الاحتجاجات التي عمت أنحاء إيران يبدو أنها قد خمدت، في حين لا يزال مصير الإجراءات الأمريكية المحتملة غير واضح
أسعار النفط تنخفض مع تراجع احتمالات نشوب صراع؛ طهران تعلن إلغاء إعدام أحد المتظاهرين؛ إعادة فتح المجال الجوي الإيراني بعد إغلاقه لعدة ساعات

يبدو أن الاحتجاجات التي عمت أنحاء البلاد ضد النظام الديني في إيران قد خمدت يوم الخميس، بعد أسبوع من قيام النظام بقطع البلاد عن العالم وتصعيد حملة القمع الدموية التي يقول النشطاء إنها أسفرت عن مقتل الآلاف.
في طهران، يقول شهود عيان إن الصباحات الأخيرة لم تشهد أي علامات جديدة على إشعال النيران في الليلة السابقة أو وجود حطام في الشوارع. تلاشى صوت إطلاق النار، الذي كان مكثفًا لعدة ليال.
في غضون ذلك، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية الحكومية عن موجة بعد موجة من الاعتقالات التي قامت بها السلطات، مستهدفة من تصفهم بـ”الإرهابيين“ ويبدو أنها تبحث أيضا عن أطباق الإنترنت الفضائية “ستارلينك”، وهي الطريقة الوحيدة لنشر مقاطع الفيديو والصور على الإنترنت.
وقال وزير العدل أمين حسين رحيمي، وفقا لتقرير صدر يوم الأربعاء عن وكالة أنباء ميزان التابعة للسلطة القضائية: ”منذ 8 يناير، شهدنا حربًا شاملة وأي شخص كان مشاركًا في التجمع منذ ذلك الحين هو مجرم“.
لكن هناك مؤشرات متعددة على أن خطر الإعدامات الجماعية بعد الاحتجاجات آخذ في التراجع. وأفادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية يوم الخميس أن عصام سلطاني (26 عاما) وهو شاب كان من المقرر إعدامه، لن يحكم عليه بالإعدام. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه أُبلغ بأن عمليات القتل في حملة القمع التي يشنها النظام آخذة في التراجع.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الأربعاء إنه لن يكون هناك أي ”إعدام اليوم أو غدا“، على الرغم من تعهدات طهران السابقة بتسريع محاكمة المتظاهرين. وقال إن النظام عاد إلى ”السيطرة الكاملة“.
جاءت هذه الخطوة بعد أيام من التكهنات حول ما إذا كان ترامب سينفذ تهديداته بضرب إيران ردا على مقتل آلاف المتظاهرين. قد تكون تعليقات ترامب حول التخفيف من القتل قد أشارت إلى تأجيل العمل العسكري، حتى مع قيام الولايات المتحدة بإجلاء بعض أفرادها من قاعدة عسكرية في قطر قصفتها إيران العام الماضي. وقال تقرير لشبكة NBC، نقلا عن مسؤول أمريكي، إن ترامب يريد أن تكون أي ضربة ”حاسمة“.
وسط حالة عدم اليقين، أغلقت إيران مجالها الجوي أمام الرحلات التجارية لعدة ساعات ليلة الأربعاء، لكنها أعادت فتحه صباح الخميس.
أدى التراجع الظاهري في احتمالات توجيه ضربة عسكرية إلى انخفاض أسعار النفط.
وكان من المقرر أن يجتمع مجلس الأمن الدولي بشأن المظاهرات في وقت لاحق من يوم الخميس، في الوقت الذي حثت فيه دول المنطقة على الاستقرار.
تتراوح تقديرات عدد القتلى بين أقل من 3 آلاف إلى أكثر من 12 ألفًا. أدى قطع الإنترنت لعدة أيام من قبل النظام الإيراني إلى صعوبة الوصول إلى المعلومات حول الاحتجاجات والعنف والتحقق منها. وصف كل من إيران وأعداؤها الغربيون الاضطرابات بأنها الأعنف منذ الثورة الإسلامية عام 1979 التي أرست نظام الحكم الديني الشيعي في إيران.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، أفادت منظمة حقوق الإنسان ”هينغاو“ أن المتظاهر سلطاني، الذي اعتُقل على خلفية المظاهرات في مدينة كرج، كان من المقرر إعدامه يوم الأربعاء. لكن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية قالت يوم الخميس إن سلطاني متهم بـ”التآمر ضد الأمن الداخلي للبلاد والقيام بأنشطة دعائية ضد النظام“، لكن عقوبة الإعدام لا تنطبق على مثل هذه التهم إذا تم تأكيدها من قبل المحكمة.
وقالت منظمة حقوق الإنسان إن هناك ”مخاوف جدية ومستمرة“ بشأن حياة سلطاني.
وفي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، قال عراقجي يوم الأربعاء إن إيران ”لا تعتزم“ إعدام أشخاص ”اليوم أو غدًا“، عندما سُئل عن الاحتجاجات.
وقال: ”لا توجد أي خطة للإعدام شنقًاً على الإطلاق“، مضيفًا ”الإعدام شنقًا أمر غير وارد“.
وادعى عراقجي في المقابلة، دون أن يستشهد بأدلة، أن العنف الذي أحاط بالاحتجاجات كان نتيجة ”مؤامرة إسرائيلية“.
وفي وقت سابق من يوم الأربعاء، قال غلام حسين محسني إيجي، رئيس السلطة القضائية الإيرانية، إن على الحكومة أن تتحرك بسرعة لمعاقبة أكثر من 18 ألف شخص تم اعتقالهم، من خلال محاكمات سريعة وإعدامات. وقد أدلى محسني إيجي بتصريحاته حول المحاكمات السريعة والإعدامات في مقطع فيديو بثه التلفزيون الإيراني الحكومي.
وقال ”إذا أردنا القيام بعمل ما، فيجب أن نقوم به الآن. إذا أردنا القيام بشيء ما، فيجب أن نقوم به بسرعة“، مضيفًا “إذا تأخر الأمر، لشهرين أو ثلاثة أشهر، فلن يكون له نفس التأثير. إذا أردنا فعل شيء، فعلينا أن نفعله وبسرعة قصوى”.
تصاعدت التوترات يوم الأربعاء، حيث أعلنت إيران أنها حذرت جيرانها من أنها ستضرب القواعد الأمريكية في المنطقة في حالة شن الولايات المتحدة ضربات جوية، وقال مسؤول أمريكي إن الولايات المتحدة تسحب بعض أفرادها من القواعد في المنطقة. وقال العديد من المسؤولين الغربيين إن التدخل العسكري الأمريكي قد يكون وشيكًا.
وذكر تقرير شبكة NBC أيضًا أنه كان من المقرر أن يتم عرض خيارات عسكرية مختلفة على ترامب في ذلك اليوم، مصممة لتحقيق الأهداف التي حددها خلال جلسة إحاطة مع فريقه للأمن القومي في اليوم السابق.
وقالت قطر إن سحب القوات من قاعدة العُديد الجوية، أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، ”يتم استجابة للتوترات الإقليمية الحالية“. وأطلقت إيران صواريخ على قاعدة العُديد العام الماضي ردا على الغارات الجوية الأمريكية على منشآتها النووية خلال الحرب التي دامت 12 يوما بين إسرائيل وإيران.
لكن ترامب قال بعد ذلك إنه علم أن عمليات القتل قد توقفت.
وقال ترامب: ”لقد أبلغتنا مصادر مهمة للغاية من الجانب الآخر أن عمليات القتل قد توقفت، وأن الإعدامات لن تتم“.
وأضاف ترامب أنه من الممكن أن تسقط الحكومة في طهران بسبب الاحتجاجات، لكنه أردف قائلاً إن الحقيقة هي أن “أي نظام يمكن أن يسقط”.
وقال: ”سواء سقط أم لا، ستكون فترة مثيرة للاهتمام“.
أدت تصريحات ترامب يوم الأربعاء إلى تراجع أسعار النفط عن أعلى مستوياتها في عدة أشهر، وانخفض سعر الذهب من أعلى مستوى قياسي له يوم الخميس.
وفقًا لتقرير نشرته شبكة NBC News، أخبر ترامب كبار مساعديه في مجال الأمن القومي أنه يريد أن تكون أي عملية عسكرية ضد إيران ضربة سريعة وحاسمة للنظام دون أن تؤدي إلى صراع طويل الأمد يستمر لأسابيع أو أشهر.
ونقلت الشبكة عن مسؤول أمريكي وأشخاص مطلعين على الأمر قولهم إن مستشاري ترامب لم يتمكنوا من ضمان سقوط الجمهورية الإسلامية بسرعة في حالة تعرضها لضربة من الولايات المتحدة، كما أشارت إلى مخاوف من عدم توفر الموارد العسكرية اللازمة في منطقة الشرق الأوسط للدفاع ضد أي رد إيراني.
لذلك، إذا قرر ترامب شن هجوم، فقد يعطي في البداية الضوء الأخضر لشن ضربات محدودة على إيران، مع ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية تصعيد الموقف لاحقًا، وفقًا للتقرير الذي وصف الوضع بأنه سريع التطور وشدد على أنه لم يتم اتخاذ أي قرار بعد.
ومع ذلك، أكدت المصادر المذكورة في التقرير أن ترامب مستعد للوفاء بوعده المتكرر بأن الولايات المتحدة ستقدم المساعدة للمتظاهرين المناهضين للحكومة.
وقال أحد الأشخاص لشبكة NBC: ”إذا قام [ترامب] بفعل شيء ما، فإنه يريد أن يكون ذلك حاسمًا“.
وقرر مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع طارئ بشأن إيران بناء على طلب الولايات المتحدة بعد ظهر يوم الخميس.
وأفادت وسائل الإعلام السعودية أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أجرى اتصالاً هاتفيًا مع عراقجي يوم الخميس لبحث التطورات الإقليمية وسبل دعم الأمن والاستقرار في المنطقة.
ودعا وزير الخارجية التركي يوم الخميس إلى الحوار لحل الأزمة. وقال هاكان فيدان للصحفيين في اسطنبول: ”نأمل أن تحل الولايات المتحدة وإيران هذه القضية بينهما – سواء من خلال الوسطاء أو الأطراف الأخرى أو الحوار المباشر“.
بدأ إغلاق المجال الجوي الإيراني ليلة الأربعاء واستمر لأكثر من أربع ساعات، وفقا لإرشادات الطيارين الصادرة عن إيران، التي تقع على طريق طيران رئيسي بين الشرق والغرب. وقد غيرت شركات الطيران الدولية مساراتها شمالاً وجنوبا للالتفاف حول إيران، ولكن بعد تمديد واحد، بدا أن الإغلاق قد انتهى، حيث كانت عدة رحلات داخلية في الجو بعد الساعة السابعة من صباح الخميس بقليل (5:30 صباحا بتوقيت إسرائيل)”.
في حوالي منتصف النهار، بث التلفزيون الإيراني الرسمي بيانا صادرا عن هيئة الطيران المدني في البلاد قالت فيه إن ”أجواء البلاد تستقبل رحلات قادمة ومغادرة، والمطارات تقدم خدماتها للمسافرين“. ولم تقر بإغلاق المجال الجوي.
سبق لإيران أن أغلقت مجالها الجوي خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا ضد إسرائيل في يونيو الماضي، وكذلك عندما تبادلت إطلاق النار مع إسرائيل خلال الحرب بين إسرائيل وحماس.
وأشار موقع SafeAirspace إلى أنه على الرغم من ذلك، لا يزال الوضع يؤثر بشكل ملموس على حركة الطيران.
وقال الموقع، الذي يوفر معلومات عن مناطق النزاع والسفر الجوي: ”قامت عدة شركات طيران بالفعل بتخفيض أو تعليق خدماتها، وتجنب معظم شركات الطيران المجال الجوي الإيراني“، وأضاف ”قد يشير الوضع إلى مزيد من الأنشطة الأمنية أو العسكرية، بما في ذلك خطر إطلاق الصواريخ أو تعزيز الدفاع الجوي، مما يزيد من خطر الخطأ في تحديد هوية حركة الطيران المدني“.