بحث
مقابلة

رئيس المخابرات السعودية السابق لـ”تايمز أوف إسرائيل”: الرياض ستنظر في التطبيع عندما تتصرف إسرائيل بشكل طبيعي

في تصريح نادر جدا لوسيلة إعلام إسرائيلية، قال الأمير تركي بن ​​فيصل إن المملكة لن تقيم علاقات مع إسرائيل دون "حل للقضية الفلسطينية يتضمن حل الدولتين"

حضر وزير الاستخبارات السعودي السابق الأمير تركي بن ​​فيصل آل سعود اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في العاصمة السعودية الرياض في 30 مارس 2017. (FAYEZ NURELDINE / AFP)
حضر وزير الاستخبارات السعودي السابق الأمير تركي بن ​​فيصل آل سعود اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في العاصمة السعودية الرياض في 30 مارس 2017. (FAYEZ NURELDINE / AFP)

صرح الأمير تركي بن ​​فيصل، الرئيس السابق لجهاز المخابرات السعودي، لـ”تايمز أوف إسرائيل” يوم الأحد، بأن الرياض لا تفكر حاليًا حتى في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولن تفعل ذلك إلا إذا بدأت القدس بالتصرف “كدولة طبيعية”.

وقال في مقابلة: “المملكة العربية السعودية لا تنظر في اتفاقية تطبيع مع إسرائيل. إذا أصبحت إسرائيل دولة طبيعية تقبل القانون الدولي، فحينها ستنظر السعودية في التطبيع”.

وبينما أدلى الأمير تركي بهذه التصريحات في لقاء نادر مع وسيلة إعلام الإسرائيلية، فإن مضمون تصريحاته يُعد دليلًا آخر على مدى بُعد السعودية، الدولة العربية والإسلامية الرائدة في العالم، عن إقامة علاقات مع إسرائيل، على الرغم من رغبة واشنطن الشديدة في ذلك.

يُعرف عن الأمير تركي تبنيه لهجة أكثر حدة تجاه إسرائيل من لهجة حكومته في السنوات الأخيرة، إلا أن مواقفه تعكس الموقف الرسمي للرياض من العلاقات المحتملة مع الدولة اليهودية.

شغل تركي منصب المدير العام لجهاز المخابرات العامة السعودي من عام 1979 إلى عام 2001، قبل أن يتولى منصب سفير المملكة لدى المملكة المتحدة والولايات المتحدة لفترات أقصر. ومنذ تقاعده من الحياة العامة، يواصل الأمير تركي إسهاماته في الشؤون الدولية، ويشغل حاليًا منصب رئيس مركز البحوث والدراسات الإسلامية التابع لمؤسسة الملك فيصل.

ورغم أن المسؤولين السعوديين يتبنون عمومًا سياسة عدم التواصل مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد وافق الأمير تركي على الإجابة عن سلسلة من الأسئلة المتعلقة بآفاق اتفاقية تطبيع محتملة بين الرياض والقدس.

أشخاص يمرون أمام لوحة إعلانية إلكترونية تظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على اليسار، وهو يصافح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع عبارة: “نحن مستعدون”، في تل أبيب، 3 فبراير 2025. (AP Photo/ Ariel Schalit)

تحديد “مسار” نحو إقامة الدولة

ردًا على سؤال حول توضيح الشروط المحددة التي تضعها الرياض لإقامة علاقات مع إسرائيل، في ظل تصريحات بعض المسؤولين السعوديين حول ضرورة إقامة دولة فلسطينية، بينما أصرّ آخرون على “مسار” نحو حل الدولتين، قال الأمير تركي إنه “لا يوجد أي تناقض”.

وأضاف: “إن تحقيق حل الدولتين يتطلب مسارًا جادًا وموثوقًا يقود إلى الهدف النهائي، ألا وهو إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، كما نصّت عليه مبادرة السلام العربية لعام 2002، ورؤية السلام المطروحة للتسوية النهائية لهذا الصراع الممتد في تلك المبادرة”. وأشار إلى المقترح المدعوم سعوديًا لحل الدولتين القائم على حدود ما قبل عام 1967، إلى جانب حل “عادل ومتفق عليه” لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهي شروط رفضتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

واستطرد قائلًا: “كان تطبيع العلاقات مع إسرائيل مشروطًا بالتوصل إلى حل نهائي وعادل للقضية الفلسطينية. ولذلك، فإن تصريحات السعودية بشأن ’المسار’ تعني ضرورة وجود عملية سلمية موثوقة تفضي إلى هذا الحل النهائي، مع إدراك أن هذه العملية تتطلب مشاركة العديد من الدول الدولية والإقليمية، بما فيها السعودية، للمشاركة فيها”.

وأضاف: “كان هذا هو الحال بعد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط عام 1991، عندما انخرطت السعودية، إلى جانب دول عربية أخرى، في تلك العملية. ولكن للأسف، ذهبت كل الجهود سدى. لم تكن إسرائيل مستعدة لدفع ثمن السلام. فقد اغتيل رجل السلام في إسرائيل آنذاك، وسُمِّم شريكه من الجانب الفلسطيني”، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتسحاق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية السابق ياسر عرفات، الذي تزعم إسرائيل أنه دبر الانتفاضة الثانية.

وبينما يتهم الفلسطينيون إسرائيل منذ فترة طويلة بتسميم عرفات، نفت القدس هذه الادعاءات بشكل قاطع. ولم تُؤكد أيٌّ من التحقيقات المستقلة التي أجرتها فرق الطب الشرعي السويسرية والفرنسية والروسية بشكل قاطع أن وفاة مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية عام 2004 عن عمر ناهز 75 عامًا كانت نتيجة تسمم.

وتسعى إدارة ترامب إلى تجاوز هذه الخلافات التاريخية، وتأمل أن تنضم السعودية قريبًا إلى اتفاقيات أبراهيم، وهي سلسلة من اتفاقيات التطبيع التي توسطت فيها إدارة ترامب عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون، في الوسط، ينظر إلى المصافحة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي يتسحاق رابين ، على يسار الصورة ، وزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو 2 في واشنطن، 28 سبتمبر ، 1995.(AP Photo/Doug Mills, File)

لكن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، رفض الفكرة خلال اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض الشهر الماضي.

وقال ولي العهد: “نريد أن نكون جزءًا من اتفاقيات إبراهيم، لكننا نريد أيضًا ضمان مسار واضح نحو حل الدولتين”.

وقد أضاف المسؤولون السعوديون بين الحين والآخر شروطًا إضافية إلى “المسار” الذي يسعون إليه لإقامة دولة فلسطينية، مثل ان يكون “محدد زمنيًا” أو “غير قابل للتراجع”.

وقال الأمير تركي، متحدثًا عن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي سعت جاهدةً لإحباط إمكانية إقامة دولة فلسطينية بحجة أنها ستشكل تهديدًا أمنيًا: “للأسف، في ظل العقلية السائدة في إسرائيل اليوم، كل خطوة نحو السلام قابلة للتراجع وليست ’محددة زمنيًا’”.

وقال رئيس المخابرات السعودية السابق: “إن السلوك العدواني الإسرائيلي في المنطقة – في غزة والضفة الغربية، وفي سوريا، وفي لبنان – وتراجعها عن التزاماتها بوقف إطلاق النار خلال حرب غزة، وتراجعها عن التزامها الشفهي باتفاقيات ابراهيم بشأن عدم تغيير الوضع على الأرض، إلى جانب تصريحاتها حول إسرائيل الكبرى، لا يدعو إلى الثقة بإسرائيل”.

وقد دافعت إسرائيل عن ضرباتها في غزة بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول، بحجة أنها جاءت في معظمها ردًا على انتهاكات حماس. وأقامت قواتها مناطق عازلة داخل سوريا ولبنان، تقول القدس إنها ضرورية لتأمين حدود إسرائيل الشمالية. ووافق نتنياهو على تجميد خطط ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية مقابل اتفاقيات ابراهيم لتطبيع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، لكن المنتقدين يرون أن إسرائيل اتخذت منذ ذلك الحين خطوات كبيرة لتعزيز سيطرتها خارج الخط الأخضر، وهو ما يُعد ضمًا فعليًا.

وأضاف الأمير تركي: “إن كسب الثقة يتطلب من إسرائيل أن تتصرف وفقًا لقواعد ومعايير القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي وأن تلتزم بها”.

الرئيس دونالد ترامب يلتقي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في واشنطن. AP Photo/Evan Vucci)

لن تخضع لضغوط ترامب

ردًا على سؤال حول ما إذا كانت الرياض تُخاطر بإغضاب ترامب والإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة برفضها تطبيع العلاقات مع إسرائيل، أجاب الأمير تركي بأن المملكة الخليجية “تبني سياستها الخارجية على مصالحها الوطنية، لا على رغبات وضغوط الآخرين”.

وادعى رئيس المخابرات السابق: “أعلن الأمير محمد بن سلمان الموقف السعودي في البيت الأبيض بحضور السيد ترامب، ولم يُبدِ السيد ترامب أي انزعاج من تصريحات الأمير محمد”.

وأفادت القناة 12 بأن الرئيس الأمريكي شعر “بخيبة أمل وغضب” بعد نقاش “متوتر” مع الأمير محمد حول هذا الموضوع خلال الجزء المغلق من اجتماعهما في البيت الأبيض.

كما رفض الأمير تركي بشكل قاطع فكرة أن الرياض كانت على وشك تطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي أشعل فتيل حرب غزة التي استمرت لأكثر من عامين.

وأكد الأمير تركي أن “كل التكهنات حول التطبيع قبل السابع من أكتوبر كانت مجرد أمنيات من جانب مصادر مؤيدة لإسرائيل، معظمها إسرائيلية أو أمريكية”.

وأضاف “مع ذلك، فإن المملكة العربية السعودية مستعدة دائمًا للحوار حول السلام في الشرق الأوسط وشروطه. وموقفها هو رفض التطبيع دون حل سلمي للقضية الفلسطينية، بما في ذلك حل الدولتين”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في فعالية بمناسبة عيد الأنوار (حانوكا) في بيت شيمش في 14 ديسمبر 2025. (Amos Ben Gershom/GPO)

مع ذلك، صرّح بن سلمان قبل أسابيع من السابع من أكتوبر بأننا “نقترب يومًا بعد يوم” من تطبيع السعودية علاقاتها مع إسرائيل، موضحًا أن القضية الفلسطينية لا تزال عنصرًا “بالغ الأهمية” في هذه العملية.

كما كشف “تايمز أوف إسرائيل” هذا الشهر أن الولايات المتحدة والسعودية توصلتا إلى تفاهمات عشية هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، بشأن التنازلات التي سيتعين على إسرائيل تقديمها للفلسطينيين مقابل تطبيع الرياض علاقاتها مع القدس.

السلطة الفلسطينية ليست هي المشكلة

ردًا على سؤال حول ما إذا كانت الرياض لا تزال ترى فائدة استراتيجية في العلاقات مع إسرائيل في ظل ضعف إيران ووكلائها الإقليميين، أجاب الأمير تركي: “لا توجد فائدة استراتيجية لتطبيع السعودية علاقاتها مع إسرائيل وهي ليست دولة طبيعية مسالمة تعيش مع جيرانها وفقًا لقواعد وأعراف العلاقات الطبيعية بين الدول”.

كما رفض فكرة أن السلطة الفلسطينية، بقيادة الرئيس محمود عباس – الذي يواجه منذ فترة طويلة اتهامات بالفساد – تُشكل عائقًا أمام اتفاق سلام مع إسرائيل.

وقال الأمير تركي، مرددًا تصريحات أدلى بها وزير سعودي في وقت سابق من هذا الشهر: “أعتقد أن إسرائيل مسؤولة عن فشل السلطة الفلسطينية، لأنها تُسيطر على جميع جوانب الحياة في الأراضي الفلسطينية. لذا، فإن فشل السلطة الفلسطينية ليس مبررًا لتجنب قضايا السلام الحقيقية. يجب على إسرائيل أن تُصلح نفسها بالتخلي عن طموحاتها التوسعية والسعي إلى السلام، لا إلى الهيمنة”.

وأضاف رئيس المخابرات السابق: “المفارقة تكمن في أنه بينما غيّر العالم العربي موقفه من عدم الاعتراف بإسرائيل، غيّرت إسرائيل موقفها من قبول حل الدولتين”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (يسار) يلتقي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض في 27 أغسطس 2024. (Thaer GHANAIM / PPO / AFP)

يُنظر إلى الإسرائيليين عمومًا على أنهم قد اتجهوا سياسيًا نحو اليمين بعد هجوم حماس المدمر في 7 أكتوبر، وبينما يؤكد زعيم المعارضة يائير لبيد دعمه لحل الدولتين، فإن المرشح الأوفر حظًا لإزاحة نتنياهو، رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، يعارض هذا الحل.

وعندما سُئل الأمير تركي عما إذا كان يرى أيًا من البدائل لنتنياهو شريكًا محتملاً للسلام مع السعودية، أجاب: “على من يخلف نتنياهو أن يقبل حل الدولتين. هذا قرار الشعب الإسرائيلي”.

اقرأ المزيد عن