بحث

تحت وطأة الإنتقادات، نتنياهو يسعى جاهدا لتفنيد إدعائه بأن إسرائيل قد تصبح “أسبرطة العظمى”

في مواجهة سيل من الانتقادات لاقتراحه أن الاعتماد على الذات بشكل جذري هو السبيل للمضي قدما، رئيس الوزراء يدعي أن الاقتصاد الإسرائيلي ”أذهل العالم بأسره“ وأصبح أقوى من أي وقت مضى

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحفي في 16 سبتمبر 2025. . (Lazar Berman/The Times of Israel)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحفي في 16 سبتمبر 2025. . (Lazar Berman/The Times of Israel)

ردّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الانتقادات اللاذعة التي وجّهها إليه زعماء المعارضة وقادة الأعمال يوم الثلاثاء، وذلك بعد يوم من اقراره بأن إسرائيل تواجه عزلة متزايدة، وتحذيره من أنها قد تحتاج إلى اقتصاد يعتمد على الذات، يتمتع بـ”خصائص الاكتفاء الذاتي” ويشبه اقتصاد “أسبرطة العظمى”.

في أعقاب تصريحاته يوم الاثنين، وبدء هجوم الجيش الإسرائيلي على مدينة غزة، انخفضت أسهم بورصة تل أبيب. وأعلن منتدى الأعمال الإسرائيلي، الذي يُمثّل عمال 200 من أكبر الشركات الإسرائيلية، “لسنا إسبرطة”، لكن سياسات نتنياهو تدفع البلاد “نحو هاوية سياسية واقتصادية واجتماعية تُعرّض وجودنا في إسرائيل للخطر”. واحتجّ رئيس اتحاد نقابات الهستدروت، أرنون بار دافيد، قائلا: “لا أريد أن أكون إسبرطة… نحن نستحق السلام. المجتمع الإسرائيلي مُنهك، ومكانتنا في العالم سيئة للغاية”.

وأكد نتنياهو للصحافة أنه يثق ”ثقة تامة“ في الاقتصاد الإسرائيلي وأنه كان هناك ”سوء فهم أدى إلى اضطراب سوق الأوراق المالية“.

وصرح في مؤتمره الصحفي مساء الثلاثاء: “لم يُزعزعنا ذلك. والسبب في ذلك هو أن سوق الأوراق المالية – الأسواق – يفهم ما قلت، أي قوة الاقتصاد الإسرائيلي وربحية الاستثمار في إسرائيل. وهذا أمر مهم للغاية لضمان مستقبلنا“.

وقال نتنياهو إن الشيكل أصبح أقوى مما كان عليه قبل الحرب، وأن أداء سوق الأسهم يُسجل مستويات قياسية، وأن البطالة في أدنى مستوياتها التاريخية، وأن هناك تدفقًا كبيرًا للاستثمار الأجنبي إلى إسرائيل مؤخرا.

وسعى إلى توضيح أن تعليقاته يوم الاثنين ركزت على الصناعات الدفاعية وليس الاقتصاد الأوسع. “هناك مجال واحد أشرت إليه يُمكن أن تُفرض فيه قيود بالفعل – ليست اقتصادية، بل سياسية في جوهرها – وهذا ما يحدث في الصناعات الدفاعية”.

وتابع قائلا “صناعاتنا الدفاعية تشهد ازدهارا هائلا. لقد حققت إنجازات هائلة في الصادرات، كمًا ونوعًا، ولكننا واجهنا بالفعل – وقد نواجه مجددا – قيودا سياسية خلال الحرب”.

وأضاف “وإذا كان هناك درس واحد استخلصناه من هذه الحرب، فهو أننا نريد أن نكون في وضع لا نخضع فيه لأي قيود — أن تدافع إسرائيل عن نفسها بقواتها وأسلحتها الخاصة. ولهذا السبب نريد تحقيق الاستقلال الأمني.“

وأكد قائلا: “كانت ملاحظاتي حول محاولة تقييد استيراد القطع أو المكونات أو الأسلحة أو المواد الخام – وهذا في الواقع أمر لا يعمل وفقا لاقتصاديات السوق، بل وفقًا للاقتصاديات السياسية – الحكومات والقادة والسياسات”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعقد مؤتمرا صحفيا في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 16 سبتمبر 2025. (مارك إسرائيل سيليم/بول)

كان نتنياهو قد صرح يوم الاثنين، خلال مؤتمر للمحاسب العام لوزارة المالية في القدس، بأن ”إسرائيل تعاني من نوع من العزلة“.

وأضاف: “سنحتاج بشكل متزايد إلى التكيف مع اقتصاد ذي خصائص الاكتفاء الذاتي”، وتابع قائلاً إن مصطلح الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، المنعزل عن التجارة العالمية، هو ”الكلمة التي أكرهها أكثر من غيرها“.

وقال في المؤتمر: “أنا مؤمن بالسوق الحرة، لكننا قد نجد أنفسنا في وضع تُحاصر فيه صناعاتنا العسكرية. سنحتاج إلى تطوير صناعات الأسلحة هنا – ليس فقط البحث والتطوير، بل أيضًا القدرة على إنتاج ما نحتاجه”.

وأضاف نتنياهو انه في مواجهة سيناريو “أثينا وإسبرطة”، ستكون إسرائيل “أثينا وإسبرطة عظمى”، مستشهدا بالمدينة-الدولة اليونانية القديمة، التي انتهت سيطرتها على اليونان فعليا في القرن الرابع قبل الميلاد. ”لا خيار أمامنا؛ في السنوات القادمة، على الأقل، سيتعين علينا التعامل مع هذه المحاولات لعزلنا“.

اجتذاب اللوم على نطاق واسع

أدت هذه التعليقات الأولية، التي صدرت في الوقت الذي زادت فيه الدول الأوروبية تدريجيًا حظر الأسلحة والعقوبات المفروضة على إسرائيل بسبب الحرب الدائرة في غزة، إلى انخفاض فوري في أسهم سوق الأسهم، ودفعت المعارضين السياسيين ومجموعات صناعة التكنولوجيا الفائقة إلى إلقاء اللوم عليه في وضع إسرائيل المضطرب على الساحة العالمية.

ردا على تصريحات نتنياهو يوم الاثنين، طالب زعيم المعارضة يئير لبيد بمعرفة ما قصده رئيس الوزراء بقوله إن إسرائيل “أصبحت” معزولة.

وتساءل لبيد في خطاب ألقاه في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب “هل تسببت قوة عليا في هذا؟”، مضيفا “أنت السبب في هذا”.

وتابع متهما نتنياهو “أنت السبب الرئيسي في العزلة الدبلوماسية”، مستشهدًا بصمته عندما واجهت إسرائيل انتقادات إعلامية دولية سلبية بعد أن أدلى وزراء من اليمين المتطرف بتصريحات اقترحوا فيها إلقاء قنبلة ذرية على غزة، وأنه قد يكون مبررًا تجويع سكان القطاع.

وأعرب رئيس الحزب “الديمقراطيون”، يائير غولان، عن غضبه على منصة X قائلا إن نتنياهو لا يعرض “لا الأمن ولا الاقتصاد، بل اقتصادًا مكتفٍ ذاتيًا معزولًا عن العالم، في ظل مقاطعة دولية خانقة. المعنى بسيط: انخفاض بنسبة 40% في أجور جميع العاملين في الاقتصاد”.

وكتب: “اقتصاد بلا واردات وصادرات، بلا تكنولوجيا متقدمة، بلا صناعة متقدمة. دولة متخلفة بالكاد تستطيع توفير البيض والحليب والماء لمواطنيها”.

واتهم أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “يسرائيل بيتنو” ووزير المالية الأسبق، نتنياهو بتحويل إسرائيل إلى “دولة من دول العالم الثالث”.

رئيس حزب الديمقراطيين يئير غولان، ورئيس حزب الوحدة الوطنية بيني غانتس، ورئيس حزب يش عتيد يئير لبيد، ورئيس حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان يعقدون مؤتمرا صحفيا مشتركا في الكنيست في القدس، 6 نوفمبر 2024. (يوناتان سيندل/فلاش 90)

وكتب “يريد رئيس وزراء السابع من أكتوبر أن تعتاد إسرائيل على العزلة، وعلى سوق مغلقة، بلا منافسة، وبلا أوكسجين للاقتصاد. هذه ليست خطة عمل؛ هذا استسلام. هذا اعتراف بالفشل”.

“زلة لسان”

صرحت مصادر مقربة من نتنياهو لهيئة البث الإسرائيلية “كان” صباح الثلاثاء أن تصريحه حول “إسبرطة عظمى” إسرائيلية منعزلة كان “زلة لسان”، وأنه كان ينوي الإشارة إلى ضرورة اعتماد إسرائيل على صناعتها الدفاعية الخاصة.

في مؤتمره الصحفي يوم الثلاثاء، زعم نتنياهو، كما فعل في اليوم السابق، أن “الأقليات الإسلامية” هي المسؤولة عن الجهود السياسية الرامية إلى الإضرار بالصناعات الدفاعية الإسرائيلية، مشيرًا إلى الضغط الذي تمارسه على “حكومات أوروبا الغربية”، مما أدى إلى توتر العلاقات مع إسرائيل.

وقال إن عقودًا من الدعاية المنظمة المعادية لإسرائيل قد فاقمت الضغط، الذي “يتجلى في قيود على أجزاء من أنظمة الأسلحة أو على الأنظمة نفسها”.

كما قال انه يجب على إسرائيل “تطوير هذه القدرات بأنفسها، وتسليح نفسها، وضمان امتلاكها القدرة على الدفاع عن نفسها”، حتى لو تطلب ذلك الانتقال مؤقتًا إلى “اقتصاد مركزي مغلق، وهو أمر لا أحبذه عمومًا – فأنا أفضل الأسواق المفتوحة”.

وأضاف: “لكن هنا، أريد اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لبناء صناعة دفاعية قوية ومستقلة. إذا كان هناك درس واحد من هذه الحرب، فهو هذا”.

وادعى نتنياهو أنه تحدث في اليوم السابق مع “مسؤولين من وزارة المالية، ومزارعين، وآخرين”، وناشدهم عدم “تقييد” الاقتصاد الإسرائيلي بالبيروقراطية.

وقال: “نحن نتقدم بخطى ثابتة، سواء في التكنولوجيا الجديدة أو في الإنتاج على نطاق صناعي أوسع بكثير. وللقيام بذلك، أحتاج إلى الحد من البيروقراطية التي تمنعنا من القيام بهذه الأمور… وهذا ما كنت أشير إليه”.

التداعيات المالية

انخفضت بورصة تل أبيب يوم الثلاثاء، حيث انخفض مؤشر TA-125 بنسبة 1.8%. انخفض مؤشر TA-35 للشركات الرائدة بنسبة 1.6%، بينما انخفض مؤشر TA-90، الذي يتتبع الأسهم ذات القيمة السوقية الأعلى وغير المدرجة في مؤشر TA-35، بنسبة 2.3%. وانخفض مؤشر TA-Insurance بنسبة 2.9%.

وصرح يوناتان كاتس، كبير الاقتصاديين في شركة “ليدر كابيتال ماركتس”، لـ”تايمز أوف إسرائيل”: “إن بدء الهجوم على مدينة غزة يُمثل خيبة أمل للمستثمرين، بعد أن دفعت التوقعات بوقف إطلاق نار محتمل مؤشرات أسهم تل أبيب إلى مستويات قياسية في أغسطس”، وأضاف: “يعني الهجوم أن تكاليف الحرب ستستمر، وستكون حاجة إلى زيادة الإنفاق، وسيرتفع عجز الموازنة، وهو ما يؤثر سلبًا على التصنيف الائتماني لإسرائيل”.

وأضاف كاتس: “تتأثر المشاعر السلبية أيضًا بتصريحات نتنياهو حول مواجهة إسرائيل لخطر العزلة وضرورة الاعتماد على الذات، الأمر الذي قد يُسفر بدوره عن تداعيات محتملة على زيادة الإنفاق المالي في قطاع الدفاع”.

بورصة تل أبيب كما شوهدت في 28 أبريل 2025. (ميريام ألستر/FLASH90)

وحذّر منتدى الأعمال الإسرائيلي نتنياهو في وقت سابق من اليوم من أن سياساته تقود البلاد إلى “ركود اقتصادي وسياسي خطير وغير مسبوق… هذه الرؤية، كما طُرحت، ستصعّب علينا البقاء في عالم متطور”.

وأضاف المنتدى: “يُظهر الاقتصاد الإسرائيلي مرونة استثنائية، رغم التحديات الأمنية والسياسية، ولكن ليس إلى الأبد”.

وحثّ المنتدى نتنياهو على “وقف هذه” السياسة، ودعا الحكومة إلى تغيير مسارها فورًا.

وطالب المنتدى: “يجب على الحكومة أن تُنهي على وجه السرعة أطول حرب في تاريخ إسرائيل، وأن تُشجّع على إطلاق سراح جميع المختطفين، وأن تُعلن عن لجنة تحقيق رسمية في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي قادته حماس، وأن تُحدّد موعدًا للانتخابات في القريب العاجل”.

ساهم فريق تايمز أوف إسرائيل في هذا التقرير

اقرأ المزيد عن