بحث
تحليل

السيطرة على جزيرة خرج تُعتبر مفتاحا لفتح مضيق هرمز، إلا أن هناك خيارات أفضل

تتوجه قوات من مشاة البحرية الأمريكية إلى المنطقة في وقت يبحث فيه ترامب عن وسيلة لفتح مضيق هرمز. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن السيطرة على مركز الطاقة الإيراني قد تبدو مغرية، لكنها وسيلة مكلفة وغير مضمونة النتائج للضغط على طهران

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (وسط) يسير للصعود إلى طائرة "آير فورس وان"، 20 مارس 2026، في قاعدة "أندروز" المشتركة، ميريلاند. (AP/Mark Schiefelbein)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (وسط) يسير للصعود إلى طائرة "آير فورس وان"، 20 مارس 2026، في قاعدة "أندروز" المشتركة، ميريلاند. (AP/Mark Schiefelbein)

إن مستقبل الحرب في إيران يتركز بشكل متزايد على مساحة لا تتجاوز حواالي 23 كيلومترا مربعاً من النتوءات المرجانية في الخليج.

تعتبر جزيرة خرج، التي تقع على بعد حوالي 30 كيلومتراً قبالة الساحل الإيراني و500 كيلومتر شمال غرب مضيق هرمز، محطة التصدير لـ 90 بالمئة من شحنات النفط الإيرانية.

وقد تكون هذه الجزيرة أيضاً المسار الذي يراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة فتح المضيق.

وبعد مرور أربعة أسابيع على الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية، أصبح تدفق الطاقة عبر هرمز قضية رئيسية. ومن خلال ضرب وتهديد الملاحة، تحاول إيران رفع التكاليف على الدول في جميع أنحاء العالم وعلى الناخبين الأمريكيين لزيادة الضغط على ترامب لإنهاء الحرب.

وقد يكون ذلك فعالاً؛ ففي يوم الاثنين، فجر ترامب مفاجأة بإعلانه أن إدارته منخرطة في محادثات “جيدة جداً” مع إيران بشأن “حل كامل وشامل” للحرب.

ومنذ ذلك الحين، قدم هو وإدارته روايات متضاربة حول مدى احتمالية التوصل إلى اتفاق. وقال المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف يوم الخميس إن هناك “إشارات قوية” على أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على إقناع إيران بأنه ليس لديها خيار أفضل من قبول خطة واشنطن المكونة من 15 نقطة لإنهاء الحرب.

هذه الصورة الموزعة التي التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية عبر القمر الصناعي “كوبيرنيكوس سنتينل-2″، تُظهر مشهدًا لجزيرة خارك الإيرانية، التي تضم محطة تصدير النفط الخام الرئيسية في البلاد والمسؤولة عن الغالبية العظمى من شحناتها النفطية إلى العالم، وتقع على بعد حوالي 30 كيلومترًا جنوب البر الرئيسي في شمال الخليج، في 7 مارس 2026. (European Space Agency/AFP)

ويرسم ترامب الآن صورة أكثر تشككاً بشأن تلك الفرص، وذلك بعد ثلاثة أيام من إشارته إلى أن الاتفاق بات قريباً. وقال في ملاحظاته الافتتاحية خلال اجتماع لمجلس الوزراء: “لا أعرف ما إذا كنا سنتمكن من فعل ذلك”.

وأصر قائلاً: “أنا لست يائساً على الإطلاق لعقد صفقة. لا أبالي! لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر”.

وقد تكون جزيرة خرج أحد هذه الأهداف.

كتب وزير الدفاع السابق يوآف غالانت في موقع “ذا فري برس”: “على رقعة الشطرنج الاستراتيجية لهذه الحرب، جزيرة خرج هي القطعة التالية. قد تكون هي الخطوة التي تحسم الصراع. وإذا كان سيتم اتخاذها، فيجب أن تُتخذ الآن”.

تتمتع الولايات المتحدة بمزايا عسكرية ساحقة، لكن هناك مخاطر جسيمة تكتنف السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي؛ إذ ستكون القوات الأمريكية هدفاً مغرياً، كما أن هناك طرقاً أخرى للضغط على النظام عبر قطع مبيعاته النفطية.

خارطة للخليج توضح موقع مضيق هرمز ومينائي جاسك وجزيرة خارك في إيران. (Laurence SAUBADU/AFP)

ومع ذلك، إذا لم تسفر المحادثات عن نتائج، فقد يكون هذا هو المسار الذي تتجه إليه الحرب.

وقال راز زيمت، الباحث في الشؤون الإيرانية بمعهد دراسات الأمن القومي: “ما أتوقع رؤيته هو مزيد من التصعيد، والذي سيشمل على الأرجح نوعاً من العمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة، وهذه المرة باستخدام قوات برية”.

السيطرة على الجزيرة

لم يستبعد ترامب علانية خيار السيطرة على خرج، وهي الخطوة التي دعا إليها خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.

وكان قد صرح لصحيفة “الغارديان” في مقابلة أجريت معه عام 1988 أنه إذا أصبح رئيساً للولايات المتحدة يوماً ما: “سأكون قاسياً مع إيران. لقد كانوا يهزموننا نفسياً، ويجعلوننا نبدو كمجموعة من الحمقى. رصاصة واحدة تطلق على أحد رجالنا أو سفننا وسأقوم بعمل عسكري ضد جزيرة خرج. سأدخل وأسيطر عليها”.

في هذه الصورة الموزعة من البحرية الأمريكية، تعبر سفينة الهجوم البرمائي من فئة “واسب” ’يو إس إس باتان’ المحيط الأطلسي في 20 يوليو 2023. (Mass Communication Specialist 2nd Class Danilo Reynoso/U.S. Navy, via AP)

يعتقد الكثيرون أن السيطرة على الجزيرة ستجبر إيران على قبول الشروط الأمريكية.

وتقوم الفكرة على أن الاقتصاد الإيراني – الذي يعاني بالفعل من أوضاع مزرية – سينهار فعلياً إذا لم يتمكن من تصدير النفط، وذلك عبر قطع مصدر دخله الرئيسي. ومن المرجح أن يترك ذلك النظام أمام خيارات محدودة بخلاف التراجع وفتح المضيق قبل أن ينهار المجتمع، أو يقرر الشعب الإيراني أنه قد طفح به الكيل ويحاول الإطاحة بالنظام بنفسه.

وبينما لا يوجد دليل على أن ترامب قد اتخذ قراراً بالسيطرة على الجزيرة، فإن التعزيزات العسكرية التي تمكنه من القيام بذلك هي الآن في طريقها.

مشاة البحرية الأمريكية خلال تدريب عسكري في بر اليابان الرئيسي، في 8 ديسمبر 2020. (US Marine Corps/Cpl. Levi J. Guerra)

أفاد مصدر مطلع على التخطيط لشبكة “سي إن إن” أن السيطرة على الجزيرة ستتطلب عدداً كبيراً من القوات. وقد نشرت الولايات المتحدة 1000 مظلي من الفرقة 82 المحمولة جواً و5 آلاف من مشاة البحرية باتجاه الخليج، حيث ينتقل جنود مشاة البحرية على متن السفينة “يو إس إس تريبولي”، وهي سفينة هجومية يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في هجوم محتمل على خرج.

ويعتقد البعض أن السيطرة على الجزيرة لن تشكل مشكلة كبيرة.

ووفقاً لريان بروبست وكاميرون مكميلان من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فإن “مزيجاً من مشاة البحرية والقوات المحمولة جواً التابعة للجيش وقوات العمليات الخاصة يمكنه على الأرجح السيطرة على جزيرة خرج بسرعة نسبية، رغم أن الأصول البحرية ستواجه تهديدات إيرانية أثناء عبورها إلى الجزيرة”.

بينما يبدي آخرون حذراً أكبر.

هذه الصورة غير المؤرخة التي نشرها الموقع الرسمي للجيش الإيراني يوم الجمعة 1 أكتوبر 2021، تُظهر قوات برية تشارك في مناورة بالقرب من الحدود الإيرانية مع أذربيجان (Iranian Army via AP)

حذر مسؤولون أمريكيون وخبراء عسكريون من مخاطر وقوع إصابات كبيرة، قائلين إن الجزيرة محصنة بشدة بدفاعات متعددة الطبقات، وأن إيران عززتها مؤخراً بأنظمة صواريخ موجهة إضافية من نوع MANPADS المحمولة على الكتف والمضادة للطائرات، حسبما قالت مصادر لشبكة “سي إن إن”.

ووفقاً للتقرير، فإن طهران تقوم بنصب الفخاخ ونقل أفراد عسكريين وتعزيز الدفاعات الجوية وسط مخاوف من خطة أمريكية للسيطرة على الجزيرة.

وكتب غالانت، الذي قاد وحدة الكوماندوز البحري الإسرائيلية “شايطيت 13″، أن الهجوم البرمائي على شاطئ محصن يعد “واحداً من أكثر العمليات تطلباً وصعوبة في الحروب الحديثة”.

وزير الدفاع يوآف غالانت (يمين) مع العميد يوتام سيغلر في قاعدة نفاتيم الجوية في جنوب إسرائيل، 6 أكتوبر 2024. (Elad Malka/Defense Ministry)

وكتب: “تدرس الجيوش عمليات إنزال مثل نورماندي لسبب وجيه؛ فهي تتطلب تنسيقاً دقيقاً عبر المجالات البحرية والجوية والبرية، وتترك الموجات الأولى من القوات مكشوفة إذا لم يتم بناء القوة القتالية بسرعة على الشاطئ. ويعتمد النجاح على دمج المروحيات والطائرات ثابتة الجناحين، وزوارق الإنزال، والقوات البرية، والاستخبارات، والحماية المستمرة ضد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة”.

ومع ذلك، ستتمتع الولايات المتحدة بمزايا لا تمتلكها معظم قوات الإنزال؛ إذ تسيطر الولايات المتحدة على الأجواء، وسيكون بمقدورها ضرب أي جنود إيرانيين على الجزيرة يرتكبون حماقة محاولة التصدي لعملية الإنزال.

كما أنها تسيطر على البحر؛ فالبحرية الإيرانية مدمرة، ولن تتمكن الجمهورية الإسلامية من نقل تعزيزات إلى الجزيرة.

ستأتي الأخطار الحقيقية على القوات بعد الغزو الأولي.

إذ ستجعل إيران الوجود الأمريكي في هذه الجزيرة الحيوية هدفاً ذا أولوية وتُركز قوتها النارية هناك. لقد تعرضت إيران لضربات قاسية، لكنها لا تزال تحتفظ بالقدرة على إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ، بما في ذلك الرشقات اليومية على إسرائيل والإمارات العربية المتحدة.

وبخلاف إسرائيل، تقع خرج في مرمى المدفعية الصاروخية الإيرانية، بالإضافة إلى أنواع متعددة من الطائرات المسيرة الانتحارية.

في حربها المستمرة منذ أربع سنوات مع أوكرانيا، اعتمدت روسيا بشكل كبير على الطائرات المسيرة الانتحارية، وهي سلاح رخيص الثمن ويُنتج بكميات كبيرة يمكنه العثور على أهداف عسكرية ومدنية وتدميرها. وكانت إيران مورداً رئيسياً لطائرات “شاهد” المسيرة، التي استخدمتها روسيا لقصف الأهداف بكثافة، بما في ذلك مستودعات الوقود ومحطات الطاقة.

وتستخدم موسكو موجات من هذه الطائرات المسيرة الرخيصة نسبياً لإنهاك الدفاعات، كما استخدمتها القوات الروسية بدقة بالاشتراك مع طائرات استطلاع مسيرة لمهاجمة المدفعية الأوكرانية.

أفراد من قوات الدفاع الإقليمي الأوكرانية يصوبون بنادقهم نحو طائرة مسيرة محتملة بالقرب من مبنى سكني أصابه حطام صاروخ تم إسقاطه في كييف، في 20 مارس 2022. (Fadel Senna / AFP)

ومن المرجح أن تستخدم إيران تكتيكات مماثلة ضد القوات الأمريكية.

ومع تعرض إيران للهجوم، تحول تدفق الطائرات المسيرة؛ إذ بدأت روسيا بتسليم طائرات مسيرة إلى إيران هذا الشهر، ومن المقرر أن تكتمل الشحنة المرحلية للمعدات بحلول نهاية الشهر، وفقاً لما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز” نقلاً عن تقييمات استخباراتية غربية.

وللتعامل مع تهديد الطائرات المسيرة والمدفعية، سيتعين على الولايات المتحدة نقل أصول جوية كبيرة لملاحقة المنصات المتنقلة ومواقع التخزين على طول الساحل.

آثار مؤجلة

هناك أسباب أخرى تجعل غزو خرج ليس الحل السحري الذي يعتقده البعض.

تفيد تقارير أن إيران تبيع أكثر من 1.5 مليون برميل يومياً خلال الحرب، وتتمتع بمكاسب غير متوقعة نتيجة ارتفاع الأسعار والانخفاض الحاد في المنافسة. إن انتزاع مصدر الدخل هذا من النظام سيضره، ولكن ليس بشكل فوري.

ناقلة النفط الإيرانية “سابيتي” تعبر البحر الأحمر في 11 أكتوبر 2019. (Shana via AP)

عندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، انخفضت صادرات النفط الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 500 ألف برميل.

وقال زيمت: “لقد تمكنوا من الصمود، لذا قد يستغرق الأمر عدة أسابيع أو حتى أشهر قبل أن تضطر إيران لمواجهة التداعيات الاقتصادية للسيطرة على جزيرة خرج”.

ويمكن لإيران أن تستمر لأسابيع أو شهور في مهاجمة الملاحة في مضيق هرمز، وضرب البنية التحتية للطاقة في دول الخليج قبل أن تجبرها الأزمة الاقتصادية على الاستسلام.

وهناك الكثير من الطرق الأخرى الأقل خطورة لمنع إيران من القدرة على تصدير الغاز، إذا كان هذا هو طريق الضغط الذي يريد ترامب استخدامه؛ إذ لن يكون من الصعب جداً إيقاف السفن التي تحمل النفط الإيراني في الخليج أو في بحر العرب. كما يمكن للولايات المتحدة تدمير المنشآت الإيرانية في الجزيرة تدريجياً من الجو طالما ترفض طهران تلبية الشروط الأمريكية، أو على الأقل إعادة فتح المضيق.

تُظهر هذه الصورة المقدمة من القيادة المركزية الأمريكية طائرة من طراز F/A-18E سوبر هورنيت وهي تقوم بهبوط كبحي على متن حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن (CVN 72) دعماً لعملية “الملحمة الغاضبة” (Operation Epic Fury) في 2 مارس 2026. (US Navy via AP)

علاوة على ذلك، فإن التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية قد يعني تضييع فرصة تاريخية.

حيث قال ريتشارد غولدبرغ، كبير المستشارين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: “إذا تمكنت فعلياً من حرمانهم من تصدير النفط، فسيؤدي ذلك على الأرجح إلى تدهور قدرة النظام على التهديد لدرجة تجعلنا لا نخشى على حماية قواتنا، سواء كانت فوق جزيرة خرج أو بالقرب منها”.

“عند تلك النقطة، سيكون من الأفضل استخدام وسيلة الضغط هذه لإسقاط ما تبقى من النظام خلال الأشهر المقبلة، بدلاً من التفاوض والمقايضة بها مع الإبقاء على نظام راديكالي”، وفقاً لما يراه غولدبرغ.

اقرأ المزيد عن