه عملٌ لم يكتمل بعد”.

وتابع: “والآن أنا أقف هنا. دافيد موجود بين الجمهور، وأريئيل موجود بين الجمهور. هذه لحظة ثمينة للغاية”.

وقال دافيد كونيو باللغة العبرية، وهو واقف على المسرح مع عائلته الموسعة، إن الفيلم “شهادة على الحب والأمل وجميع الأشخاص الذين لم يستسلموا خلال السنتين اللتين قضيتُهما في الأسر. لقد منحتموني صوتا عندما لم أتمكن من الحضور. لقد كنتم هناك من أجلي”.

صانع الأفلام توم شوفال، يساراً، مع منتجي فيلم “رسالة إلى دافيد” ألونا ريفوا وروعي باريكيت، من شركة “Green Productions” خلال عرض الفيلم عن الرهينة دافيد كونيو في 16 فبراير 2025 (Courtesy)

جاء العرض الثاني للفيلم في وقت تسببت فيه التوترات بشأن الحرب في غزة ودعم ألمانيا لإسرائيل في اضطراب في مهرجان برلين السينمائي. وبعد أن تجاهل رئيس لجنة التحكيم، المخرج فيم فيندرز، دعوة أحد الصحفيين للمهرجان لاتخاذ موقف ضد إسرائيل، أعلنت الكاتبة الهندية أرونداتي روي أنها لن تحضر المهرجان، ووقًع حوالي 80 من صانعي الأفلام والنجوم على رسالة مفتوحة احتجاجًا على ذلك.

وأصدرت مديرة المهرجان تريشيا تاتل بيانا قالت فيه: “لا ينبغي توقع قيام الفنانين بالتعليق على جميع النقاشات الأوسع حول ممارسات المهرجان السابقة أو الحالية التي لا يملكون السيطرة عليها. كما لا ينبغي توقع تحدثهم عن كل قضية سياسية تُطرح عليهم ما لم يرغبوا في ذلك”.

واصل الصحفيون وصناع الأفلام إثارة القضية، حتى في عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة من المهرجان، عندما ردّ بعض الفائزين بالجوائز – بمن فيهم المخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب، الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي طويل – على لجنة تحكيم المهرجان، منتقدين ما يعتبرونه دعمًا عامًا من ألمانيا لإسرائيل. وقد دفعت مزاعم الخطيب بأن ألمانيا “شريكة في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة” وزيرا ألمانيا إلى الانسحاب من حفل توزيع الجوائز يوم الأحد.

المخرج عبد الله الخطيب، يساراً، وتقي الدين إسعاد يحملان العلم الفلسطيني بعد تسلم جائزة “GWFF” لأفضل عمل أول عن فيلم “وقائع زمن الحصار” (Chronicles from the Siege)، خلال حفل توزيع جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي “برلينالي”، في برلين، ألمانيا، 21 فبراير 2026. (Ebrahim Noroozi/ AP).

وعلى النقيض من ذلك، كان عرض فيلم “رسالة إلى دافيد” يوم الجمعة أشبه باحتفالية محبة غامرة، وبدا أن سيارتي الشرطة في الخارج وعناصر الشرطة بزيهم الرسمي الذين كانوا يتجولون في الداخل لم يجدوا الكثير ليفعلوه. وقبل بدء العرض، وقف الجمهور بأكمله في تحية حارة وتصفيق طويل للعائلة بأكملها.

وقالت نيريت بيالر، وهي إسرائيلية تعيش في برلين منذ سنوات، في مقابلة: “أعتقد أن هذا جزء من التاريخ. مجرد رؤية العائلة، ومتابعة قصتها في وسائل الإعلام، والذهاب إلى ساحة المختطفين في إسرائيل في كل مرة كنت هناك في العامين الماضيين: واو، أنا عاجزة عن الكلام”.

“أظهرت النهاية الأصلية للفيلم التوأمين دافيد وإيتان كونيو كممثلين، وهما يتصارعان في عناق يجمع بين الرقة والعنف، وذلك في مشهد من فيلم شوفال الروائي “شباب” (Youth)، الذي عُرض في مهرجان برلين عام 2013.

تنتقل تلك النهاية الآن بسلاسة إلى خاتمة جديدة، تظهر فيها عائلة كونيو وقد التأم شملها وهي تتبادل العناق. كما يظهرون وهم يشاهدون الفيلم معًا، حيث يلتقط شوفال ببراعة تعابير وجوههم بينما تنعكس عليهم أشعة جهاز العرض من الخلف.

وقال شوفال في مقابلة أنه لم يغير أي شيء في الجزء الأول من الفيلم. وأضاف: “أردت أن أتركه ككبسولة زمنية، بطريقة ما، لكيفية رؤيتنا للأمر قبل عام”.

وعلى الرغم من دعوته ليكون مع العائلة في لحظة لقائهم، إلا أنه اختار عدم القيام بذلك، موضحًا: “اعتقدت أنها لحظة تخصهم ولا تخصني”.

لكنه تحدث مع دافيد بعد وقت قصير من إطلاق سراحه. وبعد ذلك بوقت قصير، زار شارون ودافيد كونيو في منزلهما. وقال: “جئت في الصباح وجلسنا حتى غروب الشمس معًا وتحدثنا. حتى عندما أفكر في الأمر الآن، أشعر بالتأثر، لأنه كان حقًا…” ثم صمت قليلًا وأضاف: “أنت تنتظر لحظة كهذه لفترة طويلة جدًا”.

لم يكن عرض يوم الجمعة جزءاً رسميًا من مهرجان برلين السينما، لكن مديرة المهرجان تاتل حرصت على اعتلاء المسرح بنفسها. وقالت للجمهور إن الفيلم “اكتمل بالطريقة التي كان توم يأملها ويحلم بها ويعتقد أنه سيتمكن من إنهائه بها”.

وأضافت: “لقد شعرنا بالرعب مع العالم ومعكم جميعًا عندما اختطفت حماس دافيد كونيو والعديد من أفراد عائلته”. وعند إطلاق سراحهم “فرحنا مع الجميع أيضًا”.

ومع قولها إن النسخة الجديدة اكتملت في وقت متأخر جدًا بحيث تعذر إدراجها في جدول المهرجان، شكرت تاتل شركتي إنتاج مشترك تعملان بشكل وثيق مع فنانين إسرائيليين لدعمهما عرض يوم الجمعة، وهما “غرين برودكشنز” ومقرها إسرائيل، و”صندوق فيوتشر ناراتيف” ومقره برلين.

وبدا أن الجمهور كان متردداً في مغادرة المسرح بعد العرض، حيث ظلوا يتجاذبون أطراف الحديث حول ما وصفه البعض بأنه مزيج من السعادة والقلق.

وعلق كونستانتين، الذي كان قد شاهد النسخة الأصلية العام الماضي، قائلاً: “إن حقيقة قدرة دافيد على مشاهدة الفيلم تجعلنا نرى الفيلم بطريقة مختلفة”. وطلب الممثل اليهودي الشاب المقيم في برلين عدم استخدام اسمه الكامل، بسبب مخاوف تتعلق بمعاداة السامية، وأضاف: “مع هذه النهاية، يبدو الأمر وكأن الدائرة قد أُغلقت واكتملت”.

وقالت جوليا كوب، وهي من سكان برلين والتي شاهدت الفيلم أيضًا العام الماضي، إن مشاهدة الفيلم مرة أخرى مع حضور عائلة كونيو “كانت مشجعة وسعيدة للغاية”. وأضافت: “لكن في الوقت نفسه، إنها ليست نهاية سعيدة تمامُا… لدي أيضًا غصة في قلبي”، معبرة عن قلقها بشأن “كيفية استمرار الحياة بالنسبة لهم”.

الرهينتان المحرران ديفيد (يسار) وأرييل كونيو في مروحية في طريقهما إلى مركز شيبا الطبي بعد إطلاق سراحهما من غزة في 13 أكتوبر 2025. المكتوب على السبورة البيضاء: “شكراً لشعب إسرائيل على القتال من أجلنا”. سيلفيا كونيو تظهر في اليمين. (IDF)

وأشار كلا الأخوين إلى أن الاندماج مجددًا في الحياة اليومية كان تحديًا كبيرًا بعد عامين من الأسر بالنسبة لهما، وعامين من الجهود والمطالبات التي عاشتها عائلتهما تحت وطأة الصدمة. وقد تمكن أريئيل كونيو وشريكته أربيل يهود — التي ظلت رهن الأسر حتى يناير — من جمع ما يقرب من 1.8 مليون دولار منذ إطلاق حملة تمويل جماعي الأسبوع الماضي، تهدف إلى منحهما الوقت والمساحة اللازمين لـ “العودة إلى الحياة”.

وجاء في حملة تمويل جماعي أُطلقت لصالح دافيد وشارون كونيو وابنتيهما التوأم، وهنَّ أيضًا رهينتان سابقتان: “لا يقتصر الأمر على وجوب تعامل العائلة مع الصدمة التي تلي الأسر وأحداث السابع من أكتوبر فحسب، بل إنهم بحاجة أيضًا إلى إعادة بناء حياتهم بالكامل من الصفر”.

وقال شوفال إن الفيلم – وهذا العرض – قدّم رؤية لما يمكن أن يبدو عليه مستقبل أكثر استقرارًا.

وأضاف شوفال: “بالنسبة لي، يتناول الفيلم وحدة الأخوة؛ وماذا يعني أن يُنتزع الإخوة من بعضهم البعض، ومعنى أن يعودوا مجددًا”، وتابع قائلًا: “الآن، يمكنهم الجلوس في المسرح ورؤية أنفسهم. يمكنهم رؤية ما فاتهم، وما الذي حدث. يمكنهم إسقاط مشاعرهم وتأملاتهم على الماضي والحاضر. أشعر أن هذه هي قوة السينما، وقد بدا من الطبيعي بالنسبة لي أن أفعل ذلك: أن أعيدهم”.

اقرأ المزيد عن